إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الأحد الرابع من الصوم: مريض بيت حسدا

0 661

أَتُريدُ أَن تُشفى؟

يأتي الأحد الرابع من الصوم الأربعيني في إطار مسيرة التجديد التي يسعى إليها كلِّ إنسان لتنفتح عيناه فيرى المسيح القائم ويعرفه. في الأحد الأول وضعتنا القراءات الليتورجية أمام حقيقتنا كبشر ضعفاء مُعرضون لتجارب إبليس، ها هو الابنُ الكلمة، الذي شاركنا في طبيعتنا الواهنة، يتعرض مثلنا إلى تجارب ثلاث، نجد فيها، كبشر، مجمل ما نتعرض إليه من تجارب يومية: تجارب الشهوة، السلطة، وتجربة الله ذاته.

جاءت قراءات الأحد الثاني من الصوم، لتكشف للإنسان، أنه مهمٌ عند الله، الذي يسعى بكل طاقته ورحمته إلى عدم فقدان الإنسان، فالعدد يجب أن يكون كاملا، ومتواجد في بيت الآب. الله هو ذلك الأب الذي يسعى لعدم فقدان أحدٌ من أبناءه، الأكبر أو الأصغر، أو ذلك الراعي الذي يبحث عن الخروف المئة، أو تلك المرأة التي تبحث عن درهمها العاشر المفقود. العدد يجب أن يكون كاملاً، الجميع يجب أن يكون في المأدبة التي يصنعها الله لنا، فيكون فرح في السماء بعودة شخصٌ مفقود. فبالرغم من التجارب وحيل إبليس، الله لن يتركنا أبدًا للهلاك.

إلا أن على الإنسان أن يصارع آلهته الخاصة، التي تمنعه عن عبادة الله والسجود لها. ها هي المرأة السامرية، التي تعبد ست إلهة، خمس آلهة قدم لها أهل السامرة الذبائح في عهد ملك أشور، خمس بعول. ثم إلهً أخير يعبده أهل السامرة، إله مجزأً لا يعترف بتمام الشريعة مع الأنبياء. قدم المسيح نفسه إلى النفس البشرية كزوج سابع، على مثال هوشع، ليرتبط بالإنسان الذي كرس حياته متنقلاً بين آلهةً كاذبة.

تأتي رواية مريض بيت حسدا لتكتمل مسيرة الإنسان نحو الخلاص. فلكي يعترف الإنسان بعبادته لألهة كاذبةً كالمال والشهوة والسلطة، عليه أن يتحمل مسئولية خطاياه لا يلقي بها على كاهل الظروف أو الأخرين.

يسأل المسيح المريض المُقعد منذ ثماني وثلاثون عامًا: أَتُريدُ أَن تُشفى؟ كان تفكير ذلك المُقعد أولاً محصوراً في البِركة، ولم يكن يخطر بباله أنه يمكن أن يكون لمثله شفاء بعيداً عن البِركة. لما سأله الرب أتريد أن تبرأ؟ كانت إجابته «ليس لي إنسان يلقيني في البِركة».. لقد ظل إلى جوارها 38 سنة بلا فائدة ومع ذلك ظل متعلقاً بأهداب الأمل فيها. ويقيناً كان سيقضي ما بقى له من عمر إلى جوارها، لو لم يكن قد حضر إليه ابن الله ومعه الشفاء.

يظهر يوحنا دقيقًا للغاية في ذكر الوقت الذي قضاه بجوار البركة هو ثماني وثلاثون عامًا. اجتهد المفسرون في تفسير سبب هذه الدقة التي أرادها يوحنا، وذلك بالقول بأن العدد أربعين هو العدد الكامل في الكتاب المقدس، فالشعب قضى أربعون سنة في تيه الصحراء، وبقي موسى أربعون يومًا في الجبل ليتّسلم الوصايا العشر. كذا قضى الرب أربعون يومًا مُجربًا من أبليس. الإنسان الكامل في العقلية اليهودية هو من بلغ أربعون عامًا. هذا المُقعد لم يبلغ الكمال بعد، ينقصه عامين، أثنين. والعدد اثنين يُشير دائما إلى الوصية الكبرى محبة الله ومحبة القريب كالنفس.

يُمثل المُقعد الإنسان الذي يُصارع أهوائه الشخصية ليتخلص من آلهته الكاذبة ويرتبط بالله وحده. إلا إن هذا الرجل لم يعترف بخطأ ما صنعه، بل المشكلة هي في الآخرين: “ليسَ لي مَن يَغُطُّني في البِركَةِ عِندَما يَفورُ الماء. فبَينَما أَنا ذاهِبٌ إِلَيها، يَنزِلُ قَبْلي آخَر”. المشكلة هي في الآخرين، هم السبب في مشكلاتي، في أخطائي. فالآخر هو الذي دفعني لارتكاب الخطأ، تلك المرأة قد أغوتني!

لم يتحمل المُقعد مسئوليته عن أخطائه، ألقي بالمشكلة على الآخرين الذين لم يساعدوه، لم يلقوه في البركة عندما تفور المياه. إلا رحمة الله كان أكبر من خطأ الإنسان، قال له الرب يسوع: “قُم فَاحمِلْ فِراشَكَ وامشِ”.

رسالة قراءات الأحد الثالث هي: إذا أردت أن تزيل الغشاوة من عينيك لترى يسوع المسيح القائم، عليك أن تتحمل مسئولية أخطائك الشخصية، أن تعترف بها وتطلب المغفرة عنها. ها وقت الصوم قد شارف على الانتهاء، اسرع بالاعتراف يما أقترفت وانظر الخشبة التي في عينيك التي ستمنعك من رؤية نور المسيح القائم.

قد يعجبك ايضا
اترك رد