إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

العائلة صورة الله

0 288

العائلة صورة الله

لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ

الوحدة هي أكبر مشاكل البشر!! فليس جيدًا أن يكون آدم وحده… كلمة الله محيية قوية وفعالة، عندما قال الله “كن” فتم الخلق: “ليكن نور فكان نور”. تحولت الفوضى إلى كون بديع، إلى أرض وسماء ومخلوقات. “جيدًا، مثل “كن” كلمة ذات معنى عميق جدًا، فهي ليست كلمة عابرة، ليس حسنًا أن يكون الإنسان وحده.. فالوحدة قاتلة، مدمرة للإنسان. الشعور بالوحدة شعور قاسي، وحدي أشعر إني منعزل، لا أحد يشعر بي، يهتم بي، يحبني. أشعر بعدم الرضى، بالانعزال، بالوحدة.. لماذا؟

فما هو الجسد؟

ظاهريا وككل الأشياء الجسد محدود، يمكن أن يوصف كيميائيا وبيولوجيا.. لكن أهم ما يميزه هو الجلد الذي يُعد الكيس الذي يحتويني بالداخل. هذا الكيس يعزل الجسد مع كل ما ليس أنا. أنا نفسي، وأنت نفسك. هناك مسافة لا يمكن اجتيازها ما بين اجسادنا. كل شخص بنوع ما منغلق بجسده على ذاته. ماذا يختبئ وراء هذا الوجه؟ ما هي الكذبة وراء هذه الكلمة او هذهالحركة؟

أشعر إني منغلق على نفسي. خارج جسدي لا وجود لي في العالم. يشعرني جسدي بأن وحيد وأشعر بحاجة إلى التواصل مع الآخرين، الحاجة إلى علاقة اجتماعية وعاطفية للخروج من تلك الحالة. يلازم الشعور بالوحدة الإنسان طوال حياته، حتى عند زواجه، حتى في الاتجاه الجنسي الشركاء يمكن للأزواج أن يبقوا غرباء عن بعضهمالبعض. هل تشعر أنك وحيد؟

وبالرغم من أن جسدي يعزلني عن الأخرين، إلا إنه هو وسيلة اتصالي بهم، هو يوصلني بالآخر. يمتاز الجسد بأنه يستطيع أن يُعبر عن حالة الإنسان الباطنية والداخلية، فما يعيشه الإنسان في تفكيره وفي شعوره وفي نواياه يسعى إلى إظهاره في الخارج بواسطة جسده… يحتوي الجسد على تعقيدات عجيبة، وهو بمثابة أعجوبة مستمرة لنفسمتجسدة. لأنني أحقق ذاتي في عينيَّ، في صوتي، في يديَّ، فأنا بنوع ما أكون جسدي. فلا نقول أبداً: “جسدي يلتهب حرارة”، بل: “أنا التهبحرارة”. فبواسطة جسدي أتصل بالعالم، مع الآخرين. فبمجردهزة رأس، أو ابتسامة تشجيع، أو غمزة عين، أو ضربة جامدة لليد، أو تحسس شيء ناعم،فالجسد يتكلم. بالصوت طبعاً، أي باللغة المَنْطوقِ بها، ولكن أيضا بكل الجسد،فهنالك لغة جسدي.    يُعد الجنس أهم وسائل الاتصال الجسدي بالآخرين.

لكن الاتصال يظل قاصرًا لا يكفي للتغلب على شعوري بالوحدة التي وصفها الله بأنه ليس “جيدًا” أن يكون الإنسان وحده. كل مظاهر الاتصال بالآخرين، الكلام، النظرات، لغة الجسد، الحميمية، لا تكفي في التغلب على شعور الوحدة الذي يملء كيان الإنسان.

متى تنكسر القوقعة التي تفصلنا عن الآخرين: 

أعد الله منذ البداية الحل للمشكلة الأزلية للوحدة، وهي رسالة الإنسان الأساسية في الوجود. الحالة الوحيدة هي التي أسسها الله لمعالجة الألم الناشء من الوحدة هي الزواج. ففي الزواج تنكسر هذه القوقعة التي تفصلنا عن الآخرين، التي تسجن ذاتك وتشعر أنك تنطلق وتتحد بالفعل بالآخر: لِذَلِكَيَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِجَسَداً وَاحِداً.

تبدأ الرحلة من الانفصال عن الأبوين: “يترك الرجل” والديه عاطفيًا وفكريًا. ثم تأتي مرحلة الاتصال: “يلتصق بامرأته”.. فبعد الترك ياتي الالتصاق. والفعل “يلتصقمعناه يلتصق كما بمادة لاصقة إشارة إلى متانة الرباط المقدس بين الزوج والزوجة كماإلى ديمومة الزواج مدى الحياة، لا يفرق بين الزوجين إلا الموت. الزواج الذييوافق عليه الله هو ذلك الزواج الذي يستهلك كامل الوقت مدى الحياة بكل أمانة وصدقوإخلاص.ثم تأتي المرحلة الثالثة وهي مرحلة القبول المشترك، الاتحاد. وكان هذا الاتحاد نموذجاً إلهياً رسمه الرب الإله، ورآه حسناً جداً إذ كان يعكس سر الحب والوحدة الكائنين في الحياة الإلهية، ويكشف عنهما منطبعين في عمق الحياة الإنسانية.

لا يفهم الاتحاد هنا فقط بالبعد الجنسي، لكن شركة الحياة القائمة بينهم على قبول كل منهم للأخر. كل منهم لديه جسد وعقل وعاطفة مختلفة تمامًا، يقبلاً بعضهم لبعض بالرغم من الفوارق المتابينة. كان كلاهما عريانيين ولايخجلان، أي لا شيء يستر ضعفاتهما، خصائصهما. ليس هناك ما يخبأنه عن بعضهم لبعض فالانكشاف كامل، والشركة بينهم كاملة، والاتحاد كامل: “فما جمعه الله لا يفرقه إنسان”. لنتصور معا آدم وحواء يمسك كل منهما بيد الأخر وهم عريانيين ولا يخجلان، يقبل منهما اختلاف الآخر عنه، يقبل ضعفاته، نقائصه، اختلاف عاداته وطرق التعبير عن ذاته عن مشاعره عن أفكاره.

بالرغم من أن الجسد يفصلني على الآخرين ويُشعرني بالوحدة، إلا أن خطة الله منذ البدء (قبل السقوط) أن يكسر الإنسان قوقعته ويخرج من عزلته ليلتقي بآخر مختلف، ويصيراً الأثنين جسدًا واحدًا كاملاً. كلاهما عريانين ولا يخجلان. لماذا لا يخجلان؟. فالجسد خلقه الله مقدس، طاهر. ولكي نفهم هذا نسلط الضوء على آية من الكتاب المقدس (مت ٧: ٦):

“لا تُعطُوا الكِلابَ ما هَو مُقدَّس، ولا تُلْقوا لُؤلُؤَكُم إِلى الخَنازير، لِئَلاَّ تَدوسَه بِأَرْجُلِها، ثُمَّ تَرْتَدَّ إِلَيكُم فتُمَزِّقَكُم”.

لا تعطوا الكلاب ما هو مقدس؟ ما هو الشيء المقدس هنا؟ متى نستطيع أن نقول إن هذا الشيء مقدس؟ الشيء المقدس هو المتعلق بالله. فالله هو القدوس وكل ما يتعلق به مقدس. فما هو الشيء المقدس؟ هل الكتاب المقدس. هل كلام المسيح هنا بأن لا نعطي الكتاب المقدس للكلاب؟ هل لا يجب ان نعطي القربان إلى القطط، ما معنى هذا؟

لكن ما هو الشيء الذي يحمل صورة القداسة؟ الإنسان، الشخص البشري. فالشيء المقدس هو الإنسان. من يحمل صورة الله؟ يقول الرب يسوع عندما سألوه عن الضريبة: أعطوني درهما: لمن الصورة والكتابة. قالوا لقيصر. قال: أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. ماذا يحمل الدرهم؟ صورة لقيصر؟ أعطوا المال إذن لقيصر. ماذا يحمل صورة الله:  الإنسان. الصورة والمثال، الصورة والكتابة. نحن الشيء المقدس، أنا الشيء المقدس.

يكرر بولس هذه الفكرة في رسالته الأولى إلى كورنثوس: “أَما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟ مَن هَدَمَ هَيكَلَ اللهِ هَدَمَه الله، لأَنَّ هَيكَلَ اللهِ مُقدَّس، وهذا الهَيكَلُ هو أَنتُم.” (١كو ٣: ١٦-١٧). سبق أن أعلن يسوع أن الهيكل هو جسده «اُنقُضوا هذا الهَيكَل أُقِمْهُ في ثَلاثَةِ أَيَّام !» فقالَ اليَهود: «بُنِيَ هذا الهَيكَلُ في سِتٍّ وأَربَعينَ سَنَة، وَأَنتَ تُقيمُه في ثَلاَثةِ أيَّام؟» أَمَّا هو فكانَ يَعْني هَيكَلَ” جسده (يو ٢: ٢٠- ٢١). فالجسد هو الشيء المقدس، هو هيكل الله، هو المكان الذي يظهر فيه الله. لأجل أن يظهر الله وسط العالم أرسلني إلى هذه الأرض. جميعنا صورة الله. أنت لؤلؤة جوهرة ثمينة.

تأتي كلمة مقدس في الإنجيل هنا بصيغة الجمع. في اللغة العبرية كلمة مقدس كمفرد “قودش”، في حين الجمع هو “قدوشهيم” الذي يعنى الزواج. فالزواج ما هو مقدس، تبعا للغة العبرية. فالشركة التي تجمع الرجل والمرأة هي الشيء المقدس، تجعل الإنسان الكامل، الناتج من اتحاد الرجل والمرأة “جسدًا واحدًا” صورة الله ومثاله. اتحاد يخلق الحياة وفي خدمتها. ليس فقط الحياة، بل بداية الأبدية.

تنكسر القوقعة التي تسجن ذاتك فقط عندما تصل إلى هذه المرحلة، مرحلة الاتحاد للأشياء المقدسة: “ويكونان جسدًا واحدًا”.

هناك فراغ نُخلق به، يظل موجودًا داخلنا، نشعر إننا وَّحدين، بالرغم من وجود الأسرة والأخوات والأصدقاء، لا يملء هذا الفراغ إلا آخر، من جنس آخر. يتوق كل منا للخروج من شرنقة ذاته للقاء هذا “الآخر” وعندما يجده يشعر بالامتلاء، والرضي. فكلام الله: “ليس جيدًا أن يكون الإنسان وحده” يتحقق عندما يتحدا في شركة واحدة ويصبحا الأثنين كائنًا كاملاً واحدًا.

هذه الرحلة بين ما الذات والآخر هي أجمل ما يقوم به الإنسان (الأفخارستيا)، بل هي دعوته الأساسية التي خُلق من أجلها. الكلمة اليونانية كينونيا التي تعنى الوصول إلى أن تكون قلب واحد وروح واحدة مع آخر. أنت خُلقت لأجل أن يسقط الحاجز الذي يفصلك عن الآخرين، لكي تتغلب على الوحدة التي تملء كيانك، هذا هو عمل الله في حياتك.  أنت لا تستطيع أن تفعل ذلك وحدك، لأنه عمل إلهي. لهذا مات المسيح وقام من بين الأموات. لأجل ان يكسر هذا الحاجز الذي يغلق على أنانية كل إنسان، ويتوجه إلى الآخرين ليصير معهم جسدًا واحدًا معهم. مخطط الله من البدء للحياة البشرية، للخلاص. مخطط أن يتحد أثنين معًا في وحدة واحدة. أن يكون على صورته ومثاله، أب يُحب الابن، وابن يُحب الآب، والروح القدس علامة المحبة بينهما. زوج يُحب الزوجة، وزوجة تُحب الزوج، وعلاقة المحبة بينهما تتجسد في صورة الطفل محصلة علاقاتهما.

كيف هو زواجك؟هل بالفعل شركة حياة، وحدة كيانية مع آخر. يقول سفر التكوين عندما خلق الله المرأة: ليس جيدًا أن يكون الرجل وحده”. فإذا كنت وحيدًا فأنت في حاجة إلى الخروج من ذاتك، من قوقعة الآنا.

إذا أردت أن تجد شريكًا لتصبح معه إنسانًا كاملاً (النصف الثاني) يجب أن يكون مختلفًا عنك، لهذا يترك الرجل أباه وأمه ليجد شخصًا مختلفًا. المشكلة في أن كل الطرفين يرتبطا دون أن ينضجا، يرتبطا بمشاعر طفولية ترغب في الاشباع. تفشل الكثير من الزواجات لاكتشاف الطرفين إن الطرف الأخر مازال طفلاً، يبنى حياته على الأوهام ويرغب في الاستمرار فيها.

الزواج ليس فكرة رومانسية وأحلام وردية عن السعادة الدائمة، بل هي حياة بما تشمل من صعوبات وآلام، تحتمل وتقبل فيها كل شيء حتى رائحة الآخر، ليس هناك طقس ربيعي دائم، بل أوقات تسقط فيها الأمطار بغزارة. الزواج هو تلك الأشياء الصغيرة، الحقائق الصغيرة والتافهة والمشكلة أنه لم نعتاد الحقائق والواقع، بل نجري وراء الأحلام، ولهذا تسمع الشاب يقول بعد زواجه: اتخدعت، انا اجوزت شخص تاني! ويدخل في أزمة مع الواقع والحقيقة. يصرخ بأن هناك خطأ ما. الخطأ لا وجود له في الواقع، الخطأ كامن في تصورك أنت، أو في ما تنتظره عن الواقع. الخطأ في ما تعتقده عن الواقع، فيما تنتظره من زواجك.

تنادي الوصية السادسة من الوصايا العشر بأن “لا تزني”، هي وصية الله لنكون سعداء، هي وصية ضد كل خطيئة في الزواج والعائلة. ما هي العائلة: هي ساحة للمعركة التي يسقط فيها الجرحى والقتلة، يشعر فيها الإنسان بالألم، التي فيها يتم سطر آلام في النفس لا تمحى مع الزمن.

العائلة كما يصورها سفر التكوين هي صورة الله، وجهه الفاعل في العالم (تك ١: ٢٧- ٢٨).

فخلَقَ اللهُ الإنسانَ على صورَتِه، على صورةِ اللهِ خلَقَ البشَرَ، ذَكَرًا وأُنثى خلَقَهُم.

وبارَكَهُمُ اللهُ، فقالَ لهُم: «أُنْمُوا واَكْثُروا واَمْلأوا الأرضَ، وأَخضِعوها وتَسلَّطوا على سمَكِ البحرِ وطَيرِ السَّماءِ وجميعِ الحيوانِ الذي يَدِبُّ على الأرضِ».

ماذا نفهم من النص؟ مفتاح التّفسير كامنٌ في مبدأ “صورة الله” و”مثاله”، الذي يبرزهُ النص الكتابي إبرازاً شديد الوضوح (تك ١ : ٢). لقد خلق الله بقوة كلمته “ليكن”! (مثلاً تك ١ : ٣). ومن مقتضى البيان أن تكمّل كلمة الربّ هذه، في موضوع خلق الإنسان، بهذه الكلمات الأخرى: “لنصنع الإنسان على صورتنا، كمثالنا” (تك ١ : ٢٦).  ، ومُذ ذاك ظهر ذلك السرّ ولد الكائن البشريّ عن طريق الخلق: “خلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم” (تك ١ : ٢٧). خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، خلقه كأسرة، على مثال حياته الثالوثي. الـ “نحن” الإلهي هو المثال الأزلي للـ “نحن البشري” المكون من الرجل والمرأة المخلوقين على صورة الله وكمثاله. الإنسان منذ البدء “ذكرًا وأنثى”، الإنسان منذ البدء أسرة، عائلة موسومة بسمة الثنائية الأصيلة التي تميز الأب والأبن، ويجمعهما روح المحبة.

قال الله لخليقته الجديدة مباركاً: “أنموا واكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها” (تك ١ : ٢٨). فيستعمل سفر التكوين تعبيراً استعمل قبلاً في نصّ خلق الكائنات الحية الأخرى، أي “اكثري”، إلا أن المفهوم التشبيهيّ فيه واضح. أليس هنالك، إذا ما تقرّينا كامل النص في ضوء قرائنه، تشبيه بالولادة والأبوة والأمومة؟ لا أحد من الكائنات الحيّة خلق “على صورة الله، كمثاله” ما عدا الإنسان. وإن لم يكن هنالك فرقٌ بيولوجي في الأبوة والأمومة عند الإنسان وسائر كائنات الطبيعة، فإن لهم عند الإنسان إلى ذلك، وعلى نحوٍ جوهريٍ وانفراديٍّ، “شبهاً” مع الله، تقوم عليه الأسرة في كونها شركة حياة بشريّة، شركة أشخاصٍ يوجدهم الحبّ (Communio personarum).

 ماذا نعنى بأن العائلة هي صورة الله؟

كيف تُحقق هذه الصورة في الواقع، في الحياة؟ ها هي الصورة الكاملة لله التي يمكن أن تحققها العائلة؟ الإجابة في مقدمة الرسالة إلى العبرانيين (عبر١: ١-٣):

“كلَّمَ الله آباءَنا مِنْ قَديمِ الزَّمانِ بِلِسانِ الأنبياءِ مَرّاتٍ كَثيرةً وبِمُختَلفِ الوَسائِلِ، ولكنَّهُ في هذِهِ الأيّامِ الأخيرَةِ كَلَّمَنا باَبنِهِ الذي جَعَلَهُ وارِثًا لِكُلِّ شيءٍ وبِه خلَقَ العالَمَ. هُوَ بَهاءُ مَجدِ الله وصُورَةُ جَوهَرِهِ، يَحفَظُ الكَونَ بِقُوَّةِ كلِمَتِهِ. ولمَّا طَهَّرَنا مِنْ خَطايانا جَلَسَ عَنْ يَمينِ إلهِ المَجدِ في العُلى”.

نفهم الآن ما هي الصورة التي على أسسها خُلقت العائلة، ما هو النموذج التي دُعيت العائلة إلى تحقيقه في الحياة؟. يكشف صليب المسيح سر العائلة الخاص، النموذج الذي شُكلت العائلة على أساسه. بالنظر إلى الصليب نملك خريطة العائلة، سرها الخاص. ماذا ترى في الصليب؟ ترى نموذج للإنسان المحب، الذي يُعطى ذاته للآخر، حب لامتناهي الذي لا يَّضن بالحياة من أجل المحبوب. فالعائلة هي مكان مُعطي من الله، مُبارك من الله، حيث يَّظهر حب يسوع المسيح، حيث يُعطى الحب للآخر دون حدود.

تأتي الوصية الخامسة، لا تقتل، لتُظهر شريعة الحب تجاه القريب، لتجد عمق معناها في الوصية السابعة لا تزني. فالعائلة هي مكان المسيحي الذي يُحّب إلى درجة عطاء الذات. من الخطأ تصور الزواج كمكان أخذ منه شيء ما، كالسعادة أو المتعة، سأشبع فيه نزواتي الأنانية. لهذا هناك عائلات تعاني كثيرًا اليوم. لكنه عطاء الذات للآخر شيء ليس سهلاً أبدًا.

يقول البابا يوحنا بولس الثاني في الإرشاد الرسولي عن العائلة: إن مخطط الله قد جعل العائلة “شركة حياة وحب عميقة”. للعائلة مهمة، رسالة جوهرية بأن تكون رسالة قوامها شركة حب وحياة للآخرين، لأجل هذا خُلقت الأسرة، لأجل هذا باركها الله. مكان يعطي الحياة، مكان يتجسد فيه الحب للآخر. للعائلة هذه الرسالة والمهمة: أن تحفظ وتُظهر وتُعلن هذا الحب وتجعله ممكنا. الحب هنا ليس القائم على المشاعر، الرومانسي، بل أكثر عمقًا، مستمدًا من الله ذاته.

“للعائلة رسالةً قوامها أن تصبح أكثر فأكثر كشركة حياة وحب عن طريق جهد يجد كماله، شأن كل كائن مخلوق ومفتدى، في ملكوت الله. ولا بدّ لنا، إذا ما نظرنا إلى العائلة نظرة تذهب بنا إلى جذورهها، من القول ان الحب هو الذي يحدد، آخر المطاف، جوهر العائلة ودورها. ولهذا كان للعائلة رسالةٌ تقوم على صيانة الحب وكشفه ونقله على إنه انعكاس حيّ لمحبة الله للانسانية ومحبة المسيح الرب للكنيسة عروسه، واشتراك حق في هاتين المحبتين.

ما هو هدف العائلة:

“دور العائلة، إنما هو تعبير في الواقع عن حقيقة هذه الرسالة الأساسية، ومواصلة أكيدة محددة لها”.

يظهر هذا الدور في أربعة عناصر أساسية:

انشاء شركة اشخاص

الأسرة مجموعة أشخاص تقوم حقيقة وجودهم وحياتهم معاً على الشركة، على مثال “النحن” الإلهي. الأسرة تنشأ من الشركة الزوجيّة التي ينعتها المجمع الفاتيكانيّ الثاني بالـ “عهد” الذي يتبادل به الأزواج العطاء والتقبّل”. إن سفر التكوين يوقفنا على هذه الحقيقة عندما يثبت، بالنسبة إلى تأسيس الأسرة بالزواج، “أن الرجل يترك أباه وأمّه ويلزم امرأته فيصيران جسداً واحداً” (تك ٢ : ٢٤). وفي الإنجيل، يكرّر المسيح، في نقاشه مع الفرّيسيين، هذا الكلام نفسه ويضيف: “فليسا هما اثنين بعد ولكنّهما جسدٌ واحد. وما جمعه الله فلا يفرقّه إنسان” (متى ١٩ : ٦). إنه يكشف مرّةً أخرى عن المضمون القياسيّ لأمر كان موجوداً “منذ البدء” (متى ١٩ : ٨) وهو يحتفظ أبداً بهذا المضمون في ذاته. فإن أقرّه الربّ “الآن” فهو يقرّه لكي يوضح ويبعد عن اللّبس، على عتبة العهد الجديد، ميزة الزواج الغير قابلة الحلّ، على أنها أساس خير الأسرة العامّ.

تتشكل العائلة على مثال المشابهة مع الله، فهي اتحاد أبناء الله في الحق وفي المحبة على مثال اتحاد الأقانيم الإلهية. في أقوال المجمع تنجم “شركة” الأشخاص، على  وجه ما، عن سرّ الـ “نحن” الثالوثي، وتتصل من ثمّ “الشركة الزّوجية” هي أيضاً بهذا السرّ. إن الأسرة التي تنشأ من الحبّ بين الرجل والمرأة هي ناجمة أساساً عن سرّ الله. العائلة التي تقوم على المحبة، إذن، وتحيا بها، هي شركة أشخاص، فالعائلة دون محبة ليست شركة اشخاص، هكذا لا يمكن العائلة دون محبة أن تحيا وتنمو وتتكامل بوصفها شركة أشخاص.

تكوين جماعة أشخاص: العائلة هي المكان الذي ينمو فيه الأشخاص من خلال تقاسم أمور الحياة، المكان الذي يشعر فيه بالحب، المكان الذي يتعلم فيه التواصل مع الآخرين والانفتاح معه. قديما كان الأسر تجتمع معاً على العشاء مثلا وتتحاور تتبادل خبرات اليوم، تناقش مشكلاتها وأحولها في جو من المحبة والثقة يخدم كل منهم الأخر. أما الآن فتجتمع الأسر حول التليفزيون، ويجب أن يصمت الجميع لسماع الأخبار أو برامج التوك شو أو المسلسلات، حيث يغيب الحوار والتواصل بين أفرادها. كان يوم الأحد هو يوم عيد يجتمع فيه جميع أفراد الأسرة معا حول المائدة في جو عائلي مبهج. جميل أن ينمو الأطفال ويدركون أن يوم الأحد يوم مختلف، يوم عيد، بهجة، تصلي العائلة معا، وتتقاسم المائدة وتتواصل معا. هذه الفاعليات هي التي تساعد في التربية الصحيحة للأولاد. من السهل بالطبع وضع الطفل أمام التليفزيون أو البلاي شتيشن، يبقي الطفل سعيدًا باللعبة. لكن من الصعب أن يضحي رب الأسرة بالوقت في سبيل اللعب مع الطفل. لنتعلم أهمية الوقت القيم بالنسبة لأولادنا…

خدمة الحياة

في الزّواج يتّحد الرّجل والمرأة اتحاداً وثيقاً إلى حد أنهما يصيران، على حدّ كلام سفر التكوين، “جسداً واحداً” (تك ٢ : ٢٤). وهذه الوحدة تعمل، لا على الانغلاق على ذاتيهما، بل بالحريّ على الانفتاح على حياةٍ جديدة، على شخصية جديدة. وبكونهما أبوين، يصبح بإمكانهما أن يعطيا الحياة لكائن شبيه بهما، لا “لحم من لحمهما وعظم من عظامهما” (طالع تك ٢ : ٢٣) فحسب، بل صورةٌ ومثالٌ لله، أي شخص. إنّهما مدعوّان إلى أن يصيرا والدين، أي مسهمين مع الخالق في إعطاء الحياة. والإسهام مع الله في دعوة كائنات بشريّة جديدة إلى الحياة، يعني الاشتراك في نقل صورة الله ومثاله اللذين يعكسهما كلّ “مولود من امرأة”.

إن ثمرة الاتحاد التي جعلها الخالق، “منذ البدء” في الكائن البشريّ، هي أن يصبح الزوجين والدين. ثمرة الشركة هي العلاقة الشخصيّة بين الـ “أنا” والـ “أنت”؛ التي تولد حالما يتحقق عهد الزواج، ينقل الزّوجين إلى شركة محبّةٍ وحياة ثابتة تكتمل اكتمالاً كليّاً بإنجاب الأولاد. بـ “شركة” الأزواج توجد “المجموعة” العيليّة. يجب على الأزواج أن يتنبّهوا لذلك. يجب عليهم، منذ البداية، أن يتوجّهوا بقلوبهم وأفكارهم إلى الله الذي “منه تسمّى كلّ أبوّةٍ”، لكي تستمد أبوّتهم وأمومتهم من هذا المورد القدرة على التجدّد المتواصل في المحبّة.

عندما خلق الله الرجل والمرأة على صورته ومثاله، انجز عمل يديه وتوجه بأن دعاهما إلى المشاركة بصورة خاصة في محبته، وفي سلطانه ايضا بوصفه خالقا وأبا، وذلك بمعاونتهما الحرة والمسئولة في نقل هبة الحياة البشرية: “باركهم الله وقال هلم: انموا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها”. فوظيفة العائلة الأولى هي إذن خدمة الحياة، وتحقيق بركة الخالق الأولى، عبر الأجيال، عن طريق نقل الصورة الإلهية من إنسان إلى إنسان بواسطة الإيلاد.

إن الزواج يجرّ مسؤوليّة فريدة بالنسبة إلى الخير العامّ، خير الزوجين أولاً، ثم خير الأسرة. فباتحادهما يستطيعان أن يصيراً والدين – أباً وأماً- بإعطاء الحياة لكائن بشريّ جديد. إن بعدي الاتّحاد الزوجيّ، الاتّحاد والإنجاب، لا يمكن فصلهما بطريقة مُصطنعة بدون إفساد حقيقة العمل الزوجيّ نفسه الحميمة. فعندما ينقل الزّوجان الحياة إلى ابنهما، يظهر “أنت” جديدٌ، شخص يُطلقون عليه اسماً جديداً: “ابننا…؛ ابنتنا…”. “رُزقت إنساناً من عند الرّب” (تك ٤ : ١)، هذا ما قالته حوّاء المرأة الأولى في التاريخ: كائن بشريّ، بمثابة “هبة”، ووجوده منذ اللحظة الأولى عطاء، أول عطاء من الخالق للمخلوق. هو هبة، حتى لو يبدو ذلك للكثيرين، الولد يقدّم ذاته لإخوته، وأخواته، ووالديه، وكل أسرته. إن حياته تصبح عطاءً لمانحي الحياة أنفسهم الذين لا يمكنهم ألاّ يشعروا بحضور ابنهم، وباشتراكه في وجودهم، وبإسهامه في خيرهم العامّ في خير المجموعة العيليّة.إن الله “أراد” الإنسان منذ البدء، والله “يريده” في كل حمل وفي كلّ ولادة بشريّين. الله “يريد” الإنسان كائناً مشابهاً له، شخصاً. هذا الإنسان، كلّ إنسان، خلقه الله “لذاته”.أمام كائنٍ بشريّ جديد يجب على الوالدين، أو قد يكون من الواجب عليهم، أن يعوا وعياً كاملاً أن الله “يريد” هذا الكائن “لذاته” حتى إذا كان مريضًا أو معاقًا.

بهذا المعنى يريد الله كل إنسان “لذاته”. إلا أنه، في مقاصد الله، تمتد دعوة الشخص إلى ما وراء حدود الزمان. إنها تلتحق بإرادة الآب الموحى بها في الكلمة المتجسد: إن الله يريد أن يمد الإنسان إلى الاشتراك في حياته الإلهية نفسها. يقول المسيح: “أتيت لكيما تكون لهم الحياة وتكون لهم أوفر” (يو ١٠:١٠). فالغاية التي خُلق لها الإنسان أن يشارك في الحياة الثالوثية لله: “إن قلبنا لا يجد راحةً إلى أن يستريح فيك” (القديس أغسطينوس). عندما يشترك الإنسان في حياة الله، يوجد “لذاته” ويحقق ذاته. إن مضمون هذا التحقيق هو ملء الحياة في الله، الحياة التي تكلم عليها المسيح (طالع يو ٦ : ٣٧ ـ ٤٠) الذي افتدانا لكي يدخلنا في تلك الحياة (طالع مر ١٠ : ٤٥).

يرغب الأزواج في الأبناء لذواتهم؛ وهم يرون فيهم إكليل حبهم المتبادل. يرغبون فيهم للأسرة، وكأنهم هبةٌ جد ثمينة. إنها رغبةٌ غير مستغربةٍ على وجهٍ ما. إلا أنه، في الحب الزوجي كما في الحب الأبوي والأمومي، يجب أن تُسجل حقيقة الإنسان، التي عبر عنها المجمع الفاتيكاني الثاني، بطريقة مُجملة ودقيقة، عندما أثبت أن الله “يريد الإنسان لذاته”. ولهذا يجب أن توافق إرادة الوالدين إرادة الله: بهذا المعنى يجب أن يريدوا الخليقة البشرية الجديدة كما يريدها الخالق: “لذاتها”. الإرادة البشرية خاضعةٌ أبداً ولزوماً لناموس الزمن والبُطلان؛ أما إرادة الله فهي بخلاف ذلك أزلية. إننا نقرأ في نبوءة إرميا: “قيل أن أصورك في البطن عرفتك، وقبل أن تخرج من الرحم قدستك” (١ : ٥). وهكذا فسُلالة الشخص مرتبطةٌ قبل كل شيء بأزلية الله، ثم وبعد ذلك بالأبوة والأمومة البشريتين اللتين تتحققان في الزمن. فالإنسان موجه إلى أزلية الله منذ لحظة الحبل به.

للزوجين مسئولية تجاه الآخرين، الأبناء. فداخل نطاق العائلة كل شخص مسئول عن الآخر، أنت حارسٌ لأخيك، أنت مدعو لتهتم بآخر، فالمولود الجديد يُسلم أمره لوالديه بمجرد ما يري النور. عندما يستيقظ الوالدين لرعاية طفلهما يشعران بان هناك آخر، يحتاج لهما ولعنايتهما. كذلك للزوجين مسئولية تجاه بعضهم البعض

المساهمة في تطوير المجتمع

هدف العائلة هو تطوير المجتمع، ففي العائلة يتعلم الإنسان القيم والفضائل الأساسية، والانفتاح على الآخرين واحترامهم، خاصة كبار السن، وقبول الألم وقبول المختلف واحترام خصوصيات الآخرين. فالتعايش مع آخرين بالمنزل يربي الإنسان على التعامل معهم في المجتع. “ففي العائلة يولد المواطنون، وفي العائلة يجدون أول مدرسة لتلك الفضائل الاجتماعية التي تنعش حياة المجتمع وتعمل على تطويره”. فهي الوسيلة الفعالة لجعل المجتمع أكثر إنسانية والمحافظة على الفضائل والقيم ونقلها إلى الأجيال الجديدة. فالعائلة المسيحية هي “الكنيسة الصغرى”، فهي مدعوة، على مثال “الكنيسة الكبرى” لتكون علامة وحدة للعالم، ولتمارس بهذه الصفة وظيفتها النبوية، فتشهد للملكوت ولسلام المسيح اللذين يسعى إليهما العالم بأسره.

المشاركة في حياة الكنيسة ورسالتها

يحدد البابا يوحنا بولس الثاني مشاركة العائلة في رسالة الكنيسة بهذه الكلمات: “جماعة جدّد المسيح روابطها بالإيمان والأسرار فيجب أن يتمّ اشتراكها في رسالة الكنيسة على “صعيد جماعي”: فعلى الزوجين إذن في وقت معاً “وكزوجين”، وعلى الوالدين والأولاد “كعائلة” أن يقوموا بخدمتهم للكنيسة وللعالم. ويجب أن يكونوا بالإيمان “قلبا واحداً ونفساً واحدة”، سواء أكان بالروح الرسولية المشتركة التي تنقصهم، أم بتعاونهم الذي يحفزهم على القيام بأعمال الخدمة من أجل الجماعة الكنسيّة والمدنيّة. للعائلة أدوار ثلاث في حياة الكنيسة ورسالتها: هي جماعة تؤمن وتنشر الإنجيل، جماعة تقيم حوارًا مع الله، جماعة تخدم الناس.

 

قد يعجبك ايضا
Loading...