إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تاريخ الحياة المكرسة (13): بندكتوس

0 780

القديس بندكتوس

هو المؤسس الحصري للحياة الرهبانية في الغرب، هكذا يصف البابا غريغوريوس الكبير في العام 592، بعد حوالي 50 سنة من رقاد بندكتوس: ” هو رجل الله الذي تألق على هذه الأرض بكثير من الآيات ولم يكن إشعاعه أقل في البلاغة التي كان يعرف أن يعرض بها تعليمه” (Dial. II, 36).

أثر القديس بندكتوس، بحياته وبكتاباته، بشكل أساسي على نمو الحضارة والثقافة الأوروبية. والمرجع الأساسي بشأن حياته هو الكتاب الثاني من “حوارات” القديس غريغوريوس الكبير. ليس الكتاب سيرة بالمعنى الكلاسيكي. فبحسب أفكار زمانه، أراد غريغوريوس أن يبين عبر مثال شخص ملموس –أي القديس بندكتوس– إرتقاء قمم التأمل، الذي يستطيع تحقيقه من يستسلم إلى الله. ولذا يقدم لنا مثالاً عن الحياة البشرية كارتقاء نحو ذرى الكمال. خاصة في وقت كان يعاني منه العالم والكنيسة من أزمات شتى تولدت جراء سقوط الإمبراطورية الرومانية، وغزو الشعوب الجديدة وانحطاط القيم. اقتدى البابا غريغوريوس، بالقديس أثناسيوس الرسولي عندما كتب سيرة القديس أنطونيوس، فقدم بندكتوس كـ “نجم ساطع” في الكنيسة كسبيل للخروج من “ليل التاريخ الحالك”[1].

يسرد القديس غريغوريوس أيضًا، في هذا الكتاب من “الحوارات”، العجائب الكثيرة التي اجترحها القديس، وهنا أيضًا لا يبغي أن يخبر عن أمر غريب، بل أن يبين كيف أن الله، بتأديبه وبعضده وبعقابه أيضًا، يتدخل في ظروف حياة الإنسان الملموسة. يود أن يبرهن بأن الله ليس أطروحة نائية موضوعة في أساس العالم، بل هو حاضر في حياة الإنسان، كل إنسان[2].

نشأة بندكتوس

ولد من أسرة نبيلة حوالى عام 480م في نورسيا. أرسله والده الثريان إلى روما لدراسة الفن. يشير غريغوريوس إلى أن بندكتوس الشاب شعر بالنفور تجاه أسلوب عيش الكثير من رفاق الدرس الذين كانوا يعيشون حياةً منفلتة، ولم يرد السقوط في أخطائهم عينها. كان يريد أن يرضي الله وحده. وهكذا، قبل أن ينهي دراسته، ترك مبارك روما واختلى في الجبال حيث انظم لبعض الوقت إلى “جماعة دينية” تتنسك في سوبياكو التي تبعد أربعين ميلاً عن روما، عائشًا فى حياة نسكية. اختار مكان عبارة عن سلسلة صخرية قاحلة قاسية تطل على نهر في الوادي وبحيرة. هناك التقى بنديكتوس راهبا اسمه رومانوس من دير في الجوار. الذي ألبسه ثوب الرهبنة وزوده بإرشادات نافعة وكان معلمه الروحي الأول.

انتشرت سمعتة الطيبة بين الناس، خلال وقت قصير، فاتى إليه الكثيرون طالبين الانضمام له والعيش  بالقرب منه. فأسس بندكتوس أثنتى عشر ديرًا في المنطقة المحيطة وبكل دير أثنا عشر  راهبًا، على غرار ما قام به باسيليوس الكبير. لم تكن هناك قوانين أساسية لإدارة هذه الأديرة الصغيرة، كان يرأس كل ديرٍ رئيس، والجميع تحت إدارة بندكتوس.

تحت وطأة التشكيك من جانب فلورنتيوس، أحد كهنة سوبياكو، في نظام بندكتوس الوليد، رحل الأخير، مصطحبًا بعض تلاميذه، إلى جبل كاسّينو، على بعد ثمانية أميالٍ من روما، وبدأ هناك في العام 529م، بناء ديرًا جديدًا. وأرسل لاحقًا رهبانًا ليؤسّسوا ديرًا آخر في تِرّاسينا. أصبح دير جبل كاسّينو فيما بعد المركز الرئيسي لرهبنة القديس بندكتوس إلى يومنا هذا. أسس بالقرب منه ديرًا للنساء وعهد إلى أخته سكولاستيكا مهمتة قيادته. وفي جبل كاسّينو كرس بندكتوس حياته للتبشير عامة الناس والتي لم تهتدى بعد إلى الإيمان المسيحي، وفيه أيضاً وضع قانونه والذى أثر بشدة على تاريخ الحياة المكرسة فى العالم أجمع.

النظام الرهباني لبندكتوس

مزج بندكتوس بين نمطي الحياة التوحدية وحياة الشركة، بالرغم من التحفظ على كلمة الشركة لأن ما استقاه بندكتوس حقيقية هو نظام رهبان الأسقيط، كما نقله يوحنا كاسيانوس، الذي لم يعرف حياة الشركة الباخومية أبدًا. لذا نجد اهتمامًا أكثر بالزهد والتقشف الشديدين والعزله والصلوات الطويلة والأصوام القاسية المستمدة من الحياة النسكية المصرية ومن Regula Magistri ، أكثر ما نلاحظ حياة شركة حقيقية على غرار الشركة الباخومية أو الباسيلية والأغنسطية. وتظهر في حياة بندكتوس الصراع مع الشياطين، على غرار ما نقرأه في الأدب النسكي لآباء الصحراء المصريين، فيقاتل بندكتوس شيطان الزنى الذي يظهر في صورة امرأة سبق أن التقاها في روما، فتأخذ الذكرى في مضايقته بقسوة، فيلقى بنفسه، عاريًا، بين الأشواك، متمرغًا عليها حتى تسيل الدماء من جسده، فيحرر روحه من أهوائه الجسدية.

وقد اعطى المزج بين تياري الحياة المكرسة خاصية الفرادة لنظام القديس بندكتوس ويرجع هذا إلى إنه قد اختبر بنفسه الحياة النسكية فى بداية حياته وعرف أهم مميزاتها. ولهذا نجده قد صاغ العلاقة بين الراهب والمسئول مثلما كان الحال عند آباء الصحراء المصريين فرئيس الدير هو أهم عنصر فى الحياة الديرية، وله دورٌ مزدوج: معلم روحى ورئيس جماعة ولهذا كان ينتخب لمدى الحياة ويخضع له الرهبان خضوعًا تامًا.

عَّد بندكتوس جماعته الرهبانية بمثابة المكان الذى يتم فيه إعداد الشخص لإقامة علاقة قوية مع الله أكثر من كونها مجموعة أخوة تملك قيمة فى ذاتها مثل الجماعة الباخومية أو الباسيلية. هدف العيش في جماعة إذن هو مساعدة الشخص لنوال الحياة الأبدية أكثر من الاستمتاع بجمال العيش سويًا مع مجموعة متحابة من الأخوة هنا على الأرض كما علم باخميوس. القاعدة الروحية التي استند عليها بندكتوس ليس أعمال الرسل أو مزمور132، اللذان يمدحان الحياة الجماعية. فيصف قانونه للحياة الرهبانية بـ “مدرسة خدمة الرب” (Prol. 45) ويحض رهبانه: “ألا يقدموا أي شيء على عمل الله (أي الفرض الإلهي وليتورجية الساعات)” (43,3). ولكنه يشدد أيضًا أن الصلاة هي في المقام الأول عمل إصغاء (Prol. 9-11)، ويجب أن تترجم بأعمال ملموسة. يقول مبارك: “الرب ينتظر منا أن نجيب كل يوم بأعمالنا على تعاليمه المقدسة” (Prol. 35). وهكذا تصبح حياة الراهب مزيجًا خصبًا من العمل والتأمل[3] “لكي يتمجد الله في كل شيء” (57,9).

نحن إذن أمام تعاليم واضحة للحياة التوحيدية، والمزج ما بين الصلاة والعمل، مثلمًا كان الحال عند آباء الصحراء المصريين فالهدف من الحياة المكرسة فى الأديرة هو الخلاص الشخصى تلك الفكرة التى قاومها القديس باخميوس جاعلاً الخلاص للجماعه ككل وإن كل أخ فى رهبانيته مسئولاً عن خلاص أخيه.

قوانين القديس بندكتوس

إن قوانين القديس بندكتوس هي أكثر الوثائق تأثيرًا في الحياة الرهبانية في الغرب، لأنه على الرغم من وجود العديد من القوانين الرهبانية في تلك الفترة، اقترح مجمع إكس لا شابيل في العام 817م قانون القديس بندكتوس قاعدةً للحياة الرهبانية في الغرب. وخلافًا لما يؤكده البعض، ليس هذه القوانين إبداعًا كاملاً، بل تستقي من مصادر سابقة متعددة أهمها ما نقله يوحنا كاسيانوس من نظم حياة رهبان الأسقيط، وما ضمته أقوال الشيوخ، وقانون القديس باسيليوس وتعاليم القديس أغسطينوس. كانت لدى بندكتوس موهبة في استخلاص العناصر الأساسية من هذه المصادر المتنوعة، فجاءت قوانيه استمرارًا وفيًّا للتقاليد النسكية وممارساتها، وفي ذات الوقت مساهمة شخصية في التكييف الضروري للرهبنة مع الاحتياجات المعاصرة.

يمكن تقسيم قوانين القديس بندكتوس إلى قسمين أساسين: المقدمة والفصول السبعة الأولى هي عقيدة روحية؛ والباقي (الفصول 8- 73) يعطي قواعد الحياة في الدير ونظامه. وقد استقى غالبية القسم الأول من أقوال الشيوخ بشكلٍ حرفيٍّ تقريبًا، مع جملة البداية المعروفة، التي سبق الاشارة إليها: “أصغ يا بُنّيّ إلى تعاليم المعلم، واحفظها بسماع قلبك”.

يذكر الفصل الأول من قانون القديس بندكتوس أربعة أنواع من الرهبان: النساك، ويعيشون في أديرة تحت سلطة قانونٍ أو أباتي؛ المتوحدون أو الحُبساء، وقد عاشوا في الدير مدةً من الزمن وصاروا الآن أقوياء بما فيه الكفاية ليعيشوا عيشة العزلة في البرية؛ المنعزلون، وهم رهبان إراديون يتبعون ميولهم بدل العيش بحسب القوانين الرهبانية؛ السواح، وهم في حركةٍ مستمرة، يتنقلون من ديرٍ إلى دير ولا يستقرون ف مكان. وبعد أن صرح القديس بندكتوس عن تفضيله للحياة الديرية النسكية، يناقش صفات الأباتي وواجباته وتنظيمات مجمع المشورة، ثم يقدم سلسلةً من الحِكم لأجل الحياة الروحية. ويُختَم الجزء الأول بشرحٍ للفضائل الثلاث الأساسية المطلوبة من الراهب: الطاعة وممارسة الصمت، والتواضع.

في القسم الثاني من القوانين، يُخصص بندكتوس الفصول 8- 20 لمعالجةٍ طويلة للصلاة الليتورجيا. وتظهر فرادة مساهمة القديس بندكتوس في الحياة الرهبانية بصورة واضحة في ضرورة أن يتمّم الراهب واجباته الديرية انطلاقًا من دوافع روحية. ولكي يصل إلى هدفه لكونه تأمليًا، على الراهب أن يكرس نفسه لثلاثة نشاطاتٍ يومية: الصلاة الليتورجية، والقراءة وبعض أنواع العمل.

فإلى جانب صلاة الليل، يجتمع الرهبان سبع مراتٍ في اليوم من أجل الصلاة الجماعية التي قوامها المزامير والقراءات من النصوص المقدسة. بالإضافة إلى ذلك، تُكرّسُ أربع ساعاتٍ يوميًا للقراءة، وهي تشمل قراءة مصلية لنصوص الكتاب المقدس أو تفسير الآباء والكتاب، الصلاة العقلية الفردية، وحفظ مقاطع من الكتاب المقدس.

توصي القوانين بالعمل لدعم الرهبان ولمعونة المحتاجين، لكنها لا تذكر أن العمل يرتبط بالرسالة. فالعمل، كان قاصرًا على الزراعة، فهو وسيلة للسيطرة على النفس والطاعة وكسب العيش. ويذكّر القدّيس بندكتس بأنّ العمل الرهبانيّ هو عمل يخلو من المصلحة، لأنّه مبنيّ على الزهد في النفس. فغاية العمل الرهبانيّ القداسة، لا الربح ولا كسب المال. من هنا، يؤكّد بندكتس أنّ الرهبان لا يبحثون في عملهم سوى عن الاكتفاء الذاتيّ كي يتحصّنوا ويستقرّوا، فلا يكونوا عبئًا على المؤمنين.

ولا وجود لدافع أكاديمي أو دراسي لقراءة النصوص المقدس والآباء. وحيث أن غالبية الرهبان من العلمانيين كما كان القديس بندكتوس، لم تكن هناك وظيفة كهنوتية، ووضع القديس أنظمة مفصلة في مسألة قبول الكهنة في الحياة الرهبانية (الفصل 60)، ورسامة الرهبان كهنة (الفصل 62),

أمّا في ما يتعلّق بالسلطة فكان بندكتوس أكثر تشدّدًا على الذين يمارسونها منه على الذين يطيعونهم، فيذكّر الرئيس “بأنّه ليس حرًّا في استخدام سلطته”، وبأنّه لا يمتلك “أيّ تسلّط”، فيفرض عليه أن يستشير الإخوة، بمن فيهم الفتيان، لأنه “غالبًا ما يكشف الله للأصغر الحل الأفضل” (3,3)، ويعترف للرهبان بحقّهم في تقديم الاعتراضات، أي في الحوار مع حقّ الرئيس باتّخاذ القرار النهائيّ.

فعلى من يحمل مسؤولية عامة، وحتى في إطارات صغيرة، أن يكون دومًا رجلاً يعرف الإصغاء ويعرف أن يتعلم مما يسمع. فيقول القدّيس بندكتوس في الفصل الثالث من قوانينه: “كلّما وجب البحث في قضيّة هامّة تطرأ في الدير، يقوم الرئيس بدعوة الجماعة كلّها ويعرض عليها المسألة. ثمّ يجمع آراء الإخوة وينظر فيها وحده برويّة، ويعمل بعد ذلك بحسب ما يراه الأنسب”. ويعتبر القدّيس بندكتوس أنّ على رئيس الدير أن يُظهر “تارةً قساوة المعلّم وتارةً حنان الأب”، كما يرى أنّ موهبة التمييز هي الموهبة الأساس التي ينبغي أن يتجمّل بها، فيدعوه إلى التكيّف في إرشاد النفوس مع ما يقتضيه اختلاف الطباع.

الدور الحضاري للأديرة البنديكتية في العصر الوسيط

وقد أثر قانون بندكتوس كثيرًا فى الحياة المكرسة في الغرب وإمتدا تأثيره حتى العصر الوسط وقد انبثقت منه قوانين كثيرة خلال الفترة من القرن السابع حتى القرن الثانى عشر وقد حافظت تلك القوانين على الروح المميزة لقانون القديس بندكتوس. ولعل تأثير بندكتوس وتلاميذه الأكثر عمقًا هو المحافظة على الثقافة الرومانية من الإندثار التام مع ضعف الامبراطورية الرومانية تحت ثقل هجمات الشماليين والبرابرة، كانت الأديرة البندكتية هي حصن الدفاع الأول عن اللغة الثقافة فى ذلك الوقت أمام مجموعة المعتدين الذين لايعطون الثقافة قيمتها الحقيقية بالنسبة للإنسان والمجتمعات.

 كما كان لبندكتوس دور هام فى إزالة الفوارق بين العبيد والإحرار وبين النبلاء وعامة الشعب. فنجده يكتب فى قانونه: “على رئس الدير (الأباتى) عدم التفرقة بين الإشخاص فلا يوجد بيننا خادم أو عبد فجميعنا أحرار في المسيح”. وعمل أيضاً على تغيير مفاهيم العمل. فقبله كان العمل خاص فقط بالعبيد ولكنه أراد أن يعمل جميع رهبانه أعمالاً يدوية حتى النبلاء منهم. كان مبدئه Ora et Labora إى الصلاة والعمل مطبقًا على الجميع معيدًا بذلك للإنسان البعد الأكثر عمقًا فى حياته الأرضية، والذي من خلاله يحقق ذاته، ألا وهو العمل. فالسلام الذى كان يعم الأديرة البندكتية والذي يجمع رهبانه فى وحدة كاملة فى الصلاة والعمل قد أثر أيضًا على المجمع الأوروبى ككل وتحول بدوره إلى سلام إجتماعى.

لقد لعبت الأديرة البنديكتية دورا هاما أيضً في الحياة الثقافية، إذ شكلت مراكز ثقافية مهمة حيث أفرزت كتابا ومفكرين ومؤلفين، أنتجوا مجموعة من الأعمال الأدبية والكتابات في مجالات محددة، كما لعبت هذه الأديرة كذلك دورًا تعليميًا من خلال تأسيسها لمجموعة من المدارس الأسقفية، خاصة إن انهيار الدولة الرومانية في الغرب إلى اختفاء مدارس الدولة، وكانت كتابات الرهبان تشكل المصدر الأساسي عن تاريخ العصور الوسطى، حيث كانوا يؤرخون باليوم والتاريخ، ويسردون أدق التفاصيل التي حدثت.

[1] بندكتوس السادس عشر، البابا،القديس مبارك من نورتشا، تعليم الأربعاء 9 أبريل 2008.

[2] تزخر حياة بندكتوس بالعديد من العجائب، على غرار ما نقرأه في تاريخ آباء الشيوخ، كمثل معرفته بالروح لأفكار وزلات رهبانه، وتنبؤه بهدم دير كاسينو، الذي حدث فعليًا على يد اللمبارديين، بعد أربعين سنة من وفاته، ويّعوم حديد منجل سقط من راهب على سطح المياه، كما صنع أليشع النبي، أو رؤيته للشياطين وهي تُجرب رهبانه..الخ.

[3] تقسم واجبات الراهبات خلال أربع و عشرون ساعة على الشكل التالي: أربع ساعات للصلاة العامة؛ أربع ساعات للصلاة الفردية والقراءات الخاصة للكتاب المقدس؛ ستة ساعات لنسخ المخطوطات؛ عشر ساعات للنوم و الأكل.

قد يعجبك ايضا
اترك رد