إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

رعاية الدعوات الكهنوتية ووسائلها (2)

348

عرضنا في اللقاء الأول أن هناك أربع محاور أساسية لرعاية الدعوات الكهنوتية وتمييزها ومرافقتها: يتعلق أولها بالمضمون أو المحتوى الذي تقوم عليه عملية التنشيط ورعاية الدعوات والذي تناولناه بالتفصيل في اللقاء السابق. سنتناول الآن المحور الثاني المتعلق بالقائم بعملية الرعاية والتنشيط، أن المُكون الذي يرافق مسيرة الشاب المدعو.

ثانيًا: المنشط

دور المرببين (المكونين) القائمين على عملية تنشيط الدعوات

تعمل الجماعة المسئولة عن تنشيط الدعوات بمثابة وسيط بين الله والشخص المدعو لحياةٍ كهنوتية. عندما نُشير إلى كلمة “وسيط” فإن نعترف بأن المكون الأولى والمسئول الأول للدعوة هو الله-الثالوث: فالله هو الذي يُشكل الشاب على “صورة الراعي”، على مثال ابنه الوحيد، بتأثر من الروح القدس.

التدخل الإلهي في حياة الشخص يحتاج إلى وساطة بشرية، كما هو واضح طوال طريق الخلاص. فمحبة الله تصل للبشر عبر آخرين يعملون كوسائط، ومن خلال أداوات ضعيفة محدودة وغير كاملة. فالتجسد كشف لنا عن لجوء الله إلى الإنسان المحدود، ليحل فيه كماله الإلهي. من المهم تفهم هذه الوساطة في البداية قبل الاشارة إلى دور المرببين القائمين على عملية تنشيط الدعوات الكهنوتية.

اليوم نقف أمام واقع شبابي اعتاد فيه الشاب على رفض الوساطة في علاقته مع الله ومعرفة إرادته في حياته. هذا من جانب، ومن جانب آخر، لا تأتي تدخلات الوسطاء إلا لطرح أشياء يعدها الشاب اعتيادية معروفة، مما تجعله يتذمر من تلك الوساطة (مثلما تذمر نعمان السوري من رأي إيليا العادي والذي لم يحمل تدخلا فائق للطبيعة كما كان يرغب). هنا تظهر أهمية الوسيط التربوي في توضيح معنى المرافقة للشباب في مرحلة اكتشاف الدعوة: مساعدة الشاب ليحرر قراره الشخص من كافة المعوقات الروحية والإنسانية ليتجاوب مع دعوة الله له.

وساطة المنشطين في مجال الدعوات هي وساطة محدودة وقاصرة، والرغم من ذلك فمن خلالها يتدخل الله عاكسًا إرادته في اختيار الشباب. قبول هذا الآلية يعني أن يترك الإنسان ذاته بين يدي الله في كل لحظات حياته. أما عدم قبول هذه الآلية فيعني رفض آلية التجسد التي بواسطتها نصب الله خيمته بين البشر.

ومن المهم أيضًا أن تَّدرك جماعة المنشطين هذه الآلية حتى لا ينسوا دورهم، فهم فقط: “وسطاء”، غير مسئولين عن دعوة الشباب إلى حياة الكهنوت، فيمارسون دورهم دون ضغوط تحمل المسئولية، هم يخدمون عبيد بطالون. هي تمثل يوحنا المعمدان يقتصر دورها في الاشارة للمختارين إلى طريق المسيح، لا أن يأخذوا مكانه.

المنشط: “المربي المباشر”

الدور الوسيط الذي يقوم به المنشط في مجال الدعوات الكهنوتية، هي آلية إلهية ظهرت بالتجسد، وتؤكدها العلوم الإنسانية الوضعية الحديثة، والوثاق الكنسية في السنوات الأخيرة. “لا نستطيع انكار الغنى الذي يكتسبه الشاب من دراسة العلوم اللاهوتية والإنسانية، إلا إنها تبقي سجينة القاعات الدراسية ما لم يصحبها وساطة بشرية تهدف إلى مساعدة الشباب لتطبيق تلك الأفكار في الحياة العملية”.

فمن الممكن أن يتوفر للشباب دراسات لاهوتية وإنسانية وفلسفية معقولة، عبر برامج المعاهد الدينية، ولكن كيف تساعد هذه المعارف في تكوين الشاب الذي يشعر بدعوة الله له؟ في كثير من الأحوال تبقي المعارف في شكل مصطلحات معرفية تُدرس لأجل تأدية الامتحانات، أو لأجل الثقافة العامة. هذا المشكلة تمس أكثر المنشط الموكلة له مهمة تنشيط الدعوات الكهنوتية. لهذا من الواجب إلقاء الضوء على الدور الذي يقوم به المنشط كمربي مباشر، يعمل كوسيط بين تلك المعارف النظرية والتطبيق المعاش المطلوب من الشاب.

  1. التربية: المنشط هو مربي

الدور الأول للمنشط هو “التربية”، بمعنى مساعدة الشباب على “اصلاح الأمر «رَبَّا الشيء أَصلحه»” وذلك باعادة اكتشاف ذاته وتشجعيه على التغلب على المعوقات التي تعوق دعوته، الواعية والغير واعية، والتعرف على مظاهر قوته ونقاط ضعفه.

دور المنشط في هذه الحالة يتماثل مع دور الآب- الخالق، الذي يصلح الفوضى التي كانت قائمة في الكون، ويستدعى الخلائق من العدم، وينظمها وينقل لها الحياة. يتماثل أيضًا مع دور الآب- المحرر الذي يحرر شعبه من عبودية مصر بيدٍ قوية وزراعٍ مبسوطة، مرافقًا إياه كالأب الذي يرافق مسيرة نمو ابنه حتى يصل إلى أرض الميعاد “النضج” (تثنية 1: 31؛ 6: 21؛ 9: 26): “لقِيَهُم في أرضٍ برِّيَّةٍ، وفي مَتاهةٍ مهجورةٍ بعيدةٍ، فرَبَّاهُم وعلَّمَهُم واَحْتَضَنَهُم كحَدَقةِ عينِهِ. وكالنَّسرِ الذي يَغارُ على عِشِّهِ، وعلى فِراخه يَرِفُّ، فيَفرُشُ جناحَيهِ لِيأخذَهُم ويحمِلَهُم على ريشِهِ”.

التربية إذا هي الاشتراك في العمل الخلاق والمحرر، النابع عن محبة قوية، ويتطلب صبرًا ومعرفة كبيرين: صبرًا كصبر الزارع على محصوله وعنايته به إلى يوم الحصاد، مدركًا لأوقات الري المناسبة لطبيعة البذرة وظروف الطقس.

تتطلب “التربية” مجموعة من العمليات التربوية، البسيطة والتلقائية، التي تشترط تكوين خاص للمكون “المربي”. عليه أولًا أن يعرف ذاته، عارفًا بصورة خاصة بمناطق الضعف في شخصيته، حتى لا يسقطها على الشباب المسئول عنهم في مجال تنشيط الدعوات.

توافر القدرة الجيدة على قراءة شخصية الشاب الذي يرافقه والتعرف على مظاهر عدم النضوج لديه وتمييز المشكلات التي يعاني منها. ملاحظة السلوك الخارجي لا تغنى عن مهارة معرفة أسباب هذه السلوكيات الظاهرة من مشكلات نفسية الكامة ورائها، التي لا يدرك الشاب نفسه، في الغالب، أسبابها. لا يكتفي بما يقوله الشاب عن نفسه. المنشط الجيد الذي الذي يتعرف على عادات الشخص واتجاهاته وطرق رده فعله وأسلوب حياته. يتعرف على حقيقة مشاعره (فلا يكفي مثلا أن يغفر لشخص أساء إليه، بل ماهية شعوره الحقيقي الداخلي بالرغم من غفرانه). ثم يصل أخيرًا، إلى الدوافع التي تقف خلف كل سلوك وردة فعل يقوم بها الشاب، خلف اختياراته، ورغبته في أن يُصبح كاهنًا (يدفعه محبة الله أم أهداف أخرى؛ ترك حياته بين يدي الله أم خوف دفين من شيء ما).

دور المنشط هنا هو مساعدة الشخص ليدرك دوافعه الحقيقية وحقيقة مشاعره ويترك له المجال لاتخاذ القرار المناسب. دوره يقتصر في اقتراح برامج تساعد الشخص على اكتشاف ذاته وتعضيد ثقته بنفسه ليتخذ القرار المناسب لحياته. حثه على اتخاذ توجهات محددة لمعالجة مظاهر الضعف وعدم النضج لديه. وتأتي الفعاعليات التي يقترحها المنشط متدرجة للتناسب مع درجة نمو الشخصية المسئول عنها، حتى تصل إلى المستوى اللائق بالكاهن. يرافق الشخص لقبول نقائصه، التي يعمل من خلالها الله، وقبول ضعفات الآخرين.

التربية هنا تتعلق بمساعدة الشخص على اكتشاف نفسه وقبول الآخرين. الانتقال من القراءة الشخصية للمشاعر إلى النظرة الموضوعية لنقاط القوة والضعف، وقبول مظاهر الضعف والتعامل معها. من المعرفة البسيطة لسلوكياته إلى التعرف على أسباب دوافعه.

  • التكوين: المنشط هو مكون

لا تكفي فاعليات التربية، هناك ضرورة لطرح نموذجً  للشباب يمكهنم للعيش بهوية جديدة، هوية الراعي المتيقذ لخدمة خرافه، على مثال راعي الرعاة، يسوع المسيح. مهمة منشط الدعوات أن يفتح أفاق الشباب على اكتساب هوية جديدة، والتمرس على العيش وفقًا لها، في اتجاه حياة مختلف تمامًا على ما اعتادوه. نموذجًا يشحذ جميع طاقاته الإيجابية، محررًا إياه من جميع مظاهر العبودية لأي شكل من الأشكال التي تمنعهم من التحقيق الكامل لذواتهم والشعور بالرضى عن حياتهم.

يعمل المنشط (المكون) على حث الشاب على تفعيل كل قدراته، مستغلًا كافة قدراته. تلك مسيرة ليست سهلة، فلابد من تهيئة الشاب على خوض المعركة مع ذاته، وتحمل ضغوط التغيير ومقاومة الثبات المعتاد عليه، وتقبل الألم المصاحب لعملية التغيير تلك. فهو مطالب بنبذ عادات اعتادها في الحياة، وهجر أسلوب عيش تأقلم معه طويلًا. التقدم في مسيرة النضج تلك يصحبها آلام كثيرة، ففي نموذج اريكسون للنمو النفسي هناك مراحل كثيرة للنمو النفسي، ثمان مراحل متتابعة، تنتهي كل منها بأزمة أو حاجة يؤدي حلها إلى نمو الشخص النفسي وكسب فاعليات جديدة، في حين يؤدي الفشل في حل هذه الأزمات إلى اضطراب النمو. تتعلق عملية التكوين كلها بتهيئة المناخ والأرض لتقبل بذور جديدة، تمثل هوية جديدة يحملها المدعو لحياة كهنوتية.

عملية التكوين تنصب إذن على تهيئة المناخ، باقتراح نموذج الراعي، ومتطلباته النفسية والروحية والاجتماعية، المدعو إليها الشخص المُقبل على الكهنوت، لكن من يقوم فقط بعملية التكوين الحقيقية، هو الله وروحه القدوس الذي يعمل داخل قلب الإنسان، بكل صبر وطول أناةٍ: “فلمَّا لم يَصلُحِ الوِعاءُ الذي كانَ يَصنَعُهُ مِنَ الطِّينِ في يَدِهِ، عادَ وصَنَعَهُ وِعاءً آخرَ كما رأى أنْ يَصنَعَهُ” (إرميا 18: 4). “نحنُ طينٌ وأنتَ جابِلُنا، نحنُ جميعُنا مِنْ صُنعِ يَدِكَ” (أشعيا 64: 7).

فإذا كانت مسئولية التكوين ترجع، بصورة مباشرة، إلى شخص يسوع المسيح نفسه الذي يُشكل طينته بصورة جديدة، فإه هناك وساطة تربوية للمنشط (للمكون) يمكن اجمالها الآتي:-

  • يسعى المنشط من خلال وساطته التربوية إلى اكتشاف حقيقة-وجمال- وصلاح الدعوة الكهنوتية المدعو إليها الشاب، ومهمة راعي النفوس التي يوكلها إليه الراعي الأعظم، يسوع المسيح. هناك شرطين أساسين لهذه الفاعلية التربوية. أولها: أن يشعر المنشط أولًا بجمال هذه الدعوة، فلا يفيد المعرفة النظرية للدعوة الكهنوتية، فالمهم هي المعرفة المبنية على الخبرة المعاشة والتي تُشعر المنشط بالرضى عن حياته. ثانيها: مهارة مشاركة الشباب في فرح الدعوة التي يعيشها، فرح الانتماء إلى شخص يسوع المسيح الراعي ومواصلة حضوره في عالم اليوم. فمن لم يعيش التطويبات في حياته، والسعادة والرضى لاختياراته، وينقل هذا في تعاملاته اليومية، فإن لن يكون ذا تأثير على الشباب، حتى لو كان قديسً في حياته الشخصية.
  • يهدف المنشط أيضًا أن يجد الشاب هويته الخاصة في يسوع المسيح راعي الرعاة. فالحقيقة-والجمال- والصلاح يصبحان هي هوية الشاب المدعو نفسه، مشاعر واهتمامات الراعي الصالح (المسيح) تصبح ذات مشاعر واهتمامات الشاب المقبل على هذه الخدمة. تُعد هذه النقطة قلب العملية التربوية لمنشطي الدعوات، يتطلب هذا من المكون استخدام كافة مهاراته النفسية والعقلية والعاطفية في التأثير على الشباب ليجدوا هويتهم الشخصية في يسوع المسيح الراعي. تنصب الفاعليات التربوية على القناعات الشخصية للشباب بتدعيم حريتهم الشخصية ليتركوا ذواتهم، بحرية، بين يدي الله الذي يُعيد يشكلهم وفقًا لمخططه الإلهي. يتركوا ذواتهم لاستغواء جمال الدعوة الكهنوتية. لا يستطيع المكون العمل على القناعات الشباب ما لم أن يكون سبق له أن يترك ذاته بين يدي الله ليشكله ويعطيه هوية جديدة.

المرافقة: المنشط هو مرافق

المنشط أخيرًا هو مرافق للشاب في مسيرته نحو التكريس الكهنوتي، كأخٍ أكبر، بما يمتلكه من خبرةٍ في الحياة وفي حياة الاقتداء بالمسيح، تمكنه من قيادة الشاب لاكتشاف ذاته، ودعوة الله له، والتجاوب معها بحرية ومسئولية. يتقاسم معه المسيرة، كما فعل المسيح مع التلميذين في طريق عماوس، ويدربه على ترك ذاته، بين يدي الله ليُشكله الروح القدس على مثال يسوع المسيح، الكاهن الأعظم.

من المهم أن يشعر الشاب بقوة الروح القدس، كصديق أمين، وحضور يسوع المسيح وكلمته في حياته، التي ترافقه ليكتشف ذاته وخفايا قلبه وتطهره لتعده لحمل الرسالة إلى آخرين. وتُشكل هذه المعرفة واليقين الأرض الصلبة التي تعتمد عليها علاقة المرافقة الروحية بين المنشط والشاب. فمن يؤمن ويثق بتدخلات الروح القدس في حياته، يكون متأكدًا أيضًا من وجود الوساطة البشرية التي يعتمد عليها الروح في قيادة آخرين إلى الاقتداء بالمسيح. فمن يترك ذاته لينقاد بفعل الروح القدس، يترك ذاته أيضًا لينقاد بواسطة أخ أكبر في الإيمان والخبرة الكهنوتية.

تشكل المرافقة، الروحية والإنسانية، مسيرة يتشارك فيها المنشط والشاب المدعو للكهنوت. مسيرة حياة يرافق المنشط الشاب حتى يعيش ملء دعوة الله له، واكتشاف ذاته والمعوقات التي تعوقه نحو تحقيق هدفه هذا، وتحرير إرادته وعقله ليتجاوب مع هذه الدعوة.

يمكن تشبيه العملية التربوية بعملية الزراعة، فالتربية هي تمهيد الأرض وتسويتها وإعدادها لاستقبال بذرة الدعوة الكهنوتية، أما التكوين هي عملية الزراعة ذاتها، بغرس البذرة في التربة المعدة والمجهزة. وتستلزم عملية الزراعة مراعاة ظروف الطقس وخصائض التربة. ثم تأتي المرحلة الثالثة، المرافقة وهي الاهتمام بما تمت زراعته ونزع الحشائش والاهتمام بمستويات الرطوبة والمياه حتى تنمو البذرة وتعطى ثمرًا.

هنا ثلاث شروط أساسية للمرافقة في مجال تنشيط الدعوات

  • الشرط الأول: يتعلق بالتأهيل المناسب للمنشيطين المرافقين للشباب الباحث عن الدعوة الكهنوتية الراغبين في قيادة الشباب في هذا الطريق الوعر. تأهيل يمكن هؤلاء من المرافقة الروحية بمعرفة قواعد عمل الروح القدس عبر تاريخ الخلاص، وادراك الأبعاد النفسية والإنسانية المختلفة التي تؤثر بشدة على اختيارات الشباب الباحث عن الدعوة الكهنوتية. فالمنشط لا يُشير إلى الهدف الذي من الواجب على الشاب أن يصل إليه، أن يكون كاهنًا على مثال الكاهن الأعظم يسوع المسيح، بل معرفة وقبول الشاب في مجمله وعلى حقيقته، على مستوى الوعي واللاوعي، حتى يتمكن من طرح نموذجًا يساعده على التغلب على مشكلاته. نموذجًا يؤهله أن يترك ذاته بين يدي الروح القدس ليعيد تشكيله بما يتناسب مع الدعوة التي دعى إليها، متغلبًا على مظاهر مقاومة التغيير الداخلية والخوف لديه. مهارات لا يمكن أن يمتلكها شخص المنشط إلا من خلال تأهيل منظم للمنشط، قائم ليس على الجانب الأكاديمي النظري، بل التجربة والتدريب المستمر، مستفيدًا من معطيات العلوم المختلفة، كعلم النفس والاجتماع، إضافة إلى اللاهوت الروحي والكتابي.
  • الشرط الثاني: هي تقاسم الواقع العملي المعاش مع المدعو للحياة الكهنوتية، أقله لفترات متباعدة. حتى يتمكن المرافق من متابعة سلوكيات الشاب واتجاهاته ومشاعره ودوافعه الحقيقية. فالحياة المعاشة توافر فرصة عظيمة لمعرفة شخص ما، والتعرف على اتجاهاته وعلاقاته مع المجتمع والآخرين، إذا كانت قائمة على التجاهل أم الود والتقدير، على حساسيته في معالجة المشكلات، وردود أفعاله في المواقف المختلفة، عصبية أم خجل، نظرته متفائلة أم سودوية للحياة، عادات حميدة أم سيئة، بحث عن الكمال أم شعور بالاغتراب، وهكذا. لهذا تظهر تقاسم فترات، طويلة ومناسبة، للمعايشة مع منشطين الدعوات الكهنوتية لأجل تقاسم الحياة لما يسمح بمرافقة الشاب في اختياره والتعرف على دوافعه الحقيقة، وهذا لن يأتي إلا من خلال المعايشة.

الشرط الثالث والأكثر أهمية هو شركة المسيرة نحو الله بين المنشط والشاب. شركة يتقاسما فيها الإيمان والخبرة الروحية، وخبرة الصراع الروحي والبحث عن الله والدخول إلى العمق في العلاقة معه. لا نقول إن على المنشط أن يكشف عن ذاته ومسيرته الروحية، لكن أن يُقاسم الخبرة الوليدة للشاب، يشعر في ذاته بمعركة الشاب الروحية وصراعه ليتخلى عن ذاته بين يدي الله ليُعيد تشكليه مرة أخرى على صورة الراعي الأعظم، يسوع المسيح. يُشارك بخبرته السابقة في هذه المسيرة الروحية، بكشف العقابات التي تعترض طريق الشاب نحو الله. عندما يُشارك المنشط بخبرته الشخصية، بالصعوبات التي واجهت مسيرته فإن يشارك بجزء من ذاته في مسيرة الشاب الروحية، فيعطى هذا نورًا جديدًا ليس فقط للشاب، بل أيضًا للمنشط الذي يحتفظ بهذا بجذوة دعوته متقدة دائمًا. فالأخ الأكبر والأصغر منقادين معًا بروحٍ واحد، روح الله، المربي الأول. ليست صداقة بين اثنين، بل أخوة يقودهما معًا الروح الواحد.

يتبع…

قد يعجبك ايضا
Loading...