إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

إدمان الدين

380

هل الدين يمكن أن يقود الإنسان إلى حالة من حالات الإدمان؟ هل الالتزام والمواظبة على الصلاة والاجتهاد في تنمية الإيمان الذي يعتقده الإنسان يمكن أن يخفي اضطرابات نفسية عميقة يعاني منها الفرد؟

هناك فرق بين الروحانية والدين. فالروحانية هي استلهام قوة من الله تعطي قدرة للإنسان على مواجهة الحياة بشكل مثمر مفيدًا للآخرين. فالروحانية التي تحصر الإنسان في ذاته طمعا في ثوابه أو خوفًا من عقاب الله ليست روحانية . فالإنسان الذي لا يستمد قوة من خارجه ويعيش فقط لذاته ممارسًا لشعائر معينة ليس روحانيًا بل متدنيًا.

الروحانية فيها تسليم الذات لقوة أعظم من الفرد واستعداد لتقبل دعوة الله لحياته وبعض الأشياء التي لا يستطيع تغيرها، تقبل قوة من خارجه لا يبذل فيها مجهود. أما الدين ففيه سيطرة على أشياء معينة في الحياة والآخرة، ضمان لأشياء معينة وتجنب أشياء أخرى.

أما الدين هو الاعتقاد بمجموعة محددة من العقائد وممارسة مجموعة من الشرائع من خلال مؤسسة معينة والوجود في هذه المجموعة والعمل من خلالها لكنها لا تعطي الإنسان قوة لمواجهة الحياة ولايكون مثمرًا للآخرين. الفريسيين كانوا ممارسين لشعائرهم لكن منحصرين في ذواتهم ولم يحيوا للآخرين. الإيمان هو انفتاح مرتبط بعقائد معينة لمن هو أعظم مني. كما يقول فتزجيرالد أن الخطيئة هي “جعل الأمور الجيدة أعظم من الله”. جعل العقائد هي طرق تصل بالله الذي هو أعلى منها ويتخطاها، عندما أحول الدين او الطائفة أو الكنيسة بدل من الله فهذه هي الصنمية.

إدمان الدين

أصعب أنواع الإدمانات. هو نوع من الوسواس القهري يجعل الإنسان يتخذ الدين كوسيلة للتخفيف من التوتر والخوف والإحباط الذي يعاني منه. فيلجأ الفرد إلى اتباع بعض السلوكيات ذات الطابع التكراري ومجموعة من الممارسات الطقسية واستخدام عبارات معينة لأجل أن حماية نفسه والتخفيف من حدة قلقه وخوفه. ومثل أنواع الهواجس الآخرى، تصبح تلك السلوكيات ملازمة له وضرورية لتخفيف من وطأة توتره وفي حالة عدم اتمامها يضطرب عقله الشخص فيصبح كالمجنون. فالمدمن يواجه اضطرابه الداخلي، مخاوفه، اكتئاب عدم قدرته على مواجهة الحياة من خلال سلوكه الإدماني، بمعنى أن سلوكيات الصلاة القهرية أو الاعتراف المتواتر أو الأصوام التقشفية تخفي اضطرابات داخلية وتؤدي إلى انفصال حقيقي في علاقته مع الله وانفصال في علاقته مع الناس (الفريسي والعشار).

يجد الفرد إن انتظامه في ممارسة الشرائع يعفيه من اعباء أخرى في حياته، ويجعله يهرب من المسئولية ويلقيها على الله. كما إنه يعطي متعة، فهو مختلف عن الخمر والمخدرات، تتمثل في الرضى عن الذات.  هذا النمط يعني فقدان العلاقة مع الآخرين وقلة الانتاجية وعدم الإثمار في حياة الآخرين ولا التأثير الإيجابي على نفسي، فيلجأ إلى تمثيل السلام والملائكية ويشعر بالسلام الزائف، لكنه سلام غير متصل بالناس بل انفصال عن الواقع، سلام غير فعال في حياة الآخرين.

كيف نميز الوسواس القهري الديني؟ يمكن ملاحظة وجود الوسواس القهري الديني من خلال معاناة الشخص من الخوف المستمر والغير متناسب مع حجم الخطأ الذي فكر فيه أو أرتكبه الشخص والمتعارض مع معتقده الديني. وهذه بعض الأمثلة على الهواجس الدينية:-

  • الخوف الشديد من عقاب الله والذهاب إلى الجحيم والطمع في نوال مكافاته وملكوته. فدافع الإيمان ليس حبًا حقيقيًا خالصًا لله.
  • تواتر الاعتراف بشكل مفرط لدرجة أن الشخص يعتقد أنه ارتكب مخالفة خطيرة لدرجة أن الله سيعاقبه فورًا، ينظر الفرد إلى الاعتراف كونه آلية لحل مشاعر القلق والتوتر الذي يعاني منه ويمكنه من استعادة علاقته بالله الذي يخشاه ويخاف منه.
  • يلجأ الفرد كثيرًا إلى الصلاة القهرية والتي لا تكون أكثر من محاولة لمنع وقوع كارثة غير محددة، أكثر من علاقة خاصة مع الله. وكثيرًا ما تكون الصلاة هي علاج لتواتر أفكار تجديفية تعصف بعقله دون إرادته فيصلي بتوتر وخوف مفرط من الإساءة إلى الله.
  • ليس للفرد القدرة على إتمام شيء بدون ممارسة طقوس واتباعها بشكل متواتر ودون تفكير. والشك الدائم في عدم تنفيذها بالشكل المطلوب فيعيش حالة من القلق الدائم والتوجس والشعور بالذنب من عدم القدرة على إظهار الإخلاص الصحيح لله.
  • لديه خوف من خذلان الله له، فالله هو القاضي المستبد والمسيطر على كل حركة وعلى استعداد لتوقيع العقاب. لديه علاقة تبعية لله أكثر من علاقة بنوية مع الآب.
  • لديه “قانون خاص للحياة” ينبع من قراءة خاصة لكلمة الله وتعليم الكنيسة مبنية على خبرته الشخصية دون قبول لأي احتمالية أخرى.
  • الادعاء باستقبال رسائل خاصة من الله مع الشعور بأنهم مختارون ومتميزون عن باقي الناس، وشعور بالبر الذاتي.

علاج إدمان الدين

وتستخدم تقنيات التربية النفسية المتخصصة للعلاج تمكن الفرد من تعلم كيفية إدارة القلق والهواجس والإكراه. العلاج المعرفي السلوكي، على سبيل المثال، لا يهدف فقط إلى احتواء القلق والمشاعر السلبية، ولكن أيضا يركز على نظام الأداء الشخصي الذي يدعم الاضطراب. يجب أن يتعلم الشخص استبدال طريقة تفكيره في أموره الدينية لطرق أكثر ملاءمة وفعالية من التفكير والسلوك. وهو تدريب حقيقي، والذي يتضمن جلسات من المحلل النفسي والتمارين للقيام به في المنزل. فقط في بعض الحالات العلاج هو أيضا من الضروري أن تصاحب الدعم الدوائي.

تغير القناعات ضروري لتبني منهج ديني مختلف قائم على بعد أخلاقي أعمق وأسمى ينشأ من علاقة محبة بنوية صحيحة مع الله فيعيش حسب قصد الله والإيمان بمحبة الله وغفرانه.

قد يعجبك ايضا
Loading...