إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

مضمون وحي سفر الرؤيا

368

كان لقاءنا الأول مقدمة لسفر الرؤيا، فيه حاولنا الإجابة على عدة أسئلة مثل:

هل يتشابه سفر الرؤيا مع غيره من الأسفار في الكتاب المقدس، أما لغته واسلوبه الأدبي فريد واستثنائي؟

وخَلصنا إلى إنه سفر فريد في الكتاب لأنه يتكلم عن وضع مستقبلي يغير الحاضر تمامًا وينبئ بوضع جديد، خلاف لأسفار النبؤات في العهد القديم، كدانيال وحزقيال، التي كانت تعالج مسائل أخلاقية وتتنبأ بمستقبل ينطلق من الحاضر ومشكلاته الدينية والأخلاقية.

من هو كاتب سفر الرؤيا؟

عرضنا عدة نظريات لكاتب السفر الذي يعلن اسمه في البداية كيوحنا ولكنه ليس يوحنا الإنجيلي والرسول، لأنه يسمى نفسه النبي، كما يظهر من السفر إنه لا يعرف كفاية يسوع التاريخي. ورأي مفسرين كثيرين أنه يمكن أن يكون يوحنا مرقس، كاتب الإنجيل. وفئة أخرى رأت أنه نبي يهودي من فلسطين. في حين رأي البعض بأن يوحنا المعمدان الذي وضع مسودته الأولى زادها كاتب مسيحيّ متهوّد.

في حين رأى غالبية آباء الكنيسة الأولى إنه يوحنا الحبيب بسبب السلطة التي يكتب بها للكنائس السبعة. وبسبب تقارب بعض المفردات وتشابهها مع إنجيل يوحنا مثل: الاشارة ليسوع بـ “كلمة الله”، وتعبير الغالب: “من يغلب؟” وتعبير “الحق الحق” التي ترد في إنجيل يوحنا 9 مرات وفي الرؤيا 10 مرات. وصورة حمل الله وصورة الماء الحي، وكلمة الشهادة وغيرها من المفردات. لذا جاء التقليد مدعما لهذه النظرية مثل: يوستينوس الشهيد حوالي عام 151-155، قانون موراتوري عام 180، وكتّاب القرن الثالث: إيريناوس، أسقف ليون في فرنسا (+ 206) في كتابه ضدّ الهراطقة. ترتليانس (+ 220) في كتابه ضدّ مرقيون. إكلمنضوس الإسكندراني (+ 215) وهيبوليطس الروماني (+ 235) وأوريجانس (+ 255).

متى كُتب السفر؟

تكشف الرسالة إلى أفسس أن السفر كُتب بعد أن كتب بولس رسالته إلى أفسس لأنه يوجه كلامه إلى الكنيسة قائلاً: “ولكِنَّ مَأخَذي علَيكَ هو أَنَّ حُبَّكَ الأَوَّلَ قد تَرَكتَه”، أي بعد العام 63 تقريبًا. وهنا رأي بأن يوحنا نفي في عهد يرون أو بعده قليلا(فسباسيانس)، استنادًا على 17: 3، 7، 12 ما يلي: “رأيت امرأة (المدينة، المملكة) تجلس على وحش قرمزي اللون له سبعة رؤوس وعشرة قرون (أشارة إلى الأباطرة السبع: خمسة سقطوا (أغوسطس، طيباريوس، كاليغولا، كلوديوس، نيرون). واحد لا يزال يملك (لا يزال حياً) (فسباسيانس). والآخر ما جاء بعد (تيطس). ومتى جاء لا يبقى إلاّ قليلاً (ملك سنتين فقط). أما الوحش الذي كان وما عاد كائناً، فهو ملك ثامن (دوميسيانس)، مع أنه “من السبعة ويمضي إلى الهلاك”. والتدوين الأخير في أيام دوميسيانس، سنة 95 أو 96.

كيف نقرأ سفر الرؤيا

هناك تيارات أربع لقراءة سفر الرؤيا:-

  1. القراءة التاريخية: المعنيون بالسفر هي كنيسة ذلك الزمان التي كُتب السفر لأجل جماعتها (الكنسية الأولى). فالسفر يتحدث عن أباطرة روما والاضطهادات في القرن الأول الميلادي،
  2. القراءة الزمنية: يجب أن يفسر تفسير تاريخي، فهو يتكلم على تاريخ الإنسان من إيام المسيح إلى الأبد، وكل الحوادث التاريخية التي مرت بالبشرية تجدها، بصورة رمزية في هذا السفر، فأنت تستطيع أن تجد هتلر والحرب العالمية الأولى والثانية وكافة الضيقات التي مرت بها البشرية إلى اليوم.
  3. القراءة الأخروي، أصحاب التفسير من الإصحاح 4، بعد أن يخاطب المؤمنين في الواقع، ينتقل إلى نهاية العالم. يتعلق بالمستقبل، بالأزمنة التي يأتي فيها المسيح ثانية وكل الأزمنة التي ترافق مجيء المسيح.
  4. القراءة المثالية، الرمزية واللاوقتية، الغير محصور بزمن معين، فهو يعالج كيف يتعامل الله مع الأوضاع المختلفة التي تمر بها الكنيسة والضيقات التي تتعرض لها. الرب لا يتكلم عن فترة معينة من الزمن، بل بكل زمان والكنيسة في كل الأحوال، فهي تغطي كل زمان وكل مكان تكون لها الكنيسة.

اعلان وحي يسوع المسيح

في اليونانية: أبوكالبسيس تعني “وحي” أو “كشف الستار عن شيء”. هناك شيء مخفي سيتم الكشف عنه وازاحة الستار عنه ليظهر للعيان. ترد هذه الكلمه 18 مرة في العهد الجديد، ولا نجدها في كل الكتابات اليوحناوية إلاّ في هذا المكان. تأتي غالبًا للكشف عن سر الله المكتوم منذ الأزل، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى أهل رومية: “وَلِلقَادِرِ أَنْ يُثَبِّتَكُم عَلى إِنْجِيلي وَبِشَارَةِ يَسُوعَ الـمَسِيح، وَفْقًا لإِعْلانِ السِّرِّ الَّذي كَانَ مَكْتُومًا في الأَزْمِنَةِ الأَزَلِيَّة. وقَدْ كُشِفَ الآنَ في الكُتُبِ النَّبَوِيَّة، بِأَمْرٍ مِنَ اللهِ الأَزَلِيّ، وصَارَ مَعْرُوفًا في جَميعِ الأُمَم، لِيُطِيعُوا الإِيْمَان” (رومية 16: 25- 26). ويفصح أحيانًا على أنه سر يسوع المسيح: “وهوَ أَنِّي بِوَحْيٍ أُطْلِعْتُ على السِرّ، كَمَا كَتَبْتُ إِلَيكُم بإِيْجَازٍ مِنْ قَبْل، حِينَئِذٍ يُمْكِنُكُم، إِذَا قَرَأْتُمْ ذـلِكَ، أَنْ تُدْرِكُوا فَهْمِي لِسِرِّ الـمَسِيح” (أفسس 3: 3- 4).

إنّ سرّ الله هو السرّ الغير معروف للبشر “ذاك الذي يسكن نوراً لا يقترب منه” (1 تم 6: 16). فلا يستطيع الإنسان بقواه الخاصة أن يدركه. فالنعمة الإلهية وحدها تستطيع أن تجعله يدرك هذا السرّ. فالأحداث العديدة التي بها أراد الرب أن يعرّف بنفسه في العهد القديم، تم الكشف عنها في العهد الجديد والخاصة بحقيقة سر يسوع المسيح، كما يقول كاتب الرسالة إلى العبرانيين: “إِنَّ اللهَ، بَعدَما كَلَّمَ الآباءَ قَديمًا بِالأَنبِياءَ مَرَّاتٍ كَثيرةً بِوُجوهٍ كَثيرة، كَلَّمَنا في آخِرِ الأَيَّام هذِه بِابْنٍ جَعَلَه وارِثًا لِكُلِّ شيء وبِه أَنشَأَ العالَمِين. هو شُعاعُ مَجْدِه وصُورةُ جَوهَرِه، يَحفَظُ كُلَّ شيَءٍ بِقُوَّةِ كَلِمَتِه. وبَعدَما قامَ بِالتَّطْهيرِ مِنَ الخَطايا، جَلَسَ عن يَمينِ ذي الجَلالِ في العُلَى” (العبرانيين 1: 1- 3). الله لم يره احد قط ولكن الابن الوحيد في حضن الاب هو أخبر. المسيح هو اعلان عن الله. “يَا سَيِّدُ، أَرِنَا الآبَ.. فقال يسوع: ” اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ” (يوحنا 14: 8- 9). هذا الاعلان حصل عليه يوحنا بواسطة ملاك الذي يرافقه طوال سفر الرؤيا.

لا يقدم سفر الرؤيا حقائق إيمانية جديدة ولا معلومات جديدة عن حياة المسيح. كل ذلك قد ورد في العهد القديم الذي أعدَّ الطريق للمخلص وفي الإنجيل الذي روي لنا بشارة الخلاص. فمع الإنجيل قد “تم كل شيء”، وياتي سفر الرؤيا ليكشف لنا أن “ما تم” بقى له أن يدخل في التاريخ وأن يكون له مستقبل. فبعد مجئ المخلص وموته وقيامته يبقي السؤال: ماذا بعد؟ وهذا السؤال لا نستطيع فصله عن حدث المسيح. إذ إننا نجد في الرؤيا تعبيرًا عن مستقبل المسيح ومستقبل كنيسته وعن فعاليته المستمرة في التاريخ إلى ما بعد التاريخ.

هذا هو السؤال الذي تجيب عليه الرؤيا: كيف يمكننا أن نحرك تاريخ الخلاص ونجعل المسيح يتجسد يومًا فيومًا، في واقع الحياة اليومية، وتصبح قيامته لا مجرد حادثة نقرأها في كتاب، بل حدثًا يوميًا يغير وجه الكون بتغيير نظرتنا إلى كل ما يجري حولنا. ولذلك فالرؤيا تبتدئ من النهاية التي نحن صائرون إليها. فتصور لنا القيامة الحقيقية التي يتطلع إليها البشر، حيث يلتقي الله مع الإنسان ثانيةً، في مصالحة مع الكون كله. وهذه المصالحة الشاملة هي الوطن الحقيقي، “أورشليم السماوية”، التي تكلل مسيرة الإنسان على الأرض بفعل عمل يسوع المسيح الخلاصي وصلبه وموته وقيامته.

نحن نعيش اليوم في الأيام العصيبة، في زمن غربتنا على الأرض، حيث هناك فوضى تضرب حياة الإنسان. وبالرغم من هذه الفوضى إلا هناك مخطط إلهي مدروس لكي يجبرنا على أن نخوض معركة مع الكتاب ووحي الله فيه، ونختبر صراعًا بل أزمة حقيقية عندما تسد أمامنا الطرقات ونحاول دون جدوى أن نكتشف المعنى من الأحداث المتعاقبة. المهم أن لا نغلق الكتاب قبل أن نصل إلى النهاية، لأن هذه النهاية وحدها هي المقصودة.

إذا يئسنا خسرنا المعركة ولكن إذا أكملنا نكون انتقلنا من فوضى التاريخ إلى الخلق جديد، إلى حياة جديدة يغيب عنها كل مظاهر الألم والبكاء والموت: “«هُوَذا مَسكِنُ اللهِ مع النَّاس، فسَيَسكُنُ معهم وهم سيَكونونَ شُعوبَه وهو سيَكونُ «اللهُ معَهم». وسيَمسَحُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم. ولِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآَن، لأَنَّ العالَمَ القَديمَ قد زال». (21: 3- 4). حياة لا ليل فيها: “المَدينَةُ لا تَحْتاجُ إِلى الشَّمسِ ولا إِلى القَمَرِ ليُضيئا لَها، لأَنَّ مَجدَ اللهِ أَضاءَها، وسِراجُها هو الحَمَل. أَبْوابُها لن تُقفَلَ في أَيَّامِها،ِ لأَنَّه لن يَكونَ لَيلٌ هُناك” (21: 23، 25).

هذا ما كَشَفَه يَسوعُ المَسيح (آيه 1أ)

هنا يسوع المسيح الشخص المركزي وموضوع الوحي المُراد نقله إلى جماعة المؤمنين المنتمين إلى الكنائس. إذن، هذا الكلام يتوجّه إلينا. “وحي يسوع المسيح” المشار إليه في الكتب المقدسة ورسائل بولس، يجد كماله في سفر الرؤيا، كختام للوحي السابق اعلانه: “حتَّى إِنَّه لا يُعوِزُكم شَيءٌ مِنَ الهِبات، وأَنتُم تَنتَظِرونَ تَجَلِّيَ رَبِّنا يسوعَ المسيح، وهُو الَّذي يُثَبِّتُكُم إِلى النِّهايَة حتَّى تَكونوا بِلا عَيبٍ يَومَ رَبِّنا يسوعَ المسيح” (1 كورنثوس 1: 7- 8)، “وأَن يُجازِيَكم أَنتُمُ المُضايَقينَ وإِيَّانا بِالرَّاحَة عِندَ ظُهورِ الرَّبِّ يَسوع، يَومَ يَأتي مِنَ السَّماءِ تُواكِبُه مَلائِكَةُ” (2 تسالونيكي 1: 7).

تمام الوحي بيسوع يُنقل إلى الجماعة عن طريق نبيه: ” لِيُرِيَ عِبادَه”. تدل هذه اللفظة على المسيحيين بشكل عام كما نقرأ في 2: 20 “إِيزابَلَ… فتُعَلِّمُ وتُضَلِّلُ عَبيدي” و 7: 3 “عَبيدَ إِلهِنا”. هذا الوحي يسمّى أيضاً كلمة الله لأن يسوع يخبرنا فيه بما تقبّله من الله. ويسمّى أيضاً شهادة يسوع المسيح.

ما لا بُدَّ مِن حُدوثِه وَشيكاً (آيه 1ب)

وما هو مضمون هذا الوحي؟ ما سوف يحدث قريباً، عاجلاً. ما الذي سيحدث عاجلاً؟ ما هو الذي لابد أن يحدث؟ أن يتم مخطط الله!

هناك قصد إلهي، فلا شيء يكون مصادفةً في التاريخ. ففي سفر دانيال يكشف الله الأسرار من خلال الحلم الذي راه نَبوكَدنَصَّر: “لكِنَّ في السَّماءَ إِلهاً يَكشِفُ الأَسْرار، وقد أَخبَرَ المَلِكَ نَبوكَدنَصَّر بِما سَيَكونُ في آخِرِ الأَيَّام. إِنَّ حُلمَكَ وُرؤيا رَأسِكَ على مَضجَعِكَ هو هذا” (2: 28)، فيكشف دانيال رمزية التمثال العظيم بأن ملك نَبوكَدنَصَّر سينتهي بترتيب وتوالي الممالك الذي تحقق فعلا على مدار التاريخ: الأشوريين، الفرس، اليونان، الرومان، ثم يُقطع حجر صفير بغير يدين، اشارة ليسوع المسيح، ويضرب التمثال فينهار وتقوم في مكانه مملكة عظيمة وكان هذا نهاية كل شيء، مملكة ربنا يسوع المسيح.

لا بد إذن هي عبارة كتابية مسيحية، تعبر عن الإيمان المسيحي الذي يرى أن موت المسيح وقيامته جعل أحداث التاريخ حتمية. عبر يسوع نفسه عن هذا المفهوم في لقاءه بعد القيامة مع تلميذي عماوس قائلاً لهما: “أَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّ الْمَسِيحَ يَتَأَلَّمُ بِهَذَا وَيَدْخُلُ إِلَى مَجْدِهِ؟” جميع النبؤات التي قيلت في العهد القديم قد تمت في شخص يسوع. وهذا يجعل مخطط الله حتمى الحدوث في التاريخ.

وَشيكاً أو عن قريب “إنتاخى” فسرت في 22: 6 بمعنى سريعا: “أَرسَلَ مَلاكَه لِيُرِيَ عِبادَه ما لا بُدَّ مِن حُدوثِه وَشيكًا”. وفي 22: 20 «أَجَل، إِنِّي آت، على عَجَل». لكن مرور أكتر من  1930 سنة على كتابة السفر يجعل البعض تجد صعوبة في فهم كلمة عن “قريب أو وشيكا”.

هناك من وجد لها حل بتفسير كلمة “وشيكا” بكلمة “فجأة” إن الذي سيحدث سيحدث فجأة. فالكلمة من الصعب أن نقبلها حرفيا. ويبنون نظريتهم على قول الرسول بطرس في رسالته الثانية عندما يقول: “أَنَّ يَومًا واحِدًا عِندَ الرَّبَ بمِقدارِ أَلْفِ سَنة، وأَلْفَ سنَةٍ بِمِقدارِ يَومٍ واحِد. إِنَّ الرَّبَّ لا يُبطِئُ في إِنجازِ وَعْدِه، كما اتَّهَمَه بَعْضُ النَّاس، (2 بطرس 3: 8ب- 9). فالله خارج الزمن الذي نعرفه، لأنه خالق الزمن، وبالتالي اليوم الواحد لا يمكن حسابه بمقاييس البشر. أن الأمر الذي سيحدث وشيك ولكن بمقياس الله الذي لا نعرفه، لكن الأمر سيحدث فجأة.

منذ الصعود أصبح مجئُ المسيح في المجد قريب “آمين! تَعالَ، أَيُّها الرَّبُّ يَسوع” (22: 20) كما يؤكد تعليم الكنيسة الكاثوليكية (673)، وإن لم يكن لنا أن “نَعرِف الأَزمِنَةَ والأَوقاتَ الَّتي حَدَّدَها الآبُ بِذاتِ سُلطانِه” (أعمال 1: 7). هذا المجئ يمكنه أن يتم في أي وقت: “لِذلِكَ كونوا أَنتُم أَيضاً مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تَتَوَقَّعونَها يأَتي ابنُ الإِنسان” (متى 24: 44).

المؤكد إذن هو مجئ الرب، والأهم هو التركيز على هذه الحقيقة وليس عن تحديد توقيتها، مثل البعض الذي رأى في عام 2000 نهاية العالم فوقعوا في مغالطات كثيرة. سيأتي المجئ بغتة بالنسبة للمؤمنين، كما يتضح من مثل العذارى الحكيمات. مجئي “مفاجئ” وليس قريب. المسيح سيأتي فجأة وينبغي علينا أن نكون مستعدين في كل لحظة.

طوبى لِلَّذي يَقرَأُ ولِلَّذينَ يَسمَعونَ أَقوالَ النُّبوءَة ويَحفَظونَ ما وَرَدَ فيها، لأَنَّ الوَقتَ قدِ اقتَرَب (آية 3)

طوبى لِلَّذي يَقرَأُ... يجب أن يُقرأ الكتاب ويُسمع. نحن أمام قراءة ليتورجية، قراءة تتمّ في شعائر العبادة. كانت الرسائل الرسولية تقرأ في الكنائس ليسمعها الجميع ويحفظونها، هذا ما يقوله بولس بكل وضوح في رسالته إلى أهل كولوسي: “فإِذا قُرِئَت هذه الرِّسالةُ عليكم، فاسعَوا لأَن تُقرَأَ في كَنيسةِ اللاَّذِقِيَّةِ أَيضًا، ولأَن تَقرَأُوا أَنتُم أَيضاً رِسالةَ اللاَّذِقِيَّة” (كولوسي 4: 16). لتقرأها، واطلبوا رسالتي إلى لاودكية لتقرأوها أنتم أيضاً”. وفي نهاية رسالته الأولى إلى أهل تسالونيكي يقول: “أَستَحلِفُكم بِالرَّبِّ أَن تُقرَأَ هذِه الرِّسالةُ على الإِخوَةِ أَجمَعين” (1 تسالونيكي 5: 27).

ما يميز كتاب الرؤيا هو كتاب ليتورجي. فهناك الأناشيد والاحتفالات والحركات التي تكشف عن بدايات الليتورجيّا في الكنيسة الناشئة. منها ما بقي حتّى اليوم، مثل “قدوس” أو حوارات ليتورجية بين محتفلٍ يُدعى كاهنًا في بعض الأوقات، وجماعةٍ تُجيبه، أو الدعوة إلى القراءة والإصغاء في تجمعٍ كنسي. ونظرًا لهدف الكاتب في كشف نهاية الوحي بيسوع المسيح ومجيئه الثاني، فإن الاحتفال الليتورجي بقيامة الرب يسوع يجعل هذا المجئ يتحقق الآن ويطعم الحاضر بفاعلية قيامته وقدرته على تخطي الأزمات مهما كانت قاسية.

النبوءة… يجعل كاتب السفر نفسه في خطّ أنبياء العهد القديم. يبدو السفر حقاً “نبوءة”: هو قراءة جديدة ملهمة ومركّزة على شخص يسوع المسيح، قراءة لما قاله العهد القديم، وهو يعتبر سلطته موازية لسلطة الأنبياء بسب النور الكامل الذي يُسقطه الروح القدس على نصوص قديمة تمّت الآن. أجل “إن شهادة يسوع هي روح النبوءة” (10:19).

لأَنَّ الوَقتَ قدِ اقتَرَب… “كايروس” هو الوقت. المؤاتي الذي يحمل غنى الله ونعمه. هو زمن الخلاص والزمن الأخير. فعلى جماعة العهد الجديد أن لا تهمل سماع التعليم الإلهي الذي يوجّهه إليها يوحنا: فمن أهمل في السماع، لن يستطيع أن يسمع. لأنّ التعليم لا يتكرّر. لسنا فقط إمام قراءة وسماع بل أن نحفظ هذا الكلام، أي نضعه موضع العمل.

الَّذينَ يَسمَعونَ (الجماعة الكنسية)

يتحدّث يوحنا عن كتاب يُقرأ ويُسمع على الجماعة. فالذين يسمعون يسمعون صوت الروح (2: 7، 11، 17، 29؛ 3: 6، 13، 22؛ 13: 9). والسماع لا يكفي. يجب أن نحفظ. أن نتحرّك. “من سمع فليقل: تعال” (22: 17). إن السماع يصل بنا إلى نداء نوجّهه إلى يسوع. وسيكون رؤيا مملوءًا بالمدائح والأصوات التي تعكس ليتورجيا ذاك الزمان. ولا ننسَ أن يوحنا رأى ما رأى يومَ الأحد، يوم الرب “فاختَطَفَني الرُّوحُ يَومَ الرَّبّ” (1: 10) وساعةَ الاحتفال بالإفخارستيا.

يدفع يوحنا السامع لرسالته إلى الانتقال من الكلمة المسموعة إلى الصورة التي ترسمها الكلمات، إلى رؤية تاريخ البشرية كلها في الكون. ينطلق يوحنا من الزمن الحالي “يوم الرب”، في الاحتفال الليتورجي، والمكان “جزيرة بطمس” ليقدم لقراءه وسامعيه “شيفرة” غنية بالمعاني، كالخريطة الوراثية التي تضمنها بذرة صغيرة عندما تراها لا يمكن أن تتصور كمالها في شكل شجرة عالية الأغصان كثيرة الثمار. فالحدث التاريخي الذي يمر به الإنسان، يَصعب عليه أن يتصور نموه نحو اكتماله ولا يستطيع تصور نوعية هذا الكمال ودرجته. يدعو يوحنا سامعيه في الجماعة الكنسية لكي لا يكتفوا بالسماع، بل لأن يعبروا إلى الرؤية الكامنة في الأحداث والتاريخ، مثلما فعل أيوب وفي أشد لحظات معاناته عبر عن هذا الانتقال من السماع إلى الرؤية وكأنه بداية النهاية والخروج الأمثل من المأزق فقال للرب: “بِسَمْعِ الأُذُنِ قَدْ سَمِعْتُ عَنْكَ، وَالآنَ رَأَتْكَ عَيْنِي” (أيوب 42: 5).

يفتح الرؤيا الزمن الحاضر على المستقبل. لم يفتحه فقط على الماضي، كما يفعل المؤرخ، بل على المستقبل. وهذا المستقبل لن يكون أبدًا شبيهًا بالحاضر والماضي. أنه جديد تمامًا وغير منتظر: «مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ» (1 كورنثوس 2: 8).

لذا أن كلمات الوحي التي ينقلها يوحنا لا يسمعها كالكلمات العادية، بل يراها في صورتها الكاملة والنهائية، بعد أن يختبرها بموت وقيامة حقيقية مع المسيح، وبعد ذلك يحملها للآخرين. يقع الرسول كالميت أمام ابن البشر المتجلي إلى أن يلمسه بيمينه قائلا: “لا تَخَفْ، أَنا الأَوَّلُ والآخِر، أَنا الحَيّ. كُنتُ مَيتًا وهاءَنَذا حَيٌّ أَبَدَ الدُّهور. عِنْدي مَفاتيحُ المَوتِ ومَثْوى الأَموات. فاكتُبْ ما رَأَيتَ، ما هو الآن وما سَيَحدُثُ بَعدَ ذلك” (1: 17- 19).

قد يعجبك ايضا
Loading...