إن حادثة شفاء الرجل المولود أعمى لا توجد إلا في إنجيل يوحنا، وهي غنية جدًا بالتفاصيل والمعاني العميقة لحياتنا المسيحية. قال القديس أوغسطينوس إنه لو كان عليه أن يشرحها بكل جوانبها لما كفى يوم كامل. وبالفعل استطاع أن يرى الكثير في هذه الحادثة ولم يكفيه يوم كامل بالفعل في شرحها. وبالفعل من الصعب شرح التفاصيل لذا سأكتفي بالتأمل في الآية الأولى فقط:
وبَينَما هو سائِرٌ رأَى رَجُلاً أَعْمى مُنذُ مَولِدِه
الكلمة الأولى هي رأَى:
متى رأى يسوع الرجل؟ يخبرنا القديس يوحنا في الإصحاح الثامن عن جدال المسيح مع اليهود الذي يعلن لهم عن ذاته: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ». فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى (آية 58- 59).
لقد أنهى يسوع جدالاً مع الفريسيين الذين يريدون أن يرجموه بالحجارة كما سيفعلون مع تلميذه إسطفانوس. وفي وسط هذ الفوضى يملح رجلاً أعمى منذ ولادته. هو وحده الذي رأى الرجل، في حين أن الحجاج، التجار، أهل البلدة وتلاميذه لم يروه. والرجل لم يلفت الانظار إليه، فهو لم يصرخ أو يتوسل إلى يسوع، فهو حتى لا يدرك أن يسوع يمر من أمامه.
جلس الرجل الفقير على باب الهيكل ليطلب. مسكين لم يرى شيء أبدًا منذ مولده. لم يرى جمال الطبيعة، لون الأزهار غروب الشمس، تلألا النجوم في السماء. هل يمكن لنا نحن المبصرون أن ندرك معاناة الشخص الذي لا يعرف كل هذا. في أحد الأيام رأيت فيديو قصير عن أحدى السيدات، بدافع من الحرية الزائدة في إن كل إنسان يقرر مصيره، قامت بعملية استئصال لعينيها لأنها مقتنعة إنها كانت يجب أن تولد عمياء. تم استضافة السيدة وكانت هناك طبيبة عيون كانت صدمتها كبيرة في أن ترى إنسانة يصل بها الجنون إلى هذا الحد في حين يأتي إليها كل الناس لأجل الحفاظ على قدرتهم على الرؤية حتى لو كانت طفيفة.
كان المسكين يشعر إنه معاقب لسبب لا يعرفه، الناس تعتبره لعنة لأن العميان لا يستطيعون قراءة التوراة، في وقت يسوع كان الأحبار يشكرون الله عندما كانوا يرون شخصًا معاق، لأن هذا معناه أن الله لم يجد فيهم أو في نسلهم خطيئة لذا ولدوا أصحاء دون إعاقة. وكان داود يكرههم لدرجة أنه منع دخولهم إلى الهيكل. الرجل هو بالضرورة ثمرة خطيئة غير معروفة: أَهذا أخطأ أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟”
هل اليوم لا يفكر البعض منّا بهذه الطريقة؟ لنلاحظ أنفسنا عندما يشكي شخص ما همومه، مرضه، مشكلاته! كل منّا يسعى إلى إيجاد كلمات يشجع بها صاحب الشكوى، لكن هناك شعور خفي، نحاول أحيانا أن نتجاهله، ولا نستسلم له، إن أشعر بالرضا الداخلي إن الله قد حفظني من تلك المعاناة التي يعانيها صاحب الشكوى.
رأى المسيح الرجل وانتبه إليه وهو خارج من الهيكل ويحاول البعض رجمه، وقتله. يهتم ويقترب ويرى وحده الشخص المسكين. يسوع قريب منّا ويسير معنا في مسيرة الحياة، يعرف كل شيء عنا، ظروفنا، مشكلاتنا، ما نحتاج إليه. كل واحد منّا هو محور اهتمام الرب يسوع، بل تجسد من أجله، من أجل أن يجعلك تبصر النور، تعيش في النور.
الكلمة الثانية: أعمى
الرجل وُلدَ أعمى، لكن هل هو وحده الأعمى؟
في الحقيقة نحن جميعًا عميان، عيوننا لا تبصر دون الضوء. يكشف الضوء الأشياء فتراها العين. أنت لا ترى في الظلام الدامس، دون الضوء لا يمكن لعينيك أن ترى شيئًا أبدًا. مَن هو الأعمى الحقيقي؟
يمر يسوع بحياة كل منّا يدعونا أن نفتح عيوننا ونرى، فهو النور: « النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ»، إذا قبلنا النور وفتحنا أعيننا صرنا أبناء الله: “وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ” (يو 1: 9؛ 12). كلٍ منّاأعمى لكن عندما يفتح عينه للنور يصير مبصرًا: “اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا” (إش 9: 2) أما الذي يغلق عينه فلن يرى شيئًا أبدًا، سيقى في ظل الموت. المشكلة إن مَن يغلق عينيه لن يُشفى، يظن نفسه مبصر لأن لديه عينين قادرتين على الابصار لكنه أعمى لا يستخدمهما ليرى النور.
يقول يسوع عن نفسه: ” ما دمتُ أنا في العالم فأنا نور العالم“، وبالتالي لا يمكن أن نرى شيئًا إلا في نوره، ويقول المزمور جيدًا: “لأَنَّ عِنْدَكَ يَنْبُوعَ الْحَيَاةِ. بِنُورِكَ نَرَى نُوراً” (مز 35: 10). إذًا هناك فرق هائل بين أن يرى يسوع أو لا يراه، فالذي يراه هو في النور، يرى جيدًا ويعرف إلى أين يتجه، أما الذي لا يراه فيتلمس طريقه في الظلام ولا يعرف إلى أين يتجه، وبالتالي يخاطر بإلحاق الكثير من الأذى بنفسه وبالآخرين.
المعجزة الحقيقية ليس في إن شخص أبصر النور، بل أن يرى الحياة في نور المسيح، بعيني الله. ويتضح في نص إنجيل اليوم أن العميان الحقيقيين هم من سألوا يسوع عن سبب ولادة هذا الرجل أعمى إذ أن لديهم نظرة خاطئة إلى الله، كانوا عمياناً عن حقيقته، وإذا أكملنا قليلاً قراءتنا سنلاحظ فيما بعد، عمى قلب الفريسيين، الذين كان دائماً همهم التقيد بالشريعة، وإزاحة الناس وإبعادهم عن النور الآتي إلى العالم.
كيف نرى الحياة بعيون الله؟
الله محبة، كينونته محبة، وإذا أردنا أن نرى عندما يسقط نوره حولنا، بنورك نرى النور، علينا بعيش المحبة في الحياة: “مَن أَحَبَّ أَخاه أَقامَ في النُّور ولم يَكُنْ فيه سَبَبُ عَثرَة. أمَّا مَن أُبغَضَ أَخاه فهو في الظَّلامِ وفي الظَّلامِ يَسير فلا يَدْري إِلى أَينَ يَذهَب لأَنَّ الظَّلامَ أَعْمى عَينَيه” (1 يو 2: 10- 11).
أسال نفسك هل أنت قادر على محبة القريب؟ من يحب القريب هو في النور