هل يغفر الله لنا دائمًا؟ وهل يغفر جميع الخطايا والشرور التي يرتكبها البشر كالقتل والسرقة وظلم الآخرين؟
يؤمن الغالبية بأن الله رحيمٌ ويغفر لنا خطايانا التي نقدم عنها توبة! بحسب العهد القديم الله يغفر خطايا البشر، لكن على الإنسان أولا أن يمر بطقوس محددة ينص عليها الناموس ككفارة عن الخطيئة: يقدمون ذبيحة، ويغمس الكان إصبعه في دم الذبيحة ويرش منه سبع مرات أمام الرب ثم يُصب الباقي عنذ المذبح ويفصل الشحم عن اللحم ويحرق على المذبح…”
لكن جاء يسوع ليعلن أن الله الآب يغفر دون الحاجة إلى التوبة! يحكي مثل الابن الضال الذي عند عودته لا يوبخه أبيه، بل يقبله، علامة المغفرة الممنوحة حتى قبل أن يُطلب.
لقد ارتكب الابن شرور كثيرة، أولها أنه وجه الإهانة إلى والده لأن قول الابن لأبيه: “يا أَبَتِ أَعطِني النَّصيبَ الَّذي يَعودُ علَيَّ مِنَ المال”، يعادل قوله : ” يا أَبَتِ، أَنْتَ مَيِّتٌ عِنْدِي”، قول، حسب الناموس، يمكن أن يعرض الابن للقتل على يد آبيه. ولكن الأب الذي يكلّمنا عنه يسوع هو أب يترك الابن يعيش حريته بالكامل، حتى حرية أن يعتبره ميتًا. يقبل الأب الاهانة ويترك الابن يعيش.
نعرف القصة بأن يعود بعد فترة صعبة إلى عقله ويقرر أن يعود ويكرر على نفسه فعل التوبة الذي يجب أن يقوله متى رأى أبيه لكي يستعطفه. هنا مفاجأة يسوع الذي يصور الأب هو الذي يركض للقاء الابن فاتحًا ذراعيه: “وكانَ لم يَزَلْ بَعيداً إِذ رآه أَبوه، فتَحَرَّكَت أَحْشاؤُه وأَسرَعَ فأَلْقى بِنَفسِه على عُنُقِه وقَبَّلَه طَويلاً”. بينما كان لا يزال بعيدًا، وكأنه يقول: لم يتوقف الأب للحظة واحدة عن الوقوف عند النافذة مشتاقًا إلى عودة ابنه.
على عكس فكر سامعيه من اليهود الذين يعرفوا كيف تقدم يعقوب لينال غفران أخيه عيسو بعد الخطأ في حقه:” أَمَّا هو فتَقَدَّمَهم وسَجَدَ إِلى الأَرضِ سَبعَ مرَّاتٍ حتَّى دَنا مِن أَخيه.4 فبادَرَ عِيسو إِلى لِقائِه وعانَقَه وأَلْقى بِنَفْسِه على عُنُقِه وقبَّلَه وبَكَيا” (تك 33: 3).
لكن هذا الغفران الممنوح دون أن يتقدم الخاطئ بالتوبة، صدم المتدينين في ذلك الوقت، الذين ظنوا أن يسوع يجدف، كما حدث عندما “فإِذا أُناسٌ يَأتونَه بِمُقعَدٍ مُلقىً على سَرير. فلَمَّا رأَى يسوعُ إِيمانَهم، قالَ لِلمُقعَد: «ثِقْ يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك»” (متى 9: 2). وخلافاً للممارسة الدينية، لا يسأل يسوع الرجل إن كان قد تاب عن خطاياه. إن عمل يسوع كان: “ابْنَ الإِنسانِ جاءَ لِيَبحَثَ عن الهالِكِ فيُخَلِّصَه” (لو 19: 10). يسوع يعمل في الحاضر وليس في الماضي، لا يهتم بما فعله الرجل ولا يلومه على ما فعل، بل يشجيع ويدعوه بالابن، وهو تعبير يدل على محبة شديدة. عندما يلتقي الخاطئ بالرب لا يتذلل بسبب خطاياه، بل يحيط به بحنان محبته. وعلى عكس روحانية عصره، لم يدعو يسوع الخطاة أبدًا إلى طلب المغفرة من الله.
في حين أن الدين يتطلب التوبة والندامة والتحول عن الطريق السيئ كشرط للمغفرة، يكشف لنا يسوع أن التوبة هي نتيجة للغفران الممنوح مجانًا. وهكذا لا حاجة بعد الآن لتقديم ذبيحة: فالله لا يطلب تقدمات، بل هو الذي يقدم نفسه ويطلب منا أن نقبله. ولذلك فإن المغفرة هي عطية مجانية، ليس بسبب استحقاقات الإنسان بل لاحتياجاته.
“متى يغفر الله لنا”؟
من الطبيعي أن نقول إنه يغفر لنا عندما نعتذر إليه، أو عندما نذهب إلى الاعتراف.
لا: الله يغفر لنا في اللحظة نفسها التي نخطئ فيها، بمعنى أن عناق الله لنا متاح لنا دائمًا ومحبته لا تتزعزع أبدًا. في اللحظة التي نعتذر له فيها، تتم المصالحة، أي أننا نفتح ذراعينا أيضًا لاستقبال عناق الله وغفرانه.
يغفر الله لنا جميعًا لأن كيانه هو محبه مهما كانت الخطيئة التي نرتكبها. لكن الغفران لا يعنى المصالحة!
المصالحة تعني عودة العلاقة بين الأطراف كما كانت قبل ارتكب الفعل. فإذا كنت شخص مؤذي لي، يعاملني بقسوة وظلم شديد فإن التصالح يعني أن أتعرض لخطر التعرض للأذى مرة أخري، فمن حقي ألا أجازف بذلك؛ وأحيانًا يكون من حقنا المقدس أن نتجنب بعض المواقف وبعض العلاقات بكل الوسائل لتجنب التعرض للأذى مرة أخرى. يمكننا أن نذهب إلى حد أن نغفر في قلوبنا لمن آذونا، دون أن تتم المصالحة: إما لأن الآخر لا يريدها، أو لأننا نحكم أنه ليس من المناسب أن نستأنف تلك العلاقة التي قد نستمر فيها في الأذى.
هذا ينطبق أيضًا على الله. فالله يغفر لنا دائمًا، ثم يعود الأمر لنا أن نقبل الغفران ونقبل عرضه للمصالحة؛ ولكن على عكسنا نحن، الذين لا يرغبون دائمًا في منح المصالحة، فهو دائمًا على استعداد ليس فقط أن يغفر لنا، بل أن يتصالح معنا أيضًا. لقد أعاد كل مميزات الابن، وضع خاتم في أصبعه والحذاء في رجليه وأقام له وليمة.
متى تتم المصالحة مع الله؟
يلقي يسوع بقنبلة ثانية في وجه الفرنسيين وهي أن الغفران المجاني والمصالحة الممنوحة لنا بعودتنا كأبناء له تتطلب منا أن نقبلها. يُكمل يسوع المثل ولا يتوقف عند غفران الله لنا في صورة الابن الأصغر، بل يروى ما حدث مع الابن الأكبر، الذي رفض أن يغفر لأخيه: “ولمَّا قَدِمَ ابنُكَ هذا الَّذي أَكَلَ مالَكَ مع البَغايا ذَبَحتَ له العِجْلَ المُسَمَّن!”. إن الغفران الممنوح لنا مجانًا من الله لايؤتي مفاعليه في حياتنا ما لم نتمكن نحن أيضًا من نغفر بعضًا لبعض.
الآب هو محبة ومغفرته متضمنة في المحبة التي يقدمها باستمرار للبشر. إذا لم يدعونا يسوع بأي حال من الأحوال إلى طلب المغفرة من الله، فهو يطلب بإلحاح من البشر أن يغفروا لبعضهم البعض، لأن المغفرة التي منحها الرب لهم تصبح فعالة وفعالة فقط عندما تتحول إلى مغفرة للآخرين: “فإِن تَغفِروا لِلنَّاسِ زلاتِهِم يَغْفِرْ لكُم أَبوكُمُ السَّماوِيّ وإِن لَم تَغفِروا لِلنَّاس لا يَغْفِرْ لكُم أَبوكُم زلاَّتِكُم” (مت 6: 14* 15). وأيضًا: “اغفروا يُغْفَرُ لَكُمْ” (لو 6: 37).
في صلاة الأبانا نقول: “أغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا”. في كل مرة نتلو فيها الصلاة الربانية كأننا نوقع ميثاقًا مع الله، أي أننا نعطي الآب الإذن بأن لا يغفر لنا إن لم نغفر نحن أنفسنا لإخوتنا.
البعض يرفض أن يغفر للآخرين فيحرم نفسه من غفران الله. كمًن يحرم نفسه من النور، الله نور (1يو 1: 5): ” أَنَّ النُّورَ جاءَ إِلى العالَم ففضَّلَ النَّاسُ الظَّلامَ على النُّور لأَنَّ أَعمالَهم كانت سَيِّئَة”. عندما تعيش في الظلام لفترة طويلة، حتى أدنى خيط من الضوء يزعجك وتغمض عينيك لأن الضوء يؤذيها. ليس العيب في النور، مصدر الحياة، بل في اختيار البقاء في الظلام: “فكُلُّ مَن يَعمَلُ السَّيِّئات يُبغِضُ النُّور فلا يُقبِلُ إِلى النُّور لِئَلاَّ تُفضَحَ أَعمالُه” (يو 3: 20).
ينتهي المثل الذي يرويه يسوع بأن يترك لنا النهاية، فنحن ذلك الإنسان الذي عندما يخطيء يقبله الله برحمته ومحبته على مثال قبوله للابن الأصغر. الأمر يتوقف علينا إذن هل نعامل الأخ الذي يخطيء في حقنا مثل الله. نقبله بمحبه ونسامحه على خطأه لكي نستحق أن ننال غفران الله الكامل. يبدو أن يسوع يريد أن يخبرنا أن وليمة غفران الله لا يمكن أن تكتمل ما لم نتمكن من أن يغفر بعضنا لبعض، ونترك مفهوم العدالة الذي يميل إلى الفصل بين الصالح والطالح، العادل والظالم، بينما محبة الله التي أعلنها لنا يسوع هي محبة تميل دائمًا إلى الاتحاد وإعادة العلاقة
التوازن بين الرحمة والعدالة
بالنسبة لنا، الجمع بين العدل والرحمة أمر صعب جدًّا، إن لم يكن مستحيلًا، لذلك نعتقد أننا إذا أردنا أن نكون عادلين لا يمكننا أن نكون رحماء والعكس صحيح.
الآب الذي لا يغفر لنا إذا لم نغفر لبعضنا البعض، سيكون أبًا بشريًا أكثر من اللازم. مفهوم العدالة الذي نفهمه ونقبله نحن البشر: إنه إذا أخطأت في حقي يجب أن تنال العقاب. في حين أن عدالة الله هي محبة، لأنه هو محبه.
لكي نفهم عدالة الله يجب أن نسمع كلام يسوع في العظة على الجبل.
”سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يَضْطَهِدُونَكُمْ، لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُطْلِعُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُنْزِلُ الْمَطَرَ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ“.
ميلنا دائمًا إلى تقسيم الناس إلى صديق وعدو، نحب البعض ونكره البعض الآخر. نرى الشر في الآخرين أكثر مما نراه في أنفسنا. لو سألتك: هل أنت صالح أم شرير، في أي جانب ستضع نفسك؟ أعتقد أنه لا يوجد شخص في العالم سيضع نفسه في جانب الأشرار، ولا حتى أسوأ المجرمين: نحن نعتقد دائمًا أننا على حق ولدينا دائمًا مبرر لما نفعله، وفي نفس الوقت نعتقد أن الآخرين أشرار.
أما الله فنظرته مختلفة: بالنسبة له لا يوجد خير وشر، عادل وظالم، صديق وعدو. بالنسبة لله لا يوجد سوى أبناءه المحبوبين، قادرون على الأعمال الصالحة وقادرون على الأعمال السيئة، لكنهم دائمًا أبناءه بالرغم من كل شيء. “كانَ لِرَجُلٍ ابنان” المثل أيضًا يشير إلى الكل، كالمثلين السابقين له في لوقا 15: الخروف الضال والدرهم المفقود. ويُنهيهما الإنجيليّ بحقيقة أنّه سيكون في السماء فرحٌ بخاطئ تائب أكثر من تسعة وتسعين صالحين لا يحتاجون إلى التوبة”.
ولكن، أهذا بالفعل ما ترغب الأمثال أن تقوله لنا؟ لم يتكلّم المسيح عن خطيئة الخروف أو عن جشع النقود؛ فالخروف لا يشعر بالذنب والنقود لا تتوب. أكثر من ذلك، الراعي يفقد الخروف؛ والمرأة تفقد نقودها. ولكن الله لا يفقدنا بل يتفقّدنا. فالمثلَين الأوّلَيّن ليسا عن التوبة والمغفرة. بل عن العدّ: لاحظ الراعي خروفًا مفقودًا من أصل مئة، ولاحظت المرأة فلسًا مفقودًا من أصل عشرة.
بحثوا، وجدوا، فرحوا، فاحتفلوا. وبعدها نصل إلى المثل الثالث. فتبدأ قصّة الابن الضّال: “كان لرجلٍ ابنان…” إذا ركزنا على الابن الضال، سنفهم البداية بشكلٍ خاطئ. كلّ يهوديّ مثقّف في الكتاب المقدّس يعلم أنّه في حال وجود ابنان، الله يرجّح كفّة الابن الأصغر: هابيل على قايين، اسحق على اسماعيل، يعقوب على عيسو، افرايم على منسى.
ولا تسير الأمور في المثل كما نظنّ. لا يمكننا أن نعتبر الأمر مماثل مع الابن الأصغر هنا، الّذي “بذّر كل ما أخذه من أموال أبيه على حياة الفسق”. وبعد ذلك إذا تأمّلنا في دهشة الأبّ وترحيبه بعودة ابنه الأصغر إلى المنزل، سنفهم بشكلٍ خاطئ الهدف من المثل مرةً أُخرى. ابتهج الأبّ ببساطة لمجرّد عودة ابنه: ابتهج وأقام وليمة، اذا توقّفنا هنا، فهذا يعني أنّنا فشلنا في العدّ. فالابن الأكبر ذكّر أباه عندما سمع صوت الموسيقى والرقص بأنّه كان يملك الوقت ليقيم احتفالاً ووليمة، ولكنّه لم يفكر بأبنه الأكبر أبدًا. هو لديه ابنان، ولكنّه لم يدخل في مسألة العدّ. مَثَلنا هذا هو أقلّ عن المغفرة وأكثر عن العدّ، والتأكّد من أنّ الجميع موجود ومعدود.
خلاصة المثل إذن هي أن تكون نظرتنا للآخرين مثل نظرة الله لنا. الله يغفر لنا دائمًا أبدًا، لكن علينا أن نتحلى بنظرته تجاه الآخرين.
ولكي نتمكن من أن نجعل نظرة الله لنا، يطلب منا يسوع أن نصلّي من أجل الذين أساؤوا إلينا: الصلاة من أجلهم تعني أن نأخذ نظرة الله الخاصة بنا، طالبين من الله أن يمكّننا من رؤية من أساء إلينا لا كخصم يجب إقصاؤه، بل كأخ يجب أن نحبه. إن الصلاة من أجل الذين أساءوا إلينا تعني أن نحاول تغيير المنظور، أن نرى الآخر بعين الله.
وهكذا يختتم يسوع ذلك المقطع من الموعظة على الجبل في إنجيل متى: ”فَكُونُوا أَنْتُمْ إِذًا كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ كَامِلٌ“. ينتهي المقطع الموازي في إنجيل لوقا بشكل مختلف قليلاً: ”كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم“. بمعنى: كمال الله يكمن في رحمته.
عندما نمارس الرحمة، فهي اللحظة التي نشبه فيها أبانا السماوي بأعظم صورة: لأنه من بين كل أشكال المحبة، فإن المغفرة هي أعظمها، لأننا ما دمنا نحب من أحسن إلينا فقد تكون محبة مشروطة، شكلاً من أشكال التبادل، بينما عندما نغفر، تكون محبتنا مجانية حقاً: لقد تلقينا الشر، وفي المقابل نرد أفكار الرحمة والرحمة.
المسامحة تعني الاعتراف بأننا جميعًا أبناء الله المحبوبين، وأن بذور الشر التي نبتت في الآخرين في أفعال آذتنا، هي في الواقع موجودة فينا أيضًا: في كل واحد منا بذور الشر والأفعال السيئة التي تجعل الآخرين يتألمون، ربما بحسن نية.
وكما أن الله ينظر إلينا دائمًا بمحبة ورحمة، هكذا يجب أن نصبح قادرين على النظر إلى أنفسنا وإلى الآخرين نظرة رحمة.
ومثلما أن غفران الله يساعدنا على أن نغفر لأنفسنا، هكذا معرفة أن الله يغفر دائمًا لجميع أبنائه وهو دائمًا صالح وسخي مع الجميع، يجب أن يولد فينا نفس الرغبة في أن نكون رحماء مثل أبينا في السماء (مع الأخذ في الاعتبار دائمًا، وأكرر مرة أخرى، أن الغفران والمصالحة هما طريقان مختلفان، حتى وإن كانا في ظروف معينة قد يجتمعان معًا).
فوائد الغفران
أعتقد أن كل واحد منا قد صادف في وقت أو آخر صعوبة أو عدم القدرة على الغفران. نسأل أنفسنا كيف نغفر لشخص تسبب في أذى كبير لنا؟ نقول كثير: “لن أغفر له أبدًا؟”
نتكلم عن المغفرة اليوم لأننا نعلم جيدًا إن الذين لا يستطيعون الغفران يعيشون حياة سيئة. الغفران صعب، لكن عدم الغفران يجعلنا نشعر بسوء أكثر.
لكن لماذا من الصعب أن نغفر؟
عندما نتعرض لأذى، خاصة من شخص قريب، ينشأ في داخلنا غضب شديد، يمكن أن نعبّر عنه تجاه ذلك الشخص بالكلام والصراخ، وأحيانًا نتمكن من التصالح مع الموقف واستعادة صفاء العلاقة. وفي أحيان أخرى، ومهما حاولنا جاهدين لا نتمكن من تنقية الأجواء مهما حاولنا.
من الغضب إلى الاستياء
الغضب عاطفة غريزية وشديدة الانفعال، وهو بمثابة نداء منبه لنا يعلن على أن هناك شيء خاطئ، رد فعل عاطفي سلبي في داخلنا، هو يشبه إلى حد ما الألم الذي هو استجابة الجهاز العصبي الذي ينبهنا إلى وجود خطأ ما.
إذا لم يتم حله، فإن الغضب لن يتبخر في الهواء، أو بالأحرى ستتلاشى حدته بعد فترة، فقط لأن المشاعر القوية قصيرة الأجل أيضًا؛ ولكن إذا لم يتم حله، يمكن أن يتحول الغضب إلى شيء أقل حدة، ولكنه أعمق وأعمق جذورًا: الاستياء والبغض.
يمكننا تعريف الاستياء أو البغض على أنه غضب أقل حدة وأعمق وأطول أمدًا يظهر فينا عندما تبقى الأمور دون حل. بينما يدفعنا الغضب إلى رد فعل شديد يحاول حل المشكلة (سواء نجح أم لا فهذا أمر آخر)، فإن الاستياء غالبًا ما يصبح مثل نهر تحت الأرض يستمر في التدفق دون أن يمنحنا السلام: كل من اختبر الاستياء يعرف جيدًا أنه ليس شعورًا لطيفًا على الإطلاق، إنه كجرح مفتوح دائمًا.
حتى الاستياء يمكن أن يفقد حدته، لأن نظامنا العاطفي يميل دائمًا إلى إيجاد توازن ويضع آليات تحد من معاناتنا، ربما عن طريق إزالة ذكرى ذلك الشيء الذي آلمنا كثيرًا؛ ولكن كل ما علينا فعله هو رؤية ذلك الشخص مرة أخرى، أو معايشة موقف مشابه، أو حتى مجرد رؤية شيء يذكرنا بما مررنا به، وسيعود ذلك الضيق حيًا ومؤلمًا فينا.
الفوائد العلاجية للمغفرة
الغفران هو ذلك البلسم المهدئ والشفاء الذي يجلب معه العديد من الفوائد:
- إنه يجعلنا نتقدم خطوة إلى الأمام، ويجعلنا نترك ما حدث خلفنا
- ينعش جروحنا العاطفية، ويحررنا من القلق والاكتئاب والتوتر المستمر الناجم عن الاستياء والامتعاض;
- من خلال تخفيف التوتر، يريحنا الغفران، ويجعلنا نشعر بالراحة النفسية والعاطفية والجسدية والنفسية
- تبديد غيوم الاستياء المظلمة، عندما نكون قادرين على المسامحة نصبح أكثر انفتاحًا على الحياة والتعاطف مع الآخرين، وحتى على خدمتهم.
باختصار: المسامحة هدية نقدمها للشخص الآخر ولأنفسنا أيضًا!
إيه، أنت تجعل الأمر سهلاً!
أعلم، وأعتقد أن أحد أسباب عدم سهولة الأمر هو أن لدينا الكثير من الشكوك التي تمنعنا من البدء في طريق المسامحة، على سبيل المثال:
- لا أستطيع أن أنسى;
- أفضل أن أتالم على أن أوجه المشكلة؟
- يمكنني أيضًا أن أسامح، لكنني لا أشعر برغبة في المصالحة مع ذلك الشخص!
- إذا سامحت أظهرت أنني ضعيف.
- لا أستطيع أن أسامح: هذه القيم مهمة جدًا بالنسبة لي.
من الضروري أن نفهم ما ليس بالغفران، وأن نستبعد الأفكار الخاطئة عن الغفران: هذا وحده يكفي أحيانًا للتحرر من هذه الأفكار والنظر في إمكانية الغفران.
- الغفران ليس نسيانًا
المسامحة والنسيان شيئان مختلفان تمامًا. فالغفران عمل قلبي، أما النسيان فهو مستحيل: كيف يمكن للمرء أن ينسى خطأ جسيمًا ارتكبه شخص ما في حقه؟ سيكون الأمر أشبه بالتظاهر بأنه بعد جرح خطير لا يبقى أي أثر يذكرنا به. لا يمكننا أن نقول لأنفسنا: من اليوم فصاعدًا لا يجب أن تتذكروا الشر الذي حدث لكم!
سيكون من الجميل أن نستيقظ في الصباح وكأن شيئًا لم يحدث، وأحيانًا تؤلمنا الذكرى كثيرًا لدرجة أننا نذهب إلى حد إزالة ما حدث من تفكيرنا الواعي. ولكن الإزالة لا تعني المحو؛ بل تعني فقط أننا أزلنا الغبار تحت السجادة، وفي يوم من الأيام سنزيح السجادة وسيظل الغبار موجودًا.
2. المسامحة لا تعني المعاناة دون رد فعل
إن أول واجب علينا تجاه أنفسنا هو أن ندافع عن أنفسنا: إذا هددنا شخص ما بسلاح، فمن الصواب أن نحاول نزع سلاحه، وكذلك إذا كان يهدد شخصًا آخر أو أحد أفراد عائلتنا. ويسيء البعض فهم كلام السيد المسيح الذي قال أن ندير الخد الآخر: إن كانت المسامحة تعني أن أعرض نفسي للشر مرة أخرى، فلا، آسف، ولكنني لا أشعر برغبة في المسامحة!
أعتقد أن هذه الفكرة مشروعة تمامًا: فالذين يستمرون في المعاناة دون رد فعل. هناك رد فعل ضروري لكي يشعر الإنسان بتغريغ للإساءة ومشاعر البغض التي تراكمت لديه.
3. المسامحة لا تعني التصالح مع من آذانا والعودة إلى عيش تلك العلاقة وكأن شيئًا لم يكن
إذا كان التصالح يعني أن نعرّض أنفسنا لخطر التعرض للأذى مرة أخرى، فمن حقنا ألا نجازف بذلك؛ وأحيانًا يكون من حقنا المقدس أن نتجنب بعض المواقف وبعض العلاقات بكل الوسائل لتجنب التعرض للأذى مرة أخرى.
4. المسامحة لا تفترض الاعتذار ولا حضور الشخص الآخر
لا تتطلب المسامحة أن يعترف الشخص الذي آذانا بأنه فعل ذلك وأن يكون مستعدًا للتغيير: إنها شيء حميم وشخصي، وهي نابعة من اختيار القلب ولا تتطلب مشاركة أو حضور الآخر، الذي قد لا يكون له مصلحة في تلقي مسامحتنا، ولا في إظهار أي توبة أو إبداء أي اعتذار.
لهذا السبب يمكننا أيضًا أن نغفر لأولئك الذين لم يعودوا حاضرين في حياتنا، أولئك الذين أبعدناهم عنا تمامًا، وحتى أولئك الذين توفوا.
في بعض الأحيان قد يحتاج المرء أحيانًا إلى تفسيرات من الآخر، لكن الشخص الذي يغفر يمكنه أن يفعل ذلك حتى دون أن يكون مهتمًا بفهم كل شيء: كل ما يحتاجه المرء هو أن يكون مهتمًا بالمسامحة.
5. الغفران لا يعني التخلي عن العدالة، حتى العدالة القانونية
هناك أناس قادرون على الصفح حتى عن الجرائم الخطيرة، لكنهم لا يتمنون أن يُطلق سراح الشخص. لنأخذ حالة متطرفة: مسامحة قاتل أحد أفراد العائلة لا تعني أن نعتقد أنه لا يجب أن يقضي عقوبته ويدفع ثمن أخطائه.
6. المسامحة ليست تنازلًا عن قيم المرء ولا فعل ضعف
إذا سامحتُ شخصًا خان قيمة مهمة، مثل الثقة أو الأخوة أو الإخلاص، فهذا لا يعني أنني لم أعد أؤمن بالقيم التي تجاهلها. فالذي يسامح لا يتنكر لقيمه الخاصة، بل يدمج في مسيرته الداخلية قيمًا أخرى عميقة للإنسانية، والتي لا تتعارض مع القيم الأخرى.
بعض الناس لا يفكرون بالمسامحة لأنهم يظنون أن المسامحة تعني الظهور بمظهر الضعيف: في طريقنا لاكتشاف المسامحة سنفهم كيف أنها ليست فعل ضعف على الإطلاق، بل على العكس فهي تفترض رحلة عميقة وقوة داخلية كبيرة.
7. المسامحة ليست إظهارًا للتفوق على الآخرين
أحيانًا يقول الناس: “أنا أسامحه لأنني أريد أن أكون أفضل منه”، لكن طالما أننا نفكر بمنطق التفوق والدونية فنحن لا نزال داخل قفص الأنا: إن سامحنا لكي نظهر أننا متفوقون فإننا لا نزال بعيدين عن المغفرة الحقيقية.
كما أن المسامحة ليست مسامحة لإنكار الضرر الذي حدث باسم هذا التفوق المفترض: إنكار الواقع أو تجاهله هو هزيمة للذات وعدم احترام للذات.
سوف نفهم كيف أن الغفران ليس شيئًا آخر غير التفوق، بل على العكس: الغفران هو أن نتمكّن بطريقة ما من الاتحاد مع الآخر في جسد واحد وهو جسد المسيح السري.
8. الغفران ليس وسيلة للتكفير عن الذنب
قد يفهمها البعض بهذه الطريقة: بما أنني أنا أيضًا قد أخطأت، أريد أن أغفر لكي أغفر بدوري، كما توحي الصلاة الربانية أيضًا بطريقة ما: ”اغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمذنبين إلينا“.
قد تعطينا مثل هذه الرؤية دافعًا إضافيًا للمغفرة، لكنني أعتقد أنها مرحلة وسيطة في عملية الغفران، وهي شيء أعمق ومرتبطة بمفهوم الإنسان ذاته، إنها فعل إنساني أسمى.
9. الغفران لا يمكن أن يكون واجبًا دينيًا فقط
لا تكفي بعض المواقف القلبية التي تتحقق بوعي وحرية كاملين، ولا يكفي أن نخدع أنفسنا بأننا قادرون على الغفران لأنه حق لنا، أو لأن الله طلب منا ذلك.
بالطبع، الله يطلب منا، لأنه يريدنا أن نحصل على الحياة، ونحن نملكها بوفرة! إن ثقتنا بالإنجيل وإيماننا بأنه الطريق الصحيح، يمكن أن يكون عاملاً مساعدًا على الانطلاق في طريق الغفران، ولكننا نحتاج بعد ذلك أن نفهم ما هو السبب العميق الذي جعل يسوع يضعه من بين الطرق الروحية التي يجب أن نسلكها لنصل إلى ملء كياننا البشري.
10. القدرة على الغفران ليست شيئًا فطريًا
يقول البعض: ”أنا لست قادرًا على أن أغفر، فهذا ليس جزءًا من شخصيتي“. لكن المحبة، مثلها مثل المسامحة، ليست كامتلاك عينين زرقاوين أو حذاء بمقاس محدد: مثل كل جانب من جوانب شخصية المرء، قد تكون أسهل بالنسبة للبعض، وأصعب بالنسبة للبعض الآخر، بسبب المزاج أو التطور الشخصي.
الغفران، مثل الحب، هو شيء يمكننا أن نقرر أن نبدأ في الاندماج في مسار حياتنا، بصعوبة: الأمر متروك لنا أن نسلك هذا المسار أو أن نقرر البقاء حيث نحن.
وهنا نأتي إلى سمة مهمة جدًا للمغفرة:
الغفران ليس فعلًا، بل عملية طويلة وشاقة.
لذلك من غير المنطقي أن نسأل شخصًا مجروحًا حديثًا إن كان قادرًا على مسامحة الشخص الذي آذاه، لأن المغفرة طريق طويل، فهي ثمرة الإرادة، ولكن لكي تصل إلى النضج تحتاج المغفرة إلى وقت، معالجة بطيئة قد تستغرق شهورًا أو حتى سنوات.
تنطوي عملية المغفرة على أربع خطوات على الأقل، وكلها مهمة. لكنها أيضًا عملية مستمرة لأنه في كل مرة تظهر صعوبة وفرصة للمسامحة مرة أخرى، سيحتاج هذا الموقف إلى التجديد: سيكون من المهم المرور بمراحل المغفرة الأربعة مرة أخرى، ربما بطريقة أكثر مرونة، ولكن دائمًا ما تكون عميقة ومتغيرة
خطوات الغفران
إن المغفرة ليست خطوة، وليست مجرد نتيجة قرار، بل هي رحلة ومسيرة طويلة وعميقة: إعطاء النفس كل الوقت اللازم لخوض عملية المغفرة بكاملها أمر أساسي، بحيث لا تكون شيئًا سطحيًا، بل مغفرة كاملة.
إن الإيمان المسيحي يطلب منا بشكل مكثف أن نغفر، لكن هذا لا ينبغي أن يدفعنا إلى تجاوز المراحل المختلفة للوصول إلى المغفرة الحقيقية.
ولكي أتحدث إليكم عن عملية الغفران سأستخدم كنموذج مراحل الغفران الأربعة التي حددها روبرت إنرايت.
هناك فرضية أخيرة: لكي نكون قادرين على الغفران، من الضروري أن نقبل أن الأمور لا تنجح أحيانًا، وأنه حتى لو حاولنا جهدنا، هناك شيء خارج عن قدرتنا: حريتنا وحرية الآخر، التي تبقى لغزًا غامضًا أحيانًا.
أولا: مرحلة الوعي
الخطوة الأولى هي أن نتواصل مع تجاربنا ومشاعرنا الخاصة، وخاصة الألم والغضب. علينا أن ندرك انزعاجنا، وأن ندرك الإساءة التي تلقيناها والمعاناة التي ترتبت عليها: لا يمكن للمرء أن يصل إلى الغفران بالتظاهر بأن شيئًا لم يحدث أو بالتقليل من ألمه. في هذه المرحلة قد نجد أننا لم نواجه مشاعر الغضب والمعاناة بشكل كامل، لأنها مشاعر تخيفنا، وأحيانًا نفضل عدم النظر في أعيننا.
من الضروري أن نفهم بوضوح: ما حدث؛ من تسبب في ذلك؛ لمن وقع الضرر: لنا وربما لأشخاص آخرين؛ العواقب في حياتنا وحياة الآخرين المعنيين.
هذا هو وقت الألم، وهي خطوة أولى ضرورية: ما لم ندركه تمامًا، ونتقبله بالكامل، لا يمكننا حتى أن نتجاوزه، لأنه قد يعاود الظهور في الغد، فيحبط الخطوات اللاحقة.
ثانيًا: مرحلة اتخاذ القرار
تبدأ أي رحلة بقرار الرحيل. ولكي ننطلق، من المهم أن نكون واضحين بشأن ماهية المسامحة وما ليس كذلك، وهذا ما عرضناه سابقًا في المفاهيم العشرة الخاطئة حول المسامحة.
مثل أي قرار، يجب أن يكون قرار المغفرة أيضًا خيارًا حرًا: لا شيء ولا أحد يستطيع أن يجبرنا على هذا الخيار، لا الذات ولا الآخرين ولا القيم الأخلاقية والدينية الخاصة بنا؛ قد يتم تشجيعنا على ذلك، ولكن في النهاية يجب أن يكون القرار قرارنا: حر، حميمي، شخصي.
إن من جُرِحَ يقرر أن يسير في طريق الغفران لأنه يدرك أن عدم المسامحة لم تنفعه. أي أنه يدرك أنه فقط من خلال السير نحو الغفران سيتمكن من استعادة الصفاء الذي لا يستطيع الغضب والاستياء أن يمنحه إياه.
ثالثًا: مرحلة التفهم والرحمة
لقد وصلنا أخيرًا إلى ذروة عملية الغفران. إن عملية الغفران لها في مركزها كلمة أساسية: الفهم، والفهم يحتاج إلى وقت، الكثير من الوقت.
لكن الفهم بأي معنى؟ بمعنى التبرير؟ كلا، ليس كذلك، بل هو شيء أكثر من ذلك، يتطلب تطورًا شخصيًا عميقًا، وهو ما لا يستطيع الجميع القيام به أو يشعرون بالقدرة على القيام به.
التفهم يعني أن نفهم أن الشخص الذي آذانا تصرف بتلك الطريقة لأنه مختلف عني (وهذا بالفعل صعب الفهم) وأنه إذا كان قد تصرف بتلك الطريقة، فإنه في تلك اللحظة فعل ما هو قادر على فعله، لأن كل واحد منا قادر على إعطاء الحب اعتماداً على مقدار الحب الذي تلقاه وما هو الحب الذي تلقاه.
أعلم: أنت تحارب شرًا فظيعًا جدًا وقد يكون من الصعب سماع هذه الكلمات، لكن حاول مرة أخرى أن تتبع هذا الطريق. خلال هذه المرحلة تتعلم أن ترى المخطئ من منظور جديد، كإنسان فقط وليس كإنسان شرير. في البداية سيكون الفهم على المستوى العقلاني، ولن يكون هناك مشاعر إيجابية تجاه الجاني؛ وفي وقت لاحق قد يكون هناك تغيير على المستوى العاطفي.
من أجل أن نفهم، يمكننا أن نسأل أنفسنا: لماذا تصرف كما فعل؟ لأننا نعلم أن وراء كل سلوك هناك دائمًا سببًا! قد يأخذنا هذا السؤال بعيداً جداً.
كل واحد منا كان له أبوان وطفولة وتجارب وصعوبات وحياة مختلفة عن حياتنا: لا يمكننا أن نعرف كل شيء عن حياته، لكننا نعرف أنها مختلفة عن حياتنا. لقد قادته حياته إلى تلك القيم التي تختلف عن حياتي؛ لقد قادته حياته إلى القيام بتلك الأشياء التي ربما لم أكن لأفعلها. فمن لم يتلقَّ عناقًا قط، لا يكون قادرًا على الحب. وهكذا نفهم أن جذور الشر غالبًا ما تكون عميقة جدًا، فهي تعود إلى آبائنا، الذين بدورهم قد يكونون بدورهم قد تلقوا شيئًا آخر من آبائهم أو لم يتلقوه، ومن يدري إلى أي مدى يعودون إلى الوراء.
يأتي الغفران من هذا: فهم أن الآخر لم يكن بإمكانه أن يتصرف بشكل مختلف. أو ربما كان بإمكانه لو كانت له حياة مختلفة. يمكننا أن نقول: لكنني كنت سأتصرف بشكل مختلف لو كنت مكانه: بالطبع كنا سنتصرف بشكل مختلف. لكن النقطة المهمة هي: لو كنت مكانه، هل كانت ستتاح لي الفرصة للتصرف بشكل مختلف؟
التحول في التركيز على ذاتي إلى التركيز على الآخر
من الأصعب أن تراودنا هذه الأفكار تجاه أولئك الذين آذونا، الذين لا تزال كلماتهم وأفعالهم تحرق جلدنا، والذين لا تزال ذكراهم تكفينا لنشعر بذلك الألم العميق: لأننا في هذه الحالة نحن الذين تم لمسنا، وبالتالي من الصعب للغاية تحويل التركيز من ذواتنا إلى الآخر. خاصة إلى تكررت الإساءة فيكون السؤال: “لكن لماذا أراد أن يفعل هذا الشر بي”؟
ولكي نفهم، علينا أن نحول انتباهنا بعيدًا عنا ونوجهه إلى الشخص الآخر، إلى قصته، إلى ماضيه، ونفكر في أنني لو كنت مكانه، ربما كنت سأتصرف بنفس الطريقة.
هذا ما كان يسوع قادرًا على فعله على الصليب: “يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون”. إنهم لا يعلمون: لو كانوا يعلمون حقًا، ليس على المستوى الفكري، بل على المستوى العميق، لو كانوا يعلمون حقًا الشر الذي كانوا يسببونه، ربما ما كانوا ليفعلوا ذلك.
يمكننا أن نفهم أيضًا شيئًا آخر مهمًا للغاية: ليس بالضرورة أنه فعل ذلك ليؤذيني. ليس من المؤكد أن ذلك كان غرضه، فربما كان غرضه غرضًا آخر، ولتحقيقه تجاوزني. لا يعني ذلك أن ذلك يؤلمنا بشكل أقل، لكن هذه الفكرة يمكن أن تخرجنا من هاجس أنه ضُرب بقصد محدد لإيذائنا.
فعل إنساني سامٍ
إن المسامحة هي فعل إنساني سامٍ، لأنها تجعلنا ندرك أننا جميعًا هشّون، جميعنا متسولون للحب والخير والأمان، وفي تسولنا هذا نؤذي بعضنا البعض أحيانًا، لأنه في تلك اللحظة يبدو لنا أنه السبيل الوحيد للحصول على ما نحتاج إليه.
ولكي نفعل هذا، يجب أن نكون قادرين، إن لم يكن أن نفهم، فعلى الأقل أن نتخيل ما قد يكون قد اختبره، أنه على الرغم من اختلافه عني، إلا أنه في الواقع إنسان مثلي، إنه ضعيف ومتسول مثلي.
ملاحظة أخيرة: قد يبدو التعليل وراء هذه المرحلة الثالثة وكأنه تبرير للشر، وكأنه يقول: “إذا كان المؤذي قد تصرف بهذه الطريقة، فذلك لأنه لم يكن لديه خيار آخر”. في بعض الحالات، أعتقد حقًا أنه في بعض الحالات، يمكن أن يكون الشخص مسجونًا بماضيه وخبراته، بحيث لا يكون لديه أي خيار تقريبًا. وفي حالات أخرى، قد يكون كل واحد منا مشروطًا بأشياء كثيرة، لكنه يبقى حرًا في الاختيار في هذا الاتجاه أو ذاك، في اختيار الخير أو الشر.
لكن في هذه المرحلة الثالثة، نختبر التفهم والتعاطف: نحاول أن نفهم كيف أن الشخص، حتى وإن أخطأ، قد يكون قد قادته إلى هذه النقطة بعض اختياراته الخاطئة، مع إعطاء وزن لماضيه الذي ربما يكون قد كيّفه. عندئذ يصبح فهم إنسانية الآخر مصدرًا للشعور بالأخوة، لأننا جميعًا نشعر بأننا جميعًا خطاة، ونشعر جميعًا بأننا جميعًا أخطأنا وجميعنا بحاجة إلى الغفران.
4. مرحلة التعمق
يدرك أولئك الذين نجحوا في المسامحة في هذه المرحلة الأخيرة أن المشاعر غير السارة التي شعروا بها حتى تلك اللحظة قد تضاءلت، ويشعرون أنهم بدأوا يشعرون بمشاعر إيجابية من التفهم والتعاطف تجاه من آذوهم.
أولئك الذين تعرضوا للأذى يتأملون في العواقب المفيدة للتسامح، وقد يصلون إلى إيجاد معنى للمعاناة التي مروا بها: فمن خلالها، تعلموا أن يشعروا بمزيد من الاتحاد مع الآخرين، وطوروا إحساسًا أعمق بالإنسانية والرحمة.
كما أنه يأتي أيضًا ليسأل نفسه أسئلة عميقة عن نفسه: فهو يدرك أنه هو أيضًا قد ارتكب أخطاءً بجعله شخصًا ما يعاني، وأنه بحاجة إلى أن يغفر له شخص آخر. عند هذه النقطة، يشعر الشخص الذي تمكّن من المسامحة أخيرًا بالتحرر من السجن العاطفي الذي كان محبوسًا فيه ويكتشف أنه قد نما من خلال تجربته.
تقييم رحلة الغفران الطويلة
لقد انتهينا من رحلة الغفران هذه، التي وجدتها شخصيًّا رائعة؛ لا أعرف إن كنتم أنتم أيضًا قد اقتنعتم بجمال الغفران. لقد أخبرتكم منذ البداية أن المغفرة ليست فعلًا بل عملية تستغرق وقتًا: ستكتشفون جمال وعمق هذه الرحلة عندما تقبلون بحرية الانطلاق في هذا الطريق.
أولئك الذين يقررون الانطلاق سيخرجون متحولين بشكل عميق من خلال آثار المغفرة التي سيتمكنون من منحها لأنفسهم حتى قبل أن يمنحوها للآخرين، لأن المغفرة هي تحول داخلي؛ إنها خيار يغير حياتنا وطريقة إدراكنا للعالم والعلاقات من حولنا بشكل عميق.
إنها عملية عميقة من التفهم والتعاطف مع إنسانية الآخرين. إنها هدية نقدمها أيضًا لأولئك الذين آذونا، إذا ما رغبوا في ذلك وقبلوه. وقبل ذلك تحررنا من الاستياء، وتجعلنا نتطور وننمو في إنسانيتنا.
المغفرة لأنفسنا
يبدو الأمر وكأنه مفارقة: أحيانًا يكون من الأسهل أن نسامح الآخرين من أن نسامح أنفسنا. لقد ارتكبنا هذا الخطأ ولا يمكننا التخلص منه والمضي قدمًا. نود أن نغفر لأنفسنا، لكننا لا نستطيع.
إذا لم نغفر للآخرين فإننا نحكم على أنفسنا بالتعاسة، والأكثر من ذلك إذا فشلنا في مسامحة أنفسنا: سيستمر الخطأ الذي ارتكبناه في التأثير على حياتنا، سيظل عالقًا بنا مثل ضوضاء في الخلفية، صدى لا ينتهي يسلب الصفاء من حياتنا.
لماذا يصعب علينا مسامحة أنفسنا؟
- يمكن أن يصبح الخطأ الذي ارتكبناه قناعة عن أنفسنا
“لم أستطع كتمان هذا السر”، يمكن أن تصبح: ”أنا غير قادر على كتمان الأسرار”.
“لقد أخطأت”، قد تصبح : “أنا مخطئ”.
كما أننا نجد نفس الديناميكية في علاقتنا مع الآخرين، فبدلاً من أن نقول ”إنهم مخطئون“، نفكر في ”إنهم مخطئون“. ولكن فيما يتعلق بأنفسنا، فإن هذه الآلية لها تأثير أكبر. الشعور بالذنب، يتعلق بما فعلناه، والمشكلة هي عندما يتحول الشعور بالذنب إلى خزي، وهو ذلك الشعور بالنقص تجاه أنفسنا: أنا أخجل من نفسي. عندما نرتكب خطأ ما، يمكن أن يصبح هذا الخطأ هو ما يحددنا، وعندما نكون مقتنعين بشيء ما، فمن الصعب أن نغير رأينا.
2. مسامحة أنفسنا تعني التخلي عن جزء من ذواتنا، وهذا ليس سهلاً
يمكن أن يكون مسامحة الآخر أسهل، لأن الآخر منفصل عني، هو شيء مختلف عني. أما أنا، من ناحية أخرى، فأتماهى مع نفسي، لذا فإن مسامحة الذات تصبح صعبة لأنها تعني التخلي عن جزء من ذاتي، إنها تشبه إلى حد ما انفصال المرء عن هويته.
3 – مسامحة النفس تعني التصالح مع الذات
كما رأينا سابقًا، المسامحة والمصالحة هما مساران مختلفان: المسامحة هي عملية داخل أنفسنا، بينما المصالحة تعني القدرة على إعادة بناء العلاقة مع الآخر؛ لكن أحيانًا لا تكون المصالحة ممكنة:
- لأن الآخر قد لا تكون لديه الإرادة للتصالح معنا;
- لأننا نملك الحق في الدفاع عن أنفسنا ضد الأذى، وإذا لم يكن هناك ضمان كافٍ بأننا لن نتعرض للأذى مرة أخرى، فلا يجب أن نضع أنفسنا في مواقف قد تشكل خطرًا على صحتنا الجسدية أو العقلية;
- في حالات أخرى يكون الشخص الآخر قد رحل منذ فترة طويلة أو قد مات، لذا فإن الأمر ”فقط“ يتعلق بالعمل على النفس لتحقيق مسامحة الشخص الآخر
من ناحية أخرى، لا يمكن أن ننفصل ونبتعد عن أنفسنا: إذا أردنا أن نغفر لأنفسنا، فعلينا أيضًا أن نتصالح مع أنفسنا، وقد لا يكون هذا سهلًا، لأن الأذى الذي قمنا به ربما قلل من تقديرنا لذاتنا وبالتالي قدرتنا على حب أنفسنا.