إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

Cast Away

572

في أحد أروع المشاهد السينمائية التي رأيتها وحَفَرت تجويفًا غائرًا في ذاكرتي مشهد محاولات توم هانكس في أن يُشعل النار في وحدته على الجزيرة الغير مأهولة من البشر والحيوانات أيضًا. أيقنَ إنه لن يعيش طويلاً دون نارٍ يستدفئ بها ويطهو بها السمك القليل الذي يصطاده من الماء. حاول ولمراتٍ كثيرة أن يُشعل النار بواسطة عودين من الحطب وبعض الأعشاب الجافة. فشلت محاولاته الأولى، إلا إنه نجح في النهاية.

في أحد البرامج التلفزيونية تم استضافة الممثل الشهير الذي كشف تفاصيل المشهد الصعب. لقد أَصرَ على أشعال النار بطريقة بدائية وصادقة من خلال احتكاك عودي الحطب والأعشاب الجافة. راهن على قدرته مع المخرج والفنيين العاملين بالفيلم، وعندما نجح، أظهرت اللقطات، قبل المونتاج، فرحته الجنونية بانجازه، فراح يرقص حول النار ويصرخ بإنه نجح في اشعال النار واحتضن جميع أفراد طاقم المصوريين والفنيين. في ختام الحلقة كشف توم هانكس إنه أحتفظ بعودي الحطب كتذكار لمحاولته اشعال النار كالقدماء دون استخدام وسائل حديثة.

كشف يسوع لمعاصريه سببَ تجسده على الأرض قائلا: ” جِئْتُ لألقِـيَ نارًا على الأرضِ، وكم أتَمنَّى أن تكونَ اَشتَعَلَت!” (لوقا 12: 49). تجسد لأجل أن يكشفَ جوهر الله إنه المحبة الكاملة والمطلقة. فالمحبة ليست فضيلة، بل هي كيان الله وصفته الجوهرية الأساسية. ولكون الإنسان مخلوق على صورة الله ومثاله فإنه كيان قادر على الحب مثل خالقة. جاء المسيح وعلمَ الناس كيف تَشعل نار المحبة، وكم تمنى أن تكون قد أشتعلت. الكتاب المقدس ليس سوى “رواية محبة الله”، فالله موجود في جميع الديانات، فقط كشف يسوع عن جوهره: المحبة. فلو افترضنا أنه موجود ولكنه ليس محبّة، سنخافُ من وجوده أكثر ممّا سنفرحُ به، كما حدث لدى الكثير من الشعوب والحضارات. لكنّ الإيمان المسيحي يضمنُ لنا هذه الحقيقة: الله موجودٌ وهو محبّة!

مشكلة كل منّا أنه أَعطى الإمكانية في أن يُشعل نار المحبة، إلا يحتفظ بعودي الحطب في مكانٍ في بيته ولا يستخدمها. يقول يسوع في إنجيل اليوم: “فإنْ كُنتُم تُحِبّونَ الَّذينَ يُحبّونكُم، فأيٌّ أجرٍ لكم؟ أما يعمَلُ جُباةُ الضّرائِب هذا؟”. يطلب منا أن نوسع دائرة المحبة لتشمل كل إنسانٍ قريبٌ منا. ليس قريب الجسد، بل الذي يقترب مني، في عملي، في مجتمعي، في كنيستي، في الشارع، في أي مكان أتواجد فيه. هكذا وضح في مثل السامري الصالح مَن هو القريب.

لتستخدم عودي الحطب في اشعال النار، ولا تحتفظ بهما في دون استخدام، يغطيهما التراب، في نيش منزلك.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.