إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

تاريخ الحياة المكرسة (7)- الحياة التوحدية

1٬269

2. القديس أنطونيوس الكبير

المصدر الأساسي للتعرف على القديس أنطونيوس الكبير هو سيرته التي كتبها أثناسيوس الرسولي. لكن هناك بعض المصادر التاريخية الأخرى مثل ما ورد في الأبوفثجماتا باتروم لبعض رسائله، وتلك الموجهة من الأنبا سرابيون، أسقف “تمويس” إلى تلاميذ أنطونيوس لتعزيتهم بعد نياحته والتي حُفظت في البترولوجيا اليونانية (MG 65, 76-88). كذلك حُفظ النصين اليوناني واللاتيني لسيرته التي كتبها أثناسيوس عنه في المصدر ذاته (MG 26, 837-976). نمتلك بعض المخطوطات المجزأة لبعض رسائله باللغة القبطية، في حين أن النص اللاتيني للرسائل السبع، والذي ترجمه جيروم هو في MG 40, 977-100; 999- 1066. وترجع الأهمية التاريخية للرسائل أنها كُتبت قبل كتاب أثناسيوس وتعطي فكرة واضحة على شخصية أنطونيوس، وعن مدى تبجيل الرهبان والكنيسة لهذه الشخصية.

    • دعوة القديس أنطونيوس

ولد القديس الأنبا انطونيوس أبو الرهبان فى سنة 251 م فى مدينة كوما[1] من والدين مسيحيين اشتهرا بالغنى والمال والفضيلة، فربياه تربية مسيحية على فعل البر والتقوى. تبدأ حياة أنطونيوس الكبير، بسماعه لإنجيل الشاب الغني: “إذا شئتَ أن تكون كاملاً، فاذهب وبعْ ما تملكه وأعطِه للمساكين، فيكون لك كنزٌ في السَّماء وتعال اتبعني… ومَن ترك من أجل اسمي بيتـًا أو أخوة أو أخوات أو أبًا أو أُمًّا أو بنين أو حقولاً ينال عوَض الواحد مئة ويرث الحياة الأبديَّة”. ( متى 19: 21 و29). أثـَّر هذا الكلام في أنطونيوس، فأخذ يتأمَّله مليًّا وكأنـَّه موجَّه إليه خصوصًا. فعزم على ترك العالم واتباع المسيح، على غرار بمَن سبقوه إلى البرِّيَّة. في هذه الفترة القلقة والمصيريَّة من حياته، توفـّي والداه. فأضنى قلبه هذا الفراق المؤلم والحدث المفجع، فازداد كرهًا واحتقارًا للعالم وأباطيله. فعزم نهائيًّا على ترك العالم الزَّائل وله من العمر ثماني عشرة سنة، مخلـِّفـًا وراءه أختـًا وحيدة وثروة طائلة. فأعطى أُخته حصَّتها من الميراث الوالديّ، ووزَّع كلَّ ما تبقـَّى له على المساكين وعلى بيوت الإحسان، كما قال السَّيِّد المسيح في الإنجيل، وذهب إلى البَرية القفر لا يملك شيئًا من حطام الدُّنيا، متـَّكلاً على العناية الإلهيَّة وحدها.

سكن الشاب أنطونيوس في بادئ الأمر خارج قريته ولكن بالقرب منها، ثم لاذ بمقبرة مثلما اعتاد المصريون عند رغبتهم في الاختلاء للصلاة والعبادة، كما أشرنا سابقًا، ثم توغل في عمق البرية، الموضع الأنسب للقاء الله ومقاومة الَشِّرِّير، حيث ينصب اهتمام الإنسان على التعبد ومقاومة الرذائل الشخصية. ثم ارتحل إلى الجبال العالية في مرحلة متقدمة من حياته. غير أنـه جدير بالذكر أن أنطونيوس بالرغم من تنسكه واعتزاله الشر، عاد مرتين إلى المدينة، ولكن بسبب حدثين كنسيين، الأول وهو اشتداد الاضطهادات عن يد الإمبراطور مكسيمانس (250- 310)، ليساعد المسيحيين آنذاك؛ والـثاني وهو احتداد هرطقة آريوس (256- 336) ليقاومها بحضوره وسط المؤمنين.

    • هل كان أنطونيوس أُمِيّا؟

يُصور أنطونيوس في سيرته على أنه “أُمِّيّ”، لا يعرف القراءة والكتابة، مما يضفى على شخصيته نوعًا من الأسطورية والغموض، إلا أن هذا الطرح يقضي بعدم معقولية نسبة الرسائل المعنونة باسمه إليه.

ولكن كلمة “أُمِّي” كانت تُفهم في زمانه ليس بكون الإنسان “جاهلاً” لقواعد القراءة والكتابة، بل كانت تعنى فقط كونه لا يعرف “اللغة اليونانية”، لغة الثقافة والحكمة في العالم الروماني القديم، لكنه بلا شك كان يعرف اللغة القبطية وهي اللغة القومية قراءة وكتابة.

ونعرف من التاريخ أن الكنيسة القبطية نشرت المدارس والمعرفة إلى غالبية السكان المصريين في ربوع البلاد. وفي المدارس القبطية كان يُدرس بجانب العلوم العادية واللغة القبطية، العلوم العامة والفلسفة واللغة اليونانية، بالإضافة إلى الأسفار المقدسة. وقد وُجدت مخطوطات مدرسية باللغة القبطية، تحتوى على وجه الورقة نصوص سفر المزامير، وعلى الوجه الأخر كتابات سقراط الفيلسوف اليوناني، أو هوميوس وغيرهم من الفلاسفة.

ويتضح من قصة حياة القديس أنطونيوس أن الإنجيل يُقرأ بالقبطية في كنائس القرى منذ أوائل القرن الثالث. كما يقرُّ العلماء أن ليس الكتاب المقدس فقط الذي كان مترجماً إلى القبطية، بل وكثير من كتابات الآباء الأولين الذين كتبوا في القرون الثلاث الأولى، كانت في متناول قراءة الذين يُنعتون بأنهم “أُمِّيون” (أي لا يتقنون اليونانية قراءة وكتابة)، إلى الدرجة التي تَّمكن أولئك الفلاحين من الاطلاع على الثقافة والفكر بلغتهم القومية.

وما يؤكد لنا أن القديس أنطونيوس كان مطّلعًا على الفكر الآبائي السابق عليه، وعلى بعض من الفكر الفلسفي اليوناني القديم، أن رسائله السبع تحوي المبادئ اللاهوتية المتماشية إلى حد كبير مع المبادئ اللاهوتية الصحيحة السائدة في عصره الذي عج بالتعاليم المتباينة لاهوتيًا، فمن المؤكد أنه قرأ للعلامة كليمنضوس الإسكندري والعلامة أوريجانوس وغيرهما مما سبقوه.

فإذا تناولنا مفهوم المعرفة في رسائله على سبيل المثال، نكتشف صعوبة قبول الطرح القائل بأنه كان “أُمِّي” الثقافة. فيؤكد حق الإنسان في أن “يعرف” و”يفهم” ليصل إلى الحكمة الروحية، التي هي في نظره: “معرفة النفس” و”معرفة الله”. فبدون معرفة النفس التي يسميها “معرفة الجوهر العقلي” لا يمكن للإنسان أن يعرف الله، ولا يمكنه أن يعرف تدابير الله الخلاصية. بل بالمعرفة التامة للنفس، يعرف الإنسان كيف يعبد الله كما يجب، ولذلك فقد أصبح شعار رسائل القديس أنطونيوس هو “اعرف نفسك” وهو شعار فلسفي من الأساس.

على الإنسان أن يرجع إلى ما هو أصيل وأساسي فيه، إلى “بدايته الأولى”، أي يعرف نفسه بحسب خلقته الأولى. أما الشر الذي يرتكبه فهذا نتيجة الاهمال والجهل. وعلى هذا فإن طبيعة الإنسان الحقيقة لا تكمن في طبيعته الفردية الجسدية، بل فيما هو غير قابل للموت ولا للتغير، وهذا هو القسم الأساسي من النفس. وبكلمات القديس أنطونيوس: “يجب على الإنسان أن يرجع دائمًا إلى جوهره العقلي- الروحي وإلى ما هو أصيل في نفسه”. لذلك فالقديس أنطونيوس يوجه رسائله إلى “الأسماء الروحية” لمن يراسلهم وليس إلى “أسمائهم الجسدانية”: “لذلك لم نسمِكم بأسمائكم الجسدانية لأنها تزول” (رسالة 3).

يتلاقى القديس أنطونيوس في هذا مع القديس أثناسيوس الذي يقول في كتابه “الرسالة إلى الوثنيين”: “معرفة طريق الحق مغروسة في باطننا، ولا حاجة لما هو خارج نفوسنا”. يعلم أنطونيوس أن الفضيلة: “كائنة في داخلنا و تخرج منا” (حياة أنطونيوس 20).

دفع هذا التلاقي في الفكر بعض الدارسين إلى افتراض أن كاتب الرسائل هو ذاته كاتب السيرة: القديس أثناسيوس الرسولي الذي وضع كثيراً من أفكاره النسكية واللاهوتية على لسان بطل قصته. مما لا شك فيه أن أثناسيوس في فترة شبابه أو في سنوات نفيه التي قضى معظمها وسط الرهبان في صحاري مصر، قد تقابل مع أنطونيوس، كما يقول هو بفمه: “لقد رأيت أنطونيوس مرارًا وتعلمت منه لأنني لازمته زمنًا طويلاً وسكبت ماءً على يديه (أي خدمته)”. أما ما يقدمه في سيرة أنطونيوس، خاصة خصائص الروحانية الأنطونية، أو روحانية النساك المتوحدين، فهي خلاصة فكره على لسان أنطونيوس وتتشابه مع كثير من كتاباته. ويكفي قراءة حوار الفلاسفة مع أنطونيوس لنكتشف أن الحوار أساسًا هو للكاتب أثناسيوس، وليس لناسك متوحد بعيد عن خضم الحوارات الفلاسفية واللاهوتية، مثلما كان أنطونيوس.

    • الرهبنة ناتجة عن رؤيا إلهية

كعادة الأدب النسكي، فإن كافة تصرفات الرهبان تجد تفسيرا لها في وحي إلهي، تدخل فوق طبيعي في صورة ملائكة يُشير على الرهبان كيفية التصرف. فيعطي الملاكُ باخوميوس القانون الذي يجب الالتزام به، وفي سيرة أنطونيوس، يرشده الملاك بعد أن تسرب إلى نفسه الملل وحاصرته الضيقة، على كيفية التصرف فرفع صلاته إلى الله قائلا: “سيدي، أريد أن أكون كاملاً ولكن أفكارى تمنعنى” حينئذ سمع صوتاً يقول له : “أخرج خارجاً وانظر” خرج ليرى ملاك الرب مرتديًا الإسكيم وعلى رأسه طاقية منشغلاً بتضفير الخوص، ووقف أنطونى مندهشاً لهذا المنظر مراقبًا إياه ورآه يضفر قليلاً ثم يترك عمله اليدوى ليصلي، وبعدها يضفر ثانية ثم يقوم للصلاة، ثم يترك الصلاة للشغل، واستمر الملاك يعمل ويصلي بالتتالى، ثم سمع أنطونى صوتًا يقول له: “افعل هذا فتجد راحة فى نفسك” فأطاع القديس هذا ألأمر السمائي طيلة حياته، وبعد الملل عن نفسه، وجعلها قاعدة عامة سار عليها الرهبان المصريون بعده.

    • حروب الشياطين

تحمل لنا السيرة صراعًا بين أنطونيوس والشياطين المجرِّبة بكافة أنواع المغريات، كالطعام والمال والجنس والمجد الباطل والكبرياء والعودة إلى الماضي والخوف من المستقبل. قدم أنطونيوس مثالاً للجهاد والتقوى والحرص على الفضيلة فلم ينخدع أمام إغراءات التجارب المختلفة. وتعكس الحروب صراع الإنسان مع أهوائه الشخصية ورغباته الدفينة والتي قُدمت في شكل سردي، أظهرت قوة التجربة التي يتعرض لها الإنسان من قوى الشر ومحاولاته المستمرة خداع الإنسان. ثم يصل الصراع إلى المعركة الجسدية، وفيها توسعه الشياطين ضربًا مبرحًا ويلحقون به عذابًا أليمًا. لم يَخُر عزم أنطونيوس. بل كان يهتف من حينٍ إلى آخر بأعلى صوته مخاطبًا الشياطين: “ها أنا أنطونيوس لم أزل هنا، لا أخشى النـِّزال معكم، ابتلوني بما استطعتم من عذاب، فلا أحد يقدر أن يفصلني عن محبَّة المسيح”. وكان يرتـِّل، بغبطة المنتصر، هذه الآية من المزمور: “وإن اصطفَّ عليَّ عسكر فلا يخاف قلبي لأنـَّك معي، وإن قام عليَّ قتال ففي ذلك ثقتي” (26/ 33). وعندما شعرت الشياطين باستخفاف أنطونيوس بهم، احتدمت غيظـًا فاحدثوا ضجَّة عظيمة ارتجَّت لها المغارة وجدرانها، ودخلوا إليه بأعداد كبيرة يتظاهرون بأشكال حيوانات مفترسة مريعة وأشباه شتـَّى من أِنس وجن. وأنطونيوس ثابت رغم شدَّة آلامه، حتى سطع نورٌ سماوي فعرف أن الرب قد جاء لنصرته قائلاً: “لقد كنتُ هنا يا أنطونيوس حاضرًا أنظر إلى نهاية جهادك. قد حاربتَ ببسالة وانتصرتَ على عدوِّك. فإنـِّي أعضدك بعوني دائمًا وأُذيع اسمك في المسكونة كلـِّها”. وهذا ما صار بالحقيقة، لأنَّ اسم أنطونيوس قد انتشر في الدُّنيا وعجائبه ملأت الكنيسة والعالم. وتعكس هذه الروية ما سبق أن أشرنا إليه مرارًا أن الرهبان في الأدب النسكي هم خليفة الأنبياء، أو الأنبياء الجدد، المعضدون بقوة الله لاستكمال المهمة المكلفين بها. حتى في العصر الحديث مثل هذا الفن الأدبي، فالأب بيو الفرنسيسكاني في صراع جسدي مع الشيطان الذي يترك علامات المعركة عليه واضحه للعيان.

    • تلاميذ أنطونيوس

وإذا كان أنطونيوس، قد دُعي أول النـساك وأبا الرهبان، فهذا لا يعني ويجب أن لا يُفهم أنـه لم يكن من نساك قبله. فالحياة النـسكية كانت معروفة قبل أنطونيوس. وكان لكل من هؤلاء النساك صومعة أو كوخ يحيون فيه اللـيالي والأيام في التأملات الطـويلة والتـراتيل الروحية، مواظبين على إماتة الجسد بالسهر والوقوف الطويل، وإماتة الحنجرة بالصوم والعطش. اجتمع النساك العديدون حول أنطونيوس الذي نظم لهم عادة التلاقي معا مرَّة في الأسبوع للمذاكرة الروحية والصلاة الجماعية، ثم النقاش على أفضل السبل للنمو في الحياة الروحية، فكان كل ناسك يدلي باختباره النسكي، ومعلوماته عن النمو في حياة الروح، وعن الحرب مع الشيطان وحيله وكيفية الانتصار عليه. فكان الأكبر سنـًّا في النـسك يوجِّه في النـِهاية كلمة تشجيع. فيعود كلٌّ إلى منسكه بعد أن يكونوا قد صلـُّوا معًا ومجدوا الله. وممَّا قاله القديس أنطونيوس في هذا الصدد: “وللمحادثة الروحية فوائد جليلة وتعزيات عظيمة يعزِي بها بعضنا بعضًا”.

كان من تلاميذه الأنبا آمون أبو جبل نتريا، أبو منطقة القلالي. وقد رأى الأنبا أنطونيوس روح الأنبا آمون وهي صاعدة إلى السَّماء، تزفـّها الملائكة بفرح. وكان من تلاميذه أيضًا، القدِّيس الأنبا مكاريوس الكبير، أتى وتتلمذ عليه وألبسه الأنبا أنطونيوس إسكيم الرَّهبنة. واشتغل معه وشهد له بقوله:” إنَّ قوَّة عظيمة تخرج من هاتين اليدين”. وتتلمذ عليه الأنبا بيشوى، أو الأنبا سيصوى من آباء الجبل الشَّرقي، هو وتلاميذه. وتتلمذ عليه القدِّيس الأنبا بولس البسيط، والأنبا بيساريون، والأنبا سرابيون. وتتلمذ عليه القدِّيس الأنبا ببنوده رئيس أديرة الفيوم. وقد كتب إليه القدِّيس الأنبا أنطونيوس رسالته العشرين. وتتلمذ عليه القدِّيس الأنبا إيلاريون الذي نشر الرَّهبنة في سوريَّا وفي فلسطين. وتأثر بسيرته آباء الغرب العديدون مثل القديس أغسطينوس الذي يرجع اهتدائه إلى مطالعته لتلك السيرة.

[1]كوما (قيمن الآن ويقال قمن العروس) قرب بنى سويف وهى مدينة هرقلية قديماً التى كانت مشهورة بين مدن الصعيد – وتقع فى منطقة تكثر فيها الآثار الفرعونية ففى الجزء الشمالى منها هرم سقارة , وإلى جنوبها هرم دهشور , ومنطقة دير الميمون تقع على ضفة النيل الغربية المقابلة لــ قمن

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.