إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أنت محبوب (4): كيف تصغي للبركة

1٬013

كيف نصغي للبركة ونتمسك بها ؟

إن كانت مسألة “كوننا مُباركين” ليست مجرد شعور، بل حقيقة تحكُم حياتنا اليومية، ينبغي أن نكون قادرين على رؤية واختبار هذه البركة بدون لبس ولا غموض. دعني أقدم لكَ اقتراحين للتمسك بمسألة “كونك مُبارك”. هذان الاقتراحان يتعلقان بالصلاة والحضور.

أولاً وقبل كل شيء، الصلاة.

الصلاة، بالنسبة لي أنا شخصياً، تصبح باطراد وعلى نحو مستمر وسيلة لسماع البركة. لقد قرأت وكتبت الكثير عن الصلاة، لكن حيما أختلي في مكان منعزل لكي أُصلّي، أتفهم أنّني حتّى وإن كُنت أميل لقول الكثير لله، فإنّ “العمل” الحقيقي للصلاة هو أن تكون صامتة وأن أُصغي للصوت الذي يقول أموراً طيبة عنّي. قد يكون هذا بمثابة نوع من الانغماس في اللذة، لكنه عملياً تهذيب قاسي. أكون مصدوماً جداً لكوني ملعون، لشعوري بأنّني لست صالحاً، أو لست صالحاً بما فيه الكفاية حتّى كأنّني على الفور أبدأ الكلام وأواصل الحديث للسيطرة على مخاوفي. أمّا وضع الأصوات الكثيرة التي تُشكك في صلاحي جانباً وإسكاتها بهدوء والثقة في أنّني سأسمع صوت البركة .. فهذا يتطلب جهداً حقيقياً.

عندما نتوقف للصلاة ننشد بسرعة إلى مخاطبة الرب من خلال كلمات كثيرة. ويصعّب علينا أحيانًا تلاوة “السلام عليك يا مريم” أو حتى “الأبانا”، إذ إنّها تبدو طويلة أو صعبة، فتتشتّت أفكارنا وننسى الكلمات ونجد أنفسنا قد انتقلنا إلى عالم أفكارنا!

ألم تختبر أبداً أن تقضي ساعة بكاملها بدون أن تفعل شيئاً، بدون أن تقول شيئًا، تستمع فقط للصوت الساكن في أعماق قلبك؟ عندما لا يكون هناك موبايل تنشغل به، ولا راديو تسمعه، أو تليفزيون تشاهده، ولا كُتب تقرأها، ولا أشخاص تتحدث معهم، ولا مشروعات يجب الانتهاء منها، ولا مكالمات تليفونية عليك إجرائها، ماذا يكون شعورك؟ في كثير من الأحيان.

لا يُسفِر هذا سوى عن تنبيهنا بقوة لما يجب القيام به، ومازلنا لم نؤديه فنقرر أن نترك هذا الصمت الرهيب ونعود إلى العمل! ليس من السهل الدخول في الصمت، التغلب على العديد من الأصوات الصاخبة اللحوحة في عالمنا، واكتشاف في الصمت، الصوت الداخلي الضعيف الذي يقول: «أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضيت».  أيضاً، إذا استطعنا تبنّي عزلتنا وتشجيع صمتنا، سنتوصل لمعرفة ذلك الصوت. إنّني لست بصدد القول بأنّك ذات يوم واحد سوف تسمع هذا الصوت بآذان جسدك. إنّني لست بصدد الحديث عن صوت ناجم عن هلوسة، ولكن عن الصوت الذي يمكن سماعه من بآذان الإيمان، آذان القلب.

في بعض الأحيان سوف تشعر بأن لا شيء يحدث في صلاتك. فتقول: << فقط جلستُ هنا وبدأت أستسلم لأفكاري الخاصة>>. ولكن إذا خصصت نصف ساعة في اليوم للاستماع إلى صوت الحب، ستكتشف تدريجياً أنّ شيئاً ما يحدث ما زلت لا تُدرك فحواه. إلاّ أنّه من المحتمل أن  تكتشف في وقت لاحق الصوت الذي يُباركك. تكون قد اعتقدت أنّ  ما حدث أثناء فترة استماعك لم يكن سوى بلبلة كبيرة، ولكن تكتشف فيما بعد أنّك تنتظر بفارغ الصبر لحظة الصمت وتفتقدها عندما لا يكون بوسعك القيام بها. إنّ حركة روح الله محترمة جداً، حلوة جدا – وخفية. لا تتطلب اهتماماً. ولكن هذه الحركة هي أيضاً مستمرة وقوية وعميقة. تُغير قلوبنا تغييراً جذرياً. الانضباط المستمر في الصلاة يكشف لك أنّك أنت المبارك ويمنحك القوة لتُبارك الآخرين.

المشكلة إننا نخشى الاختلاء بذواتنا ونخاف الصمت. منّا من يعمل في حق الرب، يعمل بحماسة كبيرة وتضحية أكبر في مجال الرسالة لكنه يخشى الدخول إلى العمق في علاقته مع الله. لا يتوافر لديه الحماسة في أنّ يدخل إلى عمق ذاته ليكتشف إنه الابن المحبوب والمُبارك.

الكلام عن الله دون لقاء شخصي حقيقي في عمق كيان الإنسان له تأثير وقتي سرعان ما يزول. لنتخيل معًا أن قصة تلميذين عماوس تنتهي في منتصف الطريق، بعد أن مال النهار أنصرف يسوع عنهما لأنهما لم يرغبا في أن يمكثا معه وحدهما. ماذا كان سيحدث؟! من الطبيعي أن يكملا خطة سيرهما إلى عماوس، أن يكملا مسيرة حياتهم وهم يتكلمان عن يسوع دون أن يعرفاه بعمق.

القرع على الباب بأقل الكلمات

ربما يكون من المفيد، عند هذه النقطة، أن نقدِّم اقتراحات عملياً. التنسيق الجيد للإصغاء هو الإصغاء مع نص مقدس: مزمور أو صلاة مثلاً. إيكنات إيزواران، الكاتب الهندي، وهو مُعلِّم روحاني، يُعلم مدى أهمية حفظ نص مُقدّس عن ظهر قلب وترديده على مهلٍ في الذهن، كلمة بعد كلمة، عبارة بعد أخرى. على هذا النهج يُصبح الإصغاء لصوت الحُب ليس انتظاراً سلبياً بل انتباهاً إيجابياً لصوت يكلمنا من خلال كلمات الكتاب المقدس.

لقد أسس الرب نفسه هذا المنهج في الصلاة بقوله:  كُلَّ مَن يَسأَلُ ينال، ومَن يَطلُبُ يَجِد، ومَن يَقرَعُ يُفتَحُ له (لوقا 11: 10). اقرعوا: هذا هو الخطوة التمهيدية التي يعد الله بإنه سيستجب مباشرة متى قام بها الإنسان: يُفتح لكم. و”خبط الباب” يعنى الطرق عليه مرات متتالية، يُفيد الاستمرارية والإصرار على القيام بتلك التجربة.

والقرع على الباب لا يعنى أن نتلو بعض الصلوات المحفوظة أو القيام ببعض الابتهالات. بل على العكس فالإنسان في حاجة إلى أسلوب العشار القارع صدره بكلمتين اثنتين دون زيادة. فالكلمات الكثيرة تُشتت العقل وتملئه بخيالات كثيرة، لكن الكلمة الوحيدة تساعد الإنسان على التركيز المطلوب.

القديسة تريزا دافيلا، توصى بأن تكون كلمة حب أو جملة قصيرة، تكرر، ليس بطريقة آلية، بل تضرع عذب، تلذذ بالمعنى. فتنطق الكلمة بحب وتلذذ ومتى شرد الإنسان بأفكار أخرى، يعود فيردد الكلمة التي اختارها بكل هدوء. على سبيل المثال: نستخدم أسلوب والد الصبي الذي فيه روحٌ نجس، في إنجيل مرقس، لنؤكد إلى الرب إيماننا مع طلب تقويته وتثبيته لأنه يبقى دائمًا ناقصًا. “عِندي إيمانِ! ساعِدْني حتى يَزيدَ” (مرقس 9: 24). أو “لتكن مشيئك”. أو ترديد ببطئ لصلاة القديس فرنسيس: “يا رب إستعملني لسلامِكَ، فأضع الحبَّ حيثُ البغض،..”. فور أن دَعَ هذه الكلمات تمتد من ذهنك إلى قلبك، بعيداً عن كُلّ مشاعرك المضطربة، في اختبار السلام والحب الذي أنت بصدد طلبه من خلال الكلمات. استخدم القديس فرنسيس هذه الطريقة في الصلاة التي كان يوجهها إلى الله وذلك بتكرار مرادفات وصفات الله في وقت صمته بين الحين والآخر، كحوار بينه وبين صوت الله الذي يخاطبه كابن محبوب ومبارك: “الذي هو وحده صالح، ورؤوفٌ، وديعٌ، وعذبٌ، وحلوٌ، الذي هو وحده قدوس، وعادلٌ، وحقٌّ، وقدّوسٌ، ومستقيمٌ. المبارك، والمُسبَّحُ، والمُمجَّدُ، المرفوع، السّامي، والمُتعالي، العذبُ، والمحبوبُ، واللّذيذُ (صلاة التسبيح). ما زالت صالحة ملاحظةُ القدّيس أغسطينوس: «عندما تنمو كلمة الله، ينقص كلام البشر».

الصلاة التي من خلالها يسمع الإنسان صوت الله الذي يُباركه ليست بالكلام والابتهالات المحفوظة وترديدها دون وعي في كثير من الأحيان كببغاء -كما يقول البابا فرنسيس- لكن هي النظر إلى الله في صميم القلب وتقبل كلمته وسماع صوته الذي يبارك فيه الإنسان ويعلن له إنه ابنه الوحيد المحبوب والمبارك. أنّنا من دون الصمت لا نسمع، لا نصغي، ولا نتلقّى أيّة كلمة. غالبًا ما تقدِّم الأناجيل يسوع، خاصّةً لدى وجوب اتّخاذ القرارات الحاسمة، وهو ينسحب إلى مكان منعزل عن الحشود والتلاميذ أنفسهم لكي يصلّي في الصمت ويعيش علاقته البنويّة مع الله. الصمت قادرٌ على حفر مجال داخلي في أعماق أنفسنا، ليجعل الله يسكن فيه، كي تبقى كلمته فينا، كي تتجذّر محبّتنا له في عقولنا وقلوبنا، وتُحيي حياتنا.

إذ أفعل ذلك، تُتاح لي أيضاً وسيلة لتفهُّم تمزقاتي التي لا تنتهي. حينما أكون شارداً مع أفكاري، بلا هدف، يمكنني العودة دائماً لصلاتي البسيطة، ومن خلالها استمع في قلبي مرة أخرى للصوت الذي اشتهي سماعه بشدة.

في النهاية يجب ملاحظة إن الصلاة الأكثر عمقًا هي أن يكون الإنسان يقظًا ليسمع الله الذي يقرع بابه وأن يدعه يزعجه، لكي يفتح له الباب ويكون رهن إرداته. أن يكون متأهبًا، يسأل نفسه في كلّ لحظة: هل ما أعمله هل ما أعمله يطابق إرادة الله، أم إنّني أبحث بالأحرى عن سروري وانشراحي: “إن سمعتَ صوتي وفتحتَ الباب، دخلتُ إليكَ وتعشيتُ معكَ وتعشيتَ معي»، فالصلاة هي حضور الصديق للصديق، وجهاً لوجه.

ما هي مواصفات الصلاة الجيدة؟

  1. الإنتباه: “ولا تُرَدَّدوا الكلامَ تَردادًا في صَلواتِكُم مِثْلَ الوَثنيّينَ، يَظُنٌّونَ أنَّ الله يَستَجيبُ لهُم لِكَثرةِ كلامِهِم” (متى 6: 7، 8). الإنتباه لتلك الكلمات البسيطة التي ننطلق بها، مثل: “صلي لأجلنا نحن الخطأة.. الآن” في صلاة المسبحة. عندما أنطق كلمة الآن أجمع شتات أفكار وأطلب صلاة مريم بكل جوارحي ومشاعري لتشملني في التوقيت الذي أرفع فيه الصلاة. هكذا كل صلاة يمكن أن أنتبه لكلمة واحدة أو جملة قصيرة أشعر إنها تخاطبني في يومي.
  2. الإيمان: “بِغَيرِ الإِيمانِ يَستَحيلُ إرضاءُ الله، لأنَّ الذي يتَقَرَّبُ إلى الله يَجِبُ أنْ يُؤمِنَ بأنَّهُ موجودٌ وأنَّهُ يُكافئْ الذينَ يَطلُبونَه” (رسالة الى العبرانيين 11: 6). عندما أَشرع في الصلاة يجب أن يملء قلبي الإيمان والثقة بأن “المحبوب” من الله، “المُختار” لأجل هدفٍ سامي، أكتشفته أم في مسيرة لمعرفته، ثم أنا “المبارك” الذي باركني الله بصورة فريدة من خلال تجسده خصيصًا من أجلي.
  3. التواضع: “يا أبـي، إنْ شِئْتَ، فأَبْعِدْ عنِّي هذِهِ الكأسَ! ولكِنْ لِتكُنْ إرادتُكَ لا إرادتي” (لوقا 22: 42). ، لا نكون نطلب مشيئة الله فحسب، بل نكون نطلب إليه أن يرسل لنا القوّة والنعمة لتقبّل إرادته وتنفيذها، مهما كانت.
  4. الأولوية: “هذا الشَّعبُ يُكرمُني بِشَفَتيهِ، وأمَّا قَلبُهُ فبعيدٌ عنَّي” (متى 15: 8). الصلاة هي أولوية لمن يرغب في أن اكتشاف الله في أعماقه. فالله لا يقطن السموات الخارجية البعيدة، بل مقره في عمق أعماق الإنسان، لذا فالقلب الذي يلهج به والقريب منه وحده القادر على سماع صوت الله.
  5. التفاني: “ووقَعَ في ضِيقٍ، فأجهَدَ نَفسَهُ في الصَّلاةِ، وكانَ عَرَقُهُ مِثلَ قَطَراتِ دَمِ تتَساقَطُ على الأرض” (لوقا 22: 44). بالرغم من الألم النفسي الرهيب والتعب الجسدي إلا أن المسيح استمر في الصلاة، بل أجهد نفسه في الصلاة بصورة قاسية دون أن يتلقي تعزية.
  6. المواظبة: “إنْ كانَ لا يقومُ ويُعطيهِ لأنَّهُ صَديقُهُ، فهوَ يَقومُ ويُعطيهِ كلَ ما يَحتاجُ إلَيهِ لأنَّهُ لَجَّ في طَلَبِهِ” (لوقا 11: 5-10). المواظبة واللجاجة والإلحاح في الصلاة وترديدها باستمرار برغم الضغوط والصعوبات. لذا ينصح البابا فرنسيس بأن نصلي على الأقل 15 دقيقة في اليوم. فالله هو أهم شخص في حياتنا، علينا أن نتكلم معه كل يوم. نحن نمضي معظم وقتنا يوميًّا في الأكل أو الترفيه أو التسلية، ولكن روحنا أكثر أهمية من جسدنا، والله هو أهم من أي أحد أو من أي شيء في حياتنا، ولذلك هو يستحق الأولوية في وقتنا.

 

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.