إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أنت محبوب (10): مُرسل لأجل الآخرين

1٬155

النص الكتابي:  تكوين 18: 22- 33

كل إنسان مسيحي هو تلميذ مُرسل

بما أنّنا مُختارين، ومباركين، ومكسورين ومَعْطِيين، نحن مدعوين لأن نعيش حياتنا بفرح وسلام عميقين وحميمين، وهذا يؤثر في الآخرين الذين يعرفونا ويرتبطوا معنا بعلاقات اجتماعية كالعائلة والأصدقاء والمقربين وزملاء العمل وغيرهم: “فلْيُضِىءْ نورُكُم هكذا قُدّامَ النّاسِ ليُشاهِدوا أعمالَكُمُ الصّالِحةَ ويُمَجَّدوا أباكُمُ الذي في السَّماواتِ” (متى 5: 16). إلا أنّ كمال المسيرة الروحية يكون بالمشاركة بفاعلية في رسالة يسوع الخلاصية والمساهمة بطريقة فريدة في تغيير العالم بقصد ووعي تام، وهذه هي وظيفة المُرسل.

دعى الرب أبرام لينطلق “ليك لِكَا” في مسيرة روحية طويلة للدخول إلى ذاته واكتشاف الله الموجود في عمق أعماقه. تلك المسيرة الشاقة التي تكللت بأن حل الله بنفسه ضيفًا على إبراهيم في ممرا. أصبحَ إبراهيم  بركة للآخرين في حياته وبعد مماته من خلال أعماله التي صنعها في الحياة كما سبق أن تأملنا في اللقاء السابق.

انطلق أبرام في مهمته التي تظهر جلية وواضح في نص شفاعته لأجل أن لا يهلك الرب سدوم إذا وجد فيها بعض الأبرار. يدخل إبراهيم في حوار رائع مع الله ويطلب منه أن يكون عادلاً في حكمه بفناء سدوم. لا توجد حواجز بين إبراهيم والله، هو لا يطلب شيء لنفسه، فكل ما يطلبه خلاص هذه المدينة، خلاص الصدّيقين والاشرار معهم، والربّ يتنازل مع إبراهيم، يخفّف إبراهيم عدد الصدّيقين فيتقبّل الربّ معه، إلى أن يصل إلى العدد عشرة.

شفاعة إبراهيم

كيف نفهم النص؟ هل يقبل الله وساطة الإنسان؟ الحقيقة إن الرب أراد أن يكون للبشر مشاركة معه في الفداء، مثل العذراء التي تشفعت لأصحاب عُرس قانا. إبراهيم القريب جدًّا من الله يتكلم مع الله وجهًا لوجه، هذه صلاة الأبرار. صلاة إبراهيم، صلاة كلّ واحد منّا، لأنّ الكتاب يقول: “لأنّ الربّ لا يريد موت الخاطئ بل توبته ليحيا”، وعندما صلّى إبراهيم من أجل حياة شعب سدوم فقد تلاقى مع عمق قلب الله الذي لا يريد لسدوم الموت ولا لعمورة الخراب، ولا أن يموت الخاطئ دون أن يتوب.

قُرب إبراهيم من الله، إلى الدرجة إنه كان مُلِمًا بما كان الرب مزمعًا أن يفعله بسدوم، لم يدفعه للاستفادة الشخصية. بل على العكس تمامًا راح يطلب الرحمة للآخرين: “فاَقتربَ إبراهيمُ وقالَ: «أتُهلِكُ الصِّدِّيقَ معَ الشِّرِّيرِ؟” (تكوين 18: 23). بالرغم من انفاصله عن ابن أخيه لوط واختلافهما معًا إلا إنه مازال يراه “بارً”. يتحاجج إبراهيم مع الله من أجل شخص حوّل وجهه عنه واختار سدوم كمكان لسكنه. كم ولابد رُفعت نفس إبراهيم رفعة تامة فوق «الأمور التى تُرى» عندما استطاع أن ينسى “النزاع” والافتراق والعالمية والشر التى للوط، ويحتج من أجله رغم ذلك “كنفس بارة”.

الرسالة ناتج الحياة الروحية

تأتي شفاعة إبراهيم لأجل شعبه بعد أن يتراءى الله له في ممرا. وتأتي كلمة تراءى لتدل على سماح الله لإبراهيم أن يراه، لأنه لا يستطيع أحد أن يري وجه الرب ويحيا. دفع الله إبراهيم إلى مستوى الإيمان العميق، إلى مستوى الإيمان الملوس، فصار الله قريبًا منه. وعندما نقول تراءى، نفهم بشكل خاص، هذه العلاقة الحميمة وهذا الحوار الحميم بين الربّ وبين إبراهيم وبين كلّ واحد منّا، الربّ يكلّمنا في أعماق قلوبنا، فنحسّ كأنّنا نراه كأنّنا نسمع صوته.

إن سماع صوت الله في عمق كياننا يهدف في أن يحقق الإنسان دعوته في الحياة، أن “يكون بركة للآخرين”. لذا يقول البابا فرنسيس في رسالته فرح الإنجيل، بأن كل إنسان مسيحي هو تلميذٌ مُرسل للآخرين في محيط عمله، أسرته، أصدقائه. كل إنسان مسيحي مدعو أن يكون ذاكرة يسوع في الحاضر والوسط الذي يعيش فيه، حيث يشكل نمط حياته علامة استفهام في محيطه وفي وسط عالم يعُلي من ثقافة اللذة واللحظة. كما إن المثل الذي يُقدمه له قوة تأثير أكثر بكثير من محاولات الاقناع العقلية التي يمكن أن لا تجني ثمرًا.

أحياناً ننطلق للرسالة دون أن نكون قمنا بتلك المسيرة الروحية الصعبة التي من خلالها يتلاقي الإنسان مع الله الساكن في عمق ذاته والذي يدفعه لتكون حياته بركة للآخرين وسببًا لخلاصهم الشخصي. الحياة الإرسالية تبدأ إذن داخل الشخص أولا. فالرسالة الأولى التي على الإنسان أن يقدمها هي تبشير ذاته.

  • أولى خطوات الرسالة في العالم هو أن يترك الإنسان مكانًا في حياته لله ويضع ذاته لعمل مشيئته فيعكس نمط حياة يسوع الإنسان ويكون نورًا للعالم وملحًا للأرض. فيعطي الأولوية لتعاليم الرب والعمل بإرادته، فمشيئة الرب هي التي يجب أن تأخذ اهتمامه وفكره وقلبه. عطاء حياته للآخرين وما يمكن أن يكونه للبعض في الحياة وبعد الموت يتوقف على مسيرته الروحية مع الله. يُظهر تراءى الله لإبراهيم بأنه قريبٌ جدًا منه، يجلس ويأكل ويتكلم ويحاور إبراهيم كأنه شخص من الأشخاص جاء يزور صديقه. الله قريب من البشر، ليس هو ذلك الإله القابع في البعيد، في أعلى سمائه ينظر إلى البشر مشفقًا عليهم، بل هو معهم يسير مسيرتهم بتعب من سفر الطريق كما كان الأمر بالنسبة إلى يسوع يعطش في حرّ الظهيرة فيطلب ماءً من المرأة السامرية.
  • الخطوة الثانية هي أن تفكر في نفسك كما لو كنت قد أُرسلتَ إلى العالم. هذه وسيلة لمعرفة ذاتك تصير ممكنة فقط إذا كنت تُصدِّق كونك محبوب حتّى من قبل إنشاء العالم. إنّه تصور عن ذاتك يدعوك للقيام بطفرة حقيقية في الإيمان! طالما كنت تعيش في العالم، وترضخ لضغوط هائلة كي تثبت لنفسك وللآخرين بأنك شخص ذو كيان متميز وتعرف منذ البداية أنك في النهاية ستخسر، ستكون حياتك ليست سوى معركة طويلة من أجل البقاء.

إنّك، روحياً، لا تنتمي إلى العالم. ولهذا السبب بالذات أُرسِلتَ أنت إلى العالم. عائلتك وأصدقائك، زملائك والذين يتنافسون معك، وجميع الذين يُمكن أن تقابلهم في الرحلة عبر الحياة، كلهم يبحثون عن شيء أكثر مما هو البقاء على قيد الحياة. وجودكم بينهم، كشخص مُرسل إليهم، سيُتيح لهم أن يروا لمحةً من الحياة الحقيقية.

منذ اللحظة التي تُدرك فيها أنّك قد أُرسِلتَ إلى هذا العالم، كل شيء يتغير تغييراً جذرياً. الزمان والمكان، الأشخاص والأحداث، الفن والأدب، التاريخ والعلوم تتوقف عن كونها مُبهَمة فتصبح شفافة عندما تُشير إلى ما هو أبعد كثيراً من مضمونها، نحو المكان الذي أتيت أنت منه وإليه سوف تعود. إنّه لأمر شديد الصعوبة بالنسبة لي أن أشرح وأُضّح لك هذا التغيير الجذري، لأنّه تغيير لا يُمكن وصفه بالتعبيرات الشائعة؛ لا يُمكن تدريسه أو ممارسته كأنّه تعليم جديد معرفة الذات. التغيير الذي أُحدِّثك عنه هو التغيير الذي ينقلك من العيش في الوجود كتجربة أليمة لإثبات أنّك تستحق أن تكون محبوباً، إلى العيش فيه، بدلاً من ذلك، كـ “نَعَم” مستمرة تقولها لحقيقة كونك الابن الحبيب. المسألة ببساطة هي أنّ الحياة فُرصة منحها الله لنا كي نُصبح ما نحن عليه، لكي نؤكد طبيعتنا الروحية الحقيقية، ونتمسّك بحقيقتنا، المنسجمة والمتكاملة مع واقع كياننا، بل وبصفة خاصة لنقول “نَعَم” لذاك الذي دعانا أبناءً أحباء.

إنّ سرّ الله، السرّ الذي لا تُسبر أغواره، هو أنّ الله هو عاشق مُتَيّم يُريد أن يكون محبوباً. ذاك الذي خلقنا ينتظر استجابة للحب الذي منحنا الحياة. الله لم يُقل فقط: “أنت ابني الحبيب”، الله يسأل أيضاً: “أتُحِبّني؟ “، كما سأل بطرس في مشهد ترائيه للتلاميذ في المرة الأخيرة.

 ويُعطينا إمكانيات عديدة لنقول “نَعَم”. هذه هي الحياة الروحية: إمكانية أن نقول “نَعَم” لحقيقتنا الداخلية. الحياة الروحية، بهذا المفهوم، تُغيّرُ كل شيء تغييراً جذرياً. كوننا مولودين وكبرنا، تركنا البيت بحثنا عن مهنة، قابلنا المديح والرفض، سرنا في الطريق واسترحنا، الصلاة واللهو، المرض والشفاء، الحياة والموت – كل هذا يُصبح تعبيرات عن السؤال الإلهي: << أتُحِبّني؟ >> وفي كلّ لحظة من لحظات الرحلة هناك دائماً إمكانية لقول “نَعَم” وإمكانية لقول ” لا “.

الخطوة الثالثة: إن الفرح الحقيقي للتلميذ هو أن يكتشف إنه محبوبٌ ومختارٌ ومباركٌ، وليس ما يقوم به من رسالة وخدمة في العالم. هو يفرح بعلاقته البنوية مع الله أكثر من أي خدمة يقوم بها. لقد فرح التلاميذ السبعون بأن رسالتهم وكرازتهم قد نجحت فكل شيء يخضع لهم. لكن عندما عادوا إلى يسوع وهم ممتلئون فرحًا: فقال لهم المعلّم: “لا تَفرَحوا بِأَنَّ الأَرواحَ تَخضَعُ لَكُم، بلِ افرَحوا بِأَنَّ أَسماءَكُم مَكْتوبَةٌ في السَّموات. فالرسالة تنبع من الرغبة في مشاركة الآخرين بالفرح الذي يملء كياني من خلال علاقتي مع الله.

عندما يَشعر الإنسان بهذه الفرح يسعى لمشاركة الآخرين به. يذكرنا الإنجيلي لوقا بفرح مريم المشابه: “تعظم الرب نفسي وتبتهج روحي بالله مخلّصي” (لو 1، 47). إنها البشرى السارة التي تقود نحو الخلاص. فمريم التي حملت يسوع في أحشائها، المُبِشر بامتياز، التقت بأليصابات وتهللت بالروح وأنشدت “تعظم نفسي الرب”. وإذ رأى يسوع نجاح رسالة تلاميذه وبالتالي فرحهم، تهلل بالروح ورفع الصلاة لأبيه. وفي الحالتين إنه فرح من أجل الخلاص الذي يتحقق، لأن المحبة التي بها أحب الآب الابن قد وصلت إلينا وبواسطة عمل الروح القدس تغمرنا وتُدخلنا في حياة الثالوث الأقدس.

فالآب هو نبع الفرح، والابن هو ظهوره والروح القدس محرّكه. وبعد أن رفع الحمد للآب، يخبرنا الإنجيلي متى أن يسوع يدعونا قائلاً: “تَعالَوا إِليَّ جَميعاً أَيُّها المُرهَقونَ المُثقَلون، وأَنا أُريحُكم. اِحمِلوا نيري وتَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب، تَجِدوا الرَّاحَةَ لِنُفوسِكم، لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف” (مت 11، 28 – 30). إن “فرح الإنجيل يملأ قلب وحياة جميع الذين يلتقون بيسوع، والذين يسمحون له بأن يخلّصهم، يتحررون من الخطيئة والحزن والفراغ الداخليّ والعزلة. لأن مع يسوع المسيح يولد الفرح بشكل دائم ومتجدد” (الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل، عدد 1).

وانطلاقًا من هذا اللقاء بيسوع، عاشت مريم العذراء خبرة فريدة وأصبحت “سبب سرورنا”. أما الرسل فقد نالوا الدعوة ليبقوا مع يسوع ويكونوا مرسلين من قبله لحمل البشارة (را. مر 3، 14)، ولذلك غمرتهم الفرحة. فلماذا لا ندخل نحن أيضًا في تيّار الفرح هذا؟

المتأمل وضع المكرسين اليوم، سيلاحظ حمل المكرسين لهموم كثيرة، خاصة وعامة، تجعلهم مكتئبين مرهقون مثقلون، في حاجة إلى يحملوا متاعبهم ليحملها الرب عنهم.

التعاسة دليلٌ على ضمير مُثقل بعبادة الأصنام

“إن الخطر الكبير في العالم الحالي، مع عرض الاستهلاك المتعدد الأوجه والسائد، هو تعاسة فرديّة تنبع من قلب مترف وبخيل، ومن البحث المريض عن ملذات سطحيّة ومن الضمير المنعزل” (الإرشاد الرسولي فرح الإنجيل، عدد 2). وبالتالي، تحتاج البشرية للاستقاء من الخلاص الذي حمله المسيح، والتلاميذ هم الذين عليهم أن يسمحوا لمحبة يسوع أن تمتلكهم وتطبعهم بالحماس من أجل ملكوت الله، ليكونوا حملة فرح الإنجيل. فجميع تلاميذ الرب هم مدعوون ليغذوا فرح البشارة. مدركين أن فرح إعلان يسوع المسيح يظهر من خلال الاهتمام بإعلانه في الأماكن الأكثر بعدًا، ومن خلال خروج مستمرّ نحو الضواحي حيث يوجد أناس فقراء في الانتظار.

يذكر البابا فرنسيس في رسالته لليوم الإرسالي العالمي 2014، بأن أزمة الدعوات الرهبانية وللحياة الكهنوتية ترجع لغياب الحماس والفرح والرغبة في حمل المسيح للآخرين. أما إذا توافر ذلك الفرح وحماس الانطلاق نحو الفقراء والرغبة في حمل المسيح لهم ستولد الدعوات الحقيقية.

“الله يحب من يعطي متهللاً” (2 كو 9، 7). هي خلاصة خبرة الكرازة الحقيقية ولذا يدعو البابا في ختام كلمته إلى، الانطلاق، ليك لك، من حيث هي مسيرة حجٍّ داخليّ، “الحب الأول” الذي بواسطته أدفأ الرب يسوع المسيح قلب كل واحد منكم، لا للشعور بالحنين وإنما للثبات في الفرح! فتلميذ الرب يثابر في الفرح عندما يكون معه، وعندما يتمم مشيئته ويقاسم الإيمان والرجاء والمحبة الإنجيلية.

إلى مريم، مثال البشارة المتواضع والفرح، نرفع صلاتنا، لكي تصبح الكنيسة بيتًا لكثيرين وأُمًّا لجميع الشعوب وتجعل ولادة عالم جديد ممكنة.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.