إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

يبتلعون الجمل

946

“يا أَيُّها ٱلَّذينَ يُصَفّونَ ٱلماءَ مِنَ ٱلبَعوضَةِ وَيَبتَلِعونَ ٱلجَمَل” (متى 23: 24)

لاحظ أحد مدراء المدارس إن أحد التلاميذ يأتي إلى المدرسة متأخرًا نصف ساعة. أرسل انذارًا إلى والديه، فكان التلميذ يُرجع الانذار موقعًا من والدته ولكن متأخرًا نصف ساعة. عاقب التلميذ بالتعنيف والضرب أحيانًا والحرمان من حصص النشاط أحيانًا أخرى. وبالرغم من كافة الطرق التأدبية التي استخدمها مدير المدرسة، استمر الولد بالمجئ في اليوم التالي متأخرًا نصف ساعة. أخيرًا فصله موقتًا لبضعة أيام، وفي يومه الأول عندما عاد كان الصبي متأخرًا نصف ساعة.

لم يستطع المدير التحمل أكثر من ذلك، ذهب مع الإخصائي النفسي بالمدرسة إلى منزل الصبي، فاكتشف أنه منذ شهرين أصيبت والدته بجلطة دماغية تسببت في شلل بالجسد وعدم قدرة على النطق. فكان لازما أن يقوم الصبي بكل شيء في المنزل، خاصة مع وفاة الأب منذ سنوات. كان عليه أن يستيقظ باكرًا لتجهيز الإفطار إلى أخته ذات الأربع أعوام، ومرافقتها إلى المدرسة التي تبدأ نصف ساعة متأخرة عن ميعاد مدرسته. كان يجري في المسافة بين حضانة شقيقته ومدرسته لكنه كان دائمًا متأخرًا.

نلبس أخوتي أحيانًا ملابس مدير المدرسة، نرغب في تنفيذ اللوائح والقوانين، وإذا خالفها البعض نُسرع في الحكم عليهم، ما أعوزنا إلى الرحمة والعدل والمحبة. هناك فرق كبير وهوة سحيقة بين المظهر والجوهر. بين ما يبدو على السطح وما يستقر في الأعماق.

المظهر خادع دائمًا، لذا يوبخ المسيح الفريسيين الذين يهتمون بالملابس الطقسية، ويقضون ساعات في صلوات طويلة، الويل لمَن ينسى أن يخصص عُشْر حزمة صغيرة من الشمر أو الكمون، الويل لمَن ينسى حركة من الحركات الطقسية بقوله: “الوَيلُ لَكُم أَيُّها ٱلكَتَبَةُ وَٱلفِرّيسِيّونَ ٱلمُراؤون. فَإِنَّكُم تُؤَدّونَ عُشرَ ٱلنَّعنَعِ وَٱلشُّمرَةِ وَٱلكَمّون، بَعدَما أَهمَلتُم أَهَمَّ ما في ٱلشَّريعَة، ٱلعَدلَ وَٱلرَّحمَةَ وَٱلإِخلاص” (متى 23: 23). العبادة الخارجية تبدو ملتزمة ومبهجة من الخارج لكنها من الداخل، تكون القلوب ممتلئة بالظلم والشر وظلام الفكر. لا يشعرون بوخز الضمير على مشاعر البغض والكراهية والحسد للآخرين، لا يبحثون عن الخروف الضال، لا تتحرك مشاعر الشفقة تجاه المحتاجين والأرامل، بالرغم من أمانتهم في حفظ مظاهر العبادة الخارجية.

نهتم بالقشور الخارجية لنقنع أنفسنا والناس بأننا صالحون، نهتم بترانيم الكورال والألحان الطقسية والمظاهر الاحتفالية الجميلة، باشعال الشموع والبخور والملابس الطقسية والتبرك من الذخائر وأيقونات القديسين، لكن من الممكن أن نحضر القداس ونضمر شرًا للآخرين، أو لدينا سعى حثيث لتدمير حياة إنسان وتشويه صورته والحط من شأنه.

يريد يسوع دينًا يتوافق فيه المظهر الخارجي مع جوهر القلب الذي يجب أن يكون نقيًا . لا يمكنك الاحتفال بليتورجيا رائعة، ترانيم وألحان عذبة، صلوات شجية بقلب يملئه السرقة والأفكار الشريرة، والنميمة، والشهادة الكاذبة في حق الآخرين، والرغبة في تدمير الآخر، الكراهية والحسد من القريب. ولا يمكن الاحتفال بسر الشركة مع الأنانية التي تستهلكنا في الداخل. لدينا الكثير من الخير والعطايا التي نحتفظ بها لأنفسنا فقط ولا نشارك بها الآخرين، في حين أن الأخ القريب منا يعاني من البرد والجوع ومن العزلة الروحية والجسدية. الدين الذي يريده يسوع هو حب قادر على التضحية من أجل الآخرين.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.