إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الدخول إلى العمق (4): دعوة للاهتمام بالروح

161

تعرف بطرس على يسوع عندما أخبره أندراوس «قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا» الذي تفسِيرُهُ: المسيح. جاءَ به أندراوس  إِلى يسوع. أعطى له يسوع اسمًا جديدًا وهوية جديدة وأعلن له عن اختياره ليكون أيقونته الحاضرة في العالم والممثلة له. إلا أن بطرس عاد مرة أخرى للصيد تحت ضغط احتياجات اسرته الصغيرة ورغبته في تأمين حياةً كريمة لزوجته وأبناءه. عاد إلى شباكه القديمة معتمدًا على خبرته الطويلة في الصيد، وعلى ذراعه، لكنه لم يصطاد شيئًا وعاد في الصباح الباكر منكسرًا، محبطًا لشعوره بالخجل من أسرته.

عاد إلى شباكه القديمة ليبقي على قيد الحياة. عاد إلى الشيء الذي يعتمد عليه في الحياة، على ما يثق به وما يعطيه الرضى عن نفسه ويُشعره بالاعتزاز والقيمة في الحياة.

على أي شيء تعتمد في الحياة؟ ما هي شباكك الخاصة التي تعتقد إنها تمنحك الحياة؟ رسم بطرس صورة ذهنية مفداها إن “حياتي ستكون سعيدة وستتغير تمامًا عند حصولي على…” “حياتي بدون هذا الشيء لا قيمة لها”، “حياتي ستكون أفضل متى حصلت على…”. تكوين صورة في الذهن بهذه الطريقة والإيمان بها والتفكير فيها والاعتقاد بأنها قادرة على ملء الفراغ في الحياة هي صناعة إله جديد. فالإنسان هو صانع للآلهة.

عبرت الشباك الفارغة في ذلك الصباح الباكر على شاطئ بحيرة طبرية على ما تخلفه عبادة الآلهة، تستنفذ طاقة الإنسان وتحطمه تمامًا، كما قال الفيلسوف الملحد ديفيد والاس: “أن أي شيء تعبده سيقضي عليك حيًا”. كان هذا شعور بطرس بعد ليلة طويلة قضاها معتمدًا على إلهه، على ما اعتقد إن يمكنه أن يملء الفراغ الموجود في كيانه. لكن الفراغ الموجود داخل النفس البشرية لا يملئه مخلوق أو منحوت. عاد بطرس إلى الشاطئ وشباكه فارغة وبالقلب شعور موحش بالاحباط، فالآلهة تسرق الحياة.

الآلهة الغريبة

الإلهة هي تلك الأشياء التي تحتل مركز حياة الإنسان وتشغل تفكيره، معتقدًا إنها ستحقق له السعادة. لنقرأ ما حدث مع الشعب في البرية بعد صعود موسى للجبل:

خروج 32: 1 ورأى الشَّعبُ أَنَّ موسى قد تَأَخَّرَ في النُّزولِ مِنَ الجَبَل، فاجتَمَعَ الشَّعبُ على هارونَ وقالوا له: «قُمْ فآصنَعْ لَنا آلِهَةً تَسيرُ أَمامَنا، فإِنَّ موسى، ذلك الرَّجُلَ الَّذي أَصعَدَنا مِن أَرضِ مِصْر، لا نَعلَمُ ماذا أَصابَه».2 فقالَ لَهم هارون: «اِنزِعوا حَلَقاتِ الذَّهَبِ الَّتي في آذانِ نِسائِكُم وبَنيكُم وبَناتِكُم، وأتوني بِها».3 فنَزَغَ كُلُّ الشَّعبِ حَلَقاتِ الذَّهَبِ الَّتي في آذانِهم، وأَتَوا بِها هارون.4 فأَخَذَها وصَبَّها في قالَب، وصَنَعَها عِجْلاً مَسْبوكاً. فقالوا: «هذِه آلِهَتُكَ، يا إِسْرائيل، الَّتي أَصعَدَتكَ مِن أَرضِ مِصْر» 5 فلَمَّا رأى هارونُ ذلك، بَنى مَذبَحاً أَمامَ العِجْلِ ونادى قائلاً: «غَداً عيدٌ لِلرَّبّ». 6 فبَكَّروا في الغَدِ وأَصعَدوا مُحرَقاتٍ وقَرَّبوا ذَبائِحَ سَلامِيَّة، وجَلَسَ الشَّعبُ يَأكُلُ وَيشرَب، ثُمَّ قامَ يَلعَب”.

يأتي الحدث والشعب تاه في الصحراء لمدة ثلاثة شهور. تاه في مكان حيث لا ماء ولا طعام، ولا مكان يأمن فيه من هجوم الحيوانات المتوحشة أو هجمات الأعداء. إنه في عزلةٍ تامة. الصحراء هي مكان الخوف وعدم الأمان، هناك شيء غير منتظر يمكن أن يحدث فجأة. شعر الشعب العبراني بخوف شديد وعدم أمان فلا طعام مؤكد، فالمن ينزل يوم بيوم، هو لا يضمن أبدًا أن ينزل في الغد. حالة قلق شديد عاشها الشعب، خاصة مع غياب القائد موسى، الذي كان يعطي الأمان، بعد صعوده الجبل للقاء الله.

في هذا المكان القفر بحث الشعب عن شيء ما يتعلق به، شيء ما يعتقد إن بإمكانه أن يمنحه الأمان، الغذاء، شيء ما يستمد منه الحياة. ذهبوا إلى هارون قائلين: “«قُمِ اَصنَعْ لنا آلِهَةً تسيرُ أمامَنا. فهذا الرَّجلُ موسى الذي أخرَجنا مِنْ أرضِ مِصْرَ لا نعرِفُ ماذا أصابَهُ». نريد أن نرى شيئًا ملموسًا يُشعرنا بالأمان وينقذنا من الخوف الذي يتملكنا. “فنزَعَ جميعُ الشَّعبِ حَلَقَ الذَّهَبِ التي في آذانِ نِسائِهِم وجاؤوا بِها إلى هرونَ. فأخذَها منْ أيديهِم وأذابَها وسَكبَها في صَنَمِ على صورَةِ عِجلٍ. فقالَ الشَّعبُ: «هذِهِ آلِهتُكُم يا بَني إِسرائيلَ، آلِهتُكُمُ التي أخرَجتْكُم مِنْ أرضِ مِصْرَ»”. لم يكن رمز لإله وحيد بل لمجموعة من الآلهة جسدها العجل.

لماذا أختاروا صورة العجل وليس حيوان آخر؟

الإجابة نجدها في رمزية العجل الدينية في الثقافات القديمة. كان العجل (أبيس) إلهًا للخصوبة والتفوق في النسل ورمزًا إلى القوة الجسدية في مصر القديمة. ظهرت روح الإله العظيم (بتاح) على الأرض على هيئة عجل، فهو رمز العبادة والتدين للإله مبدع الحياة. كان العجل يُمَثلْ دائمًا واضعًا قرص الشمس ما بين قرنيه دليل على المجد والعظمة. وأخيرًا صُنع من ذهب!

عبرَ الإنسان قديمًا عن إيمانه بالآلهة باستخدم الرموز. لذا فاختيار شعب إسرائيل للصورة العجل لم يكن صدفةً أو للتسلية، وإنما عبروا عن رغبته في استدعاء الآلهة التي عرفوها في مصر لحمايتهم في ظل الظروف الصعبة التي تحيط بهم، من غياب القائد، والخوف من هجمات وحوش الصحراء، والقلق اليومي من عدم توافر الماء والطعام والخوف من الفناء والموت في تلك البرية الموحشة.

استدعوا خمس آلهة من خلال صورة العجل وهي:

  • إله الجنس والخصوبة للتغلب على خوف الفناء والموت في البرية.
  • إله القوة التي تشعرهم بالأمان وعدم الخوف من هجمات الأعداء أو الوحوش في البرية.
  • إله المال الذي يؤمن كافة احتياجاتهم ويجعلهم يتمتعون بالخيرات المادية والثراء وعدم العوز.
  • إله المجد والشهرة فالشعب العبراني ليس أقل شائنًا من الشعوب المحيطة به، بل يتفوق عليها.
  • أخيرًا إله العبادة الزائفة: “فبكَّروا في الصَّباحِ وأصعَدوا مُحرقاتٍ وقدَّموا ذبائِحَ سلامَةٍ وجلسوا يأكلُونَ ويشرَبونَ، ثمَ قاموا يمرَحونَ”.

تُعبر الآلهة عن رغبات البشر الدفينة لشيء ما يعوض النقص الذي يشعرون به. الرغبة في الأمان، الصحة، المال، الجنس، النسل، السعادة. الآلهة هي اسقاطات للصور والأفكار الناتجة من شعور الاحتياج والنقص لأمر ما. هي صور ذهنية، تُشكل معتقدات تتكون داخل الإنسان وتحدد مسلكه في الحياة.

  1. أنت مجرد جسد

كان العجل إلهًا للخصوبة والتفوق في النسل. والقناعة التي يصدرها إبليس للإنسان طول حياته على الأرض إنه فقط جسد، يحتاج غذاء، يحتاج لأن يحصل على المتعة، يحتاج للراحة. كل ما يدور حول الجسد هو مركز حياة الإنسان. وتلك كانت أول تجارب يسوع في البرية:

كان الشعب اليهودي ينتظر المسيا الذي ينقل البشرية إلى مرحلة جديدة اسمها “الدهر الآتي”. ينهي هذا الدهر بكل مآسيه ويبدأ دهرًا جديدًا. هذا الشخص هو المسيا ابن الله. لاحظ عندما التقي فيلبس نَثَنَائِيل قال له “قَدْ وَجَدْنَا مَسِيَّا” عندما اقتنع قال له “يَا مُعَلِّمُ، أَنْتَ ابْنُ اللَّهِ! أَنْتَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ”. نَثَنَائِيل كان يعبر عن تطلعات كل الشعب في تلك الفترة. ذات الأمر عندما قال يسوع لمرتا “أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا”، فردت عليه قائلة له: “أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ، الآتِي إِلَى الْعَالَمِ”. وعندما دخل أورشليم هتفت الجموع قائلة: “مبارك الآتي”. وبعث له يوحنا من السجن ليسأله: “أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر”.

جاء الشيطان إلى يسوع باعتباره ابن الله، فيقول له:  “إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ”. هل أنت الذي ستنهي الدهر القديم وتبدأ الدهر الآتي، الجديد فتخلص الناس وتحقق الخير للناس. إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللهِ فافعل ما أقوله له، تركه يسوع يجربه لكي يفهم الإنسان المسيحي ما هي استراتجية إبليس.

 “فدَنا مِنه المُجَرِّبُ وقالَ له: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً» (متى 4: 3). إن العالم ممتلئ بالحجارة، الناس تريد خبزًا، فهذا احتياجهم الأساسي في الحياة (ما الناس إلا بطون جائعة للخبز)، الناس تريد طعام، هذا احتياجهم، هذا هو رفاهيتهم، إذا آمنّتْ لهم ما تحتاج إليهم بطونهم سيتبعونك لأن هذا هو كل ما يحتاج إليه البشر. (قصة ستالين والدجاجة: قتل ستالين عشرين مليونًا من البشر بعد اضطهادهم، فلم يرضى معاونوه يومًا عن أسلوبه، فطلب دجاجة وقام بنتف ريشها فتعذبت كثيرًا ثم وضع لها بعض الحبوب في يده فجاءت إليه مرة أخرى لتأكل، البشر كالدجاج حتى لو تم إذالهم ثم تطعمهم). إبليس زرع هذه الكذبة إن الإنسان هو مجرد جسد يحتاج إلى طعام، قد تكون هناك معتقدات تسيرنا دون أن تنتبه إليه. فقد يعترض البعض بأنه أكثر من جسد ولكن إذا نظرنا بتمعن ستجد إنك ترفض فكريا وعقائديا ولاهوتيا إن يكون الإنسان مجرد جسد يحتاج إلى طعام، لكنك دون أن تدري تحمل هذا المعتقد داخلك ويسير حياتك دون أن تنتبه.

اهتمام بالجسد

يدعو إبليس هنا إلى الاهتمام بالجسد، أي أن يكون تركيز الشخص على “الجسد”. الاهتمام بكل ما هو وقتي، لا يمت بصلة للأبدي. الاهتمام بهذه الحياة في هذه الدنيا فقط، بالحياة المرتبطة بالجسد والصفات والخصائص المتنوعة للاهتمامات الجسدية. يتضمن الاهتمام بالأمور الجسدية، بالإضافة إلى الاهتمام بالخبز، الاهتمام بالمتع الحسيّة، الجسدية والجنسية من دون الله، والاهتمامات الاجتماعية من دون الله، والاهتمامات الثقافية من دون الله. هذا ما يعنيه هذا التعبير. يقول بولس: “فَإِنَّ الَّذِينَ هُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ فَبِمَا لِلْجَسَدِ يَهْتَمُّونَ وَلَكِنَّ الَّذِينَ حَسَبَ الرُّوحِ فَبِمَا لِلرُّوحِ. لأَنَّ اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ وَلَكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ” (رومية 8: 5- 6).

“اهْتِمَامَ الْجَسَدِ هُوَ مَوْتٌ” عندما يكون لي ذهن جسدي فإني في عداد الموتى الذين يمشون على الأرض. الذين يركزون أذهانهم على الأمور الدنيوية أموات، أموات تجاه العالم الروحي وكل الحقائق الروحية. فإذا كان اهتمام الجسد منصب على المتعة الحسيّة، على الجنس والإباحية، فإن التخيلات الذهنية المتوترة تسجن الإنسان في دائرة مفرغة لا يستطيع أن يخرج منها. إن رهن الذهن للأفكار الشريرة فسوف يؤدى عجز الإنسان عن التخلص منها، رغم جميع المحاولات، إلى معاناة إنسانية كبيرة تتمثل في عدم الثقة بالنفس والشعور بالإحباط للفشل في الخروج من دائرة الفكر الشرير.

يكتب الطبيب النفساني السويسري الفرنسي تشارلز بودوان Charles Baudouin ما يلي: “عندما يعاود انتباهنا إلى الوقوع أسير الأفكار هذا مرة بعد أخرى، فسوف يخيّل لنا أنه ليس بإمكاننا بعد الآن أن نصرف انتباهنا عن ذاك الشيء الذي علقنا به. أما الشيء التالي الذي سوف يحصل فهو أن هذه الفكرة تتجسّد إلى درجة ما بحيث لا نعتقد أنه في وسعنا التحرّر منها بعد الآن. فنرى هنا أن الإيحاء آخذ بالعمل. وعند هذه المرحلة لا يمكننا الآن في الحقيقة أن نفعل أي شيء لتحسين الوضع. لذلك نرى أننا قد قمنا شخصيا وبصورة لا إرادية تقريبا بصنع إيحاء العجز في داخل نفوسنا”.

هكذا كل أمر خاص بالجسد، لذا يقول المسيح في تعليمه على الجبل:

“31فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ 32فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. 33لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. 34فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ” (متى 6: 31- 34).

هذه ليس القضية التي تشغلكم في الحياة، العمر قصير، نظهر على مسرح الحياة كومضات نضمحل بسرعة. والحياة أثمن من أن تضيع بحثًا عن جودة الحياة بالاهتمام بالجسد. فصلواتنا وتضرعاتنا تنصب على أشياء تحقق لنا جوده الحياة وتعبر عن الاهتمام بالجسد: الصحة، المال، النجاحات، الشهادات، في حين يؤكد الرب عنايته بقوله: ” وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ”.

اهتمام الروح

ماذا كان رد المسيح على تجربة إبليس؟ أَجابَه: «مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله» (متى 4: 4). فالإنسان كائن روحي، مخلوق لكي يتواصل مع الله، ولا تشبع روحه إلا بالله، ولا يرتاح قلبه إلا في الله.

الإنسان ليس فقط جسد بل روح. سي لويس يقول:  “لا توجد فيك روح. أنت لست جسد يحتوي على روح، بل روح يسكن في جسد”. بولس كان مقتنع بهذا فيقول: “فَإِنَّنَا نَحْنُ الَّذِينَ فِي الْخَيْمَةِ نَئِنُّ مُثْقَلِينَ، إِذْ لَسْنَا نُرِيدُ أَنْ نَخْلَعَهَا بَلْ أَنْ نَلْبَسَ فَوْقَهَا، لِكَيْ يُبْتَلَعَ الْمَائِتُ مِنَ الْحَيَاةِ” (2 كو 5: 4). شبه بولس الجسد بالخيمة التي نئن تحتها مُثقلين، المشكلة إننا ننظر إننا فقط إلى الجسد: راحة الجسد، ورفاهية الجسد، وتأمين الجسد، وسلامةالجسد.كل هذه الأشياء ليست خطأ، لكن أن نعيش لأجل هذا فقط هو عين الخطأ.

الإنسان روح يسكن في جسد، أو جسد مروحن. خلق الله الجسد على صورته ومثاله، يستحق الراحة والاستجمام واللهو والفرح والاعتناء والعاطفة والحب. كل هذه الاهتمامات المشروعة لكن لا تجب أن تكون هي مركز الحياة. يريد الله أن نقدس الجسد ونهتم به، وأن لا نهمل أجسادنا أبدًا. ولكن يحذرنا أشد التحذير أن نعتبر حياتنا هي مجرد جسد. كافة المخاوف مرتبطة بالجسد، المتعة والألم مرتبطة بالجسد، السعادة التي تسعدنا والمرارة التي تستنزفنا مرتبطة بالجسد، إن الهدوء الذي يريحنا والغضب الذي يدمرنا مرتبط بالجسد، حتى علاقتنا بالآخرين وعلاقتنا بالله مرتبطة بالجسد. لقد صدقنا الإكذوبة بإن الإنسان هو مجرد جسد. الاهتمام بالجسد هو موتٌ.

ثم يضيف بولس: “لَكِنَّ اهْتِمَامَ الرُّوحِ هُوَ حَيَاةٌ وَسَلاَمٌ” (رومية 8: 6ب). عندما يقتنع الإنسان إنه روح متجسد، تكون لديه الحياة الحقيقية والسلام.

تطبيق على بطرس

في اللقاء السابق أشرنا إلى ترك بطرس للمسيح أكثر من مرة وعودته للصيد حرصًا على توفير ما يلزم احتياجات أسرته الصغيرة. اهتم بطرس بأمور الجسد وغذائه وسلامته، إلا إنه بعد القيامة وحلول الروح عليه في يوم العنصرة تبدل موقفه تمامًا. فيخصص بداية رسالته الثانية لكي يحذر المؤمنين من الاهتمام بالجسد أكثر من الاهتمام بالروح. يُلخص هذا التوجه بقوله:

“كَمَا أَنَّ قُدْرَتَهُ الإِلَهِيَّةَ قَدْ وَهَبَتْ لَنَا كُلَّ مَا هُوَ لِلْحَيَاةِ وَالتَّقْوَى (الترجمة الصحيحة: الحياةٌ التقوية)” (2 بطرس 1: 3). فقدرة الله وهبت كل إنسان ما هو يلزم، ليس لأن يعيش حياة جيدة، بل لأن يعيش حياة تقوية جيدة. حياة الروح التي تصيره شريكًا للطبيعة الإلهية: “واللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ. ” (2 بطرس 1: 4).

الاهتمام بالروح يعنى أن يحدث تغير في كينونة الإنسان فيتميز بـ 7 صفات إلهية، عددها بطرس كالتالي: الفضيلة، المعرفة، التعفف، الصير، التقوى، المودة الأخوية، المحبة. تلك الصفات تجعله شريكًا للطبيعة الإلهية، ليس أن يصير إلهًا، بل يمتلك حياة الروح التي لله. عندها فقط يمكن للإنسان أن ينجو من حالة الفساد (أي التحلل والتفسخ) الحادث على المستوى الروحي والأخلاقي والبشري في النفس البشرية. من أكثر الأشياء الملحوظة هي تفتت الإنسان، فأفكاره ومشاعرته لا تتسق مع إرادته، يعاني من الفوضى. أفضل شيء يصل إليه الإنسان أن يصير في اتساق مع ذاته، فلا توجد صراعات بين الإرادة والعقل والمشاعر، التي كان فيها آدم قبل السقوط، وتجسد يسوع لأجل أن يعيد كل شيء إلى اتساقه. هذا التفسخ هو ما نسميه الموت الروحي.

يبقى السؤال الأهم: هل أعطي الروح نفس اهتمام الجسد؟ كم أبذل من الجهد لإطعام روحي؟ 

أنت تحتاج لفحص الروح، كما تفحص الجسد بانتظام. نصوم لأجل تجويع الجسد، لكن ما هو المجهود المبذول لإشباع الروح. من الممكن أن يكون هناك ميكروبات أو أمراض أو سرطان يحتاج إلى علاج. القلق الذي أعشيه ممكن أن يرجع لسبب جراثيم في الروح. يقول أشعيا: “وَيلٌ لي، قد هَلَكتُ لِأَنَّي رَجُلٌ نَجِسُ الشَّفَتَين”. هذا أعراض مرض روحي يمكن أن يقضي على الإنسان، فطار إليه السرافيم وطهره. وعندما سمع صوت يقول مَن أرسل صرخ أشعيا، بعد أن فحص روحه، ها أنا.

إذا كان إلهي هو الاهتمام بالجسد، فأنا مدعو لكي أفحص حياتي، لأننا مدعوين لا لنعيش في الجسد، وتدور حياتنا حوله، بل أنا روح متجسد، روح لأن الله ساكن فيَّ. لا يجب أن “نفسخ” الإنسان بين جسد وروح، فيجب أن نكرم أجسادنا لأننا هياكل الروح القدس، نصبح بالعماد أولاد الله بالتبنى. هل يمكن لهذا الجسد العائش والذي خلقه الله، والذي هو معدّ للقيامة والمعمّد «كهيكل للروح القدس» هل يمكن لهذا الجسد الذي تبناه الله، ان لا يحمل قيماً ومعاني وحقائق إلهية سامية داخل حياتنا المسيحية اليومية، قيم تتخطى كونه “تراب والى التراب يعود”.

هكذا ويُكمل بولس تعليمه إلى الرومانيين بقوله: “وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِناً فِيكُمْ. وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ” (رومية 8 :9).

قد يعجبك ايضا
Loading...