إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

لا تسرق (1): الخيرات للجميع

271

مقدمة:

(متى 5: 21- 24). “فإِذا كُنْتَ تُقَرِّبُ قُربانَكَ إِلى المَذبَح وذكَرتَ هُناكَ أَنَّ لأَخيكَ علَيكَ شيئاً، فدَعْ قُربانَكَ هُناكَ عِندَ المَذبح، واذهَبْ أَوَّلاً فصالِحْ أَخاك، ثُمَّ عُدْ فقَرِّبْ قُربانَك. سارعْ إِلى إِرضاءِ خَصمِكَ ما دُمْتَ معَه في الطَّريق، لِئَلاَّ يُسلِمَكَ الخَصمُ إِلى القاضي والقاضي إِلى الشُّرطِيّ، فتُلْقى في السِّجْن. الحَقَّ أَقولُ لَكَ: لن تَخرُجَ مِنه حتَّى تُؤدِّيَ آخِرَ فَلْس.

القتل يكون بتهميش الآخر، بلا مبالاه تجاهه، كرئيس الكهنة الذي تذكر إن هناك شخصٌ أهملته، شخص لا أرتبط به مباشرة، ولكن من الممكن أن لا يشعر بالسلام. هذا التهميش هو أكثر جرمًا من القتل العمد. يضيف يسوع: سارع لإرضاء خصمك وأنت في هذه الحياة. “لا تقتل” إذن أن “تحب”.

إذا فكرت مليًا، فإن جميع الذين لا يحبونك، يقتلونك في واقع الأمر. الأشخاص الذين لا يقبلونك يقتلونك. أولئك الذين أظهروا لا مبالاه تجاهك، عدم اهتمام يسلبون منك الحياة. هنا لا يتكم يسوع عن ضرورة حفظ الحياة ويجعلها هي الوصية الأساسية، فليس من حقك أن تسلب الحياة من شخص ما، فالله هو سيد الحياة والموت. من الممكن أن أحترم الحياة، ولا أتعدى على شخص آخر أبدًا، لكن حياة الآخرين لا تعنيني في شيء. كل ما يفعله الأخرون يخصهم وحدهم.

الحقيقة التي يؤكدها يسوع، إن عدم الاهتمام يقتل، عدم القبول يقتل، اللامبالاه تقتل. عندما تقوم بهذا فأنت قاتل نفس. إذا كانت علاقتك بأحد الأشخاص هي سطحية للغاية فأنت تقتله، خاصة إذا كنت تمثل له قيمة في الحياة. أليس حقيقي إن كل الذين أهملوك من الأهل والأصدقاء قد قتلوك؟ كل الذين لم يحبوك قد قتلوك؟

لقد مَررنا جميعًا بخبرات للموت عندما رفضنا البعض، عندما لم يحبنا الآخرون، دفعونا لنصبح مرائيين، لنرتدي أقنعة نختفي خلفها، لنعيش تحت ضغط مستمر وفي قلق دائم. فقط الحب هو الذي يحمي الإنسان من القتل. إذا لم أقبل أخي فأنا قاتلٌ، عندما أرفض شيئًا ما سأترك داخله جرحًا عميقًا يرافقه طوال حياته.

ما هو الحب؟ أنت تُحب متى كنت قادر على اِعطاء الحياة للآخر. في هذ اللحظة بالذات تعيش هذه الوصية “لا تقتل”.  بكلمات أخرى أقول لك:  فى كل مرٍة تدافع فيها  عن حياتك، فأنت تقتل.  في كل مرةٍ ترفض أن تساعد آخر في مشكلته وتقول لن ألوث يدي معه، فأنت تقتل. متى وقفت متفرجًا أمام ألم أخٍ يتعذب  ولا يعيش في سلام فأنت ترتكب جرمًا أكثر بكثير من القتل.  الحب هو الطريقة الوحيدة لتحفظ الوصية: “لا تقتل”.

فالعلاقة الوحيدة الصحيحة مع القريب هي المحبة

كيف لك أن تحب الآخر؟

في الوصية السادسة: تحب بواسطة الجسد. فجسدك هو إداة للحب. فجسدك يُشبه سفينة تُبحر بها من ذاتك إلى الآخر، فتعبر عن حبك له. إذا لم يصل حبك لعطاء الذات للآخر فهو حبٌ كاذب ومزيف.

لا تزني فأنت مدعو إلى من خلال جسدك للتعبير عن الحب.

أنت خُلقت على تلك الصورة الكاملة لله التي يمكن أن تتحقق في العائلة. ما هو النموذج التي دُعيت العائلة إلى تحقيقه في الحياة؟. يكشف صليب المسيح سر العائلة الخاص، النموذج الذي شُكلت العائلة على أساسه. بالنظر إلى الصليب نملك خريطة العائلة، سرها الخاص. ماذا ترى في الصليب؟ ترى نموذج للإنسان المحب، الذي يُعطى ذاته للآخر، حب لامتناهي الذي لا يَّضن بالحياة من أجل المحبوب. فالعائلة هي مكان مُعطي من الله، مُبارك من الله، حيث يَّظهر حب يسوع المسيح، حيث يُعطى الحب للآخر دون حدود.

تأتي الوصية الخامسة، لا تقتل، لتُظهر شريعة الحب تجاه القريب، لتجد عمق معناها في الوصية السادسة لا تزني. فالعائلة هي مكان المسيحي الذي يُحّب إلى درجة عطاء الذات. من الخطأ تصور الزواج كمكان أخذ منه شيء ما، كالسعادة أو المتعة، سأشبع فيه نزواتي الأنانية. لهذا هناك عائلات تعاني كثيرًا اليوم. لكنه عطاء الذات للآخر شيء ليس سهلاً أبدًا.

الكلمة السابعة: “لا تسرق”

في لقاءات الكلمة السادسة خَلُصنا أن الإنسان يُعبر عن حبه من خلال تعبيرات الجسد، خاصة الجنس. فلا حياةً دونَ حُب. فأعمق احتياجات الإنسان هي أن يُبادل آخر الحب فنحن مخلوقين لأجل الحب، لذا فهو مدعو لحبٍ أكثر عمقًا من الجانب الجسدي، حبٍ يمتدُ إلى النفس، إلى علاقة تذهب أبعد حيث المستوى النفسي والروحي. حيثُ لا ينجذب الإنسان إلى جسد آخر، بل إلى فكره ومنهجه في الحياة ثم يتقاسم معه رحلة الحياة وسعى كل منهما إلى أن يدرك المعنى من الوجود والتوق إلى حياة أبدية مع الآخر.

تأتي الكلمة السابعة لتُكمل ما خَلُصنا إليه في الوصية السادسة. يقول الوحي الإلهي: “لا تسرق”!!

ماذا يقصد الوحي الإلهي بالنهي عن السرقة؟

في الغالب تعنى عدم الاستحواذ على شيء ليس لك. لا تسلب شيء يمتلكه آخر. لكن هل هذا هو المقصود بالوصية؟!

دعونا نذهب إلى العمق أكثر. هل ما تتم سرقته هي فقط الممتلكات، الأشياء الملموسة؟! يمكن سرقة الكرامة الشخصية، يمكن سرقة حريته، مشاعره، حياته.

اللفظة العبرية “غّنب” لا تعني فقط “سرق”، بل هي تشمل كل المجال الذي تشير إليه الألفاظ “اغتصاب”، “نهب”، “سَّلب”، “خداع”. فهي لا تتعلق فقط بالثروات المادية، بل، وقبل كل شيء، بجريمة احتجاز أشخاص، وسرقة كرامتهم وحريتهم. الأمر يتعلق بحرية الإنسان، فهي أولى المقتنيات التي تحميها الوصية السابعة.

“لا تسرق” يعنى لا تسلب، أو تستحوذ، أو تغتصب شيء ليس لك. هذا الشيء يمكن أن يكون ماديًا، ولكن يمكن أيضًا أن يكون معنويًا!! لنذكر بعض الأمثلة: السعادة، الثقة، الزوجة، الوقت، الطعام، السلام.

عندما تحُصر السرقة في الأشياء المادية فأنت تخدع نفسك!

ماذا تقول الكنيسة الكاثوليكية؟ دعونا نرى حالة غريبة: لنقرأ في البداية العدد 2408

“تمنع الوصية السابعة من السرقة أي اغتصاب مال الآخرين خلاف للإرادة المالك المعقولة. وليس هناك سرقة إذا أمكن افتراضُ الرّضى أو إذا كان الرفض مخالفًا للعقل ولكون الخيرات معُدة للجميع. تلك هي حال الضرورة الملُحة والواضحة حيث الوسيلة الوحيدة لتأمين حاجاتٍ فوريّة وأساسية (غذاء، ملجأ، كساء..) هي في التصرّف بأموال الغير واستعمالها”.

ماذا تعنى عبارة: “خلاف لإرادة المالك المعقولة”؟ هل هناك حالات تستخدم فيها ممتلكات آخر ولا تُعد سرقة.

” وليس هناك سرقة إذا أمكن افتراضُ الرّضى أو إذا كان الرفض مخالفًا للعقل ولكون الخيرات معُدة للجميع”.

لا توجد سرقة إذا أمكن افتراضُ الرّضى…” لقد تعطلت سيارتي و اضطررت للتوجه إلى العمل، هناك أخي الذي يعيش في الطابق السفلي وترك لي مفاتيح سيارته، وأنا أعلم أنه لا يستخدم السيارة للوصول إلى عمله، أنا أعلم أن أخي قد سبق أن قال لي: “بالطبع ، يمكنك أن تأخذ سيارتي”، ثم دون أن أطلب إذن منه، لأنه غائب في عمله، سأخبره في أقرب وقت بأن أضطررت لأخذ سيارته. هل هذه سرقة؟ فأنا أفترضتُ رضاه عن أخذي لسيارته لأنه سبق أن قال هذا وترك مفاتيحها معي.  “ليس هناك سرقة إذا أمكن افتراضُ الرّضى أو إذا كان الرفض مخالفًا للعقل ولكون الخيرات معُدة للجميع”.

طرح الكنيسة الكاثوليكية غريب. والأغرب هو الجملة التالية التي تنص على: “يمكنك استخدام الخيرات المملوكة لآخر، حتى إذا رفض المالك إذا كان رفضه مخالفًا للعقل ولكون الخيرات هي مُعدة للجميع”. فهل الخيرات الخاصة مُعدة للجميع؟!!!

“هذه هي حالة الضرورة الملحة والواضحة التي تكون فيها الوسيلة الوحيدة لتلبية الاحتياجات الفورية والأساسية للتغذية والمأوى والملابس … هي استخدام خيرات مملوكة للآخرين”.

ماذا تقول؟ ليس هناك سرقة إذا كان الرفض مخالف للعقل وفي حالة الضرورة القصوى والواضحة يرفض المالك أن يعطي شيئًا لانقاذ شخص مُشرف على الموت، أو جائع لا يجد الطعام الكافي، فيطلب من المالك الذي يرفض.

منطقيا، إذا حاولت أولا بالطرق العادية، حاولت أن تطلب وتسأل أن يعطيك شيء، تكون سرقة عندما لا تسأل، فالسارق لا يسأل أولا ويستأذن في أن يحصل على شيء. لكن إذا كان نصيبك الرفض بصورة مخالفة للعقل ولكون الخيرات هي مُعدة للجميع، فلا توجد سرقة إذا حصل السأل على الطعام اللازم ليبقيه حيًا.

أي في حال كنتُ جائعًا وطلبت منكَ أن تعطيني أن أأكل ولكنك رفضت، فإذا سرقتك فأنا لا أخالف وصية “لا تسرق”.

فإذا أفترضنا أن أحد العائلات النازحة من ليبيا راغبةً في أن تصل إلى إيطاليا هربًا من الاقتتال والجوع، لكنها ضلت الطريق بسبب عاصفة شديدة دفعتها إلى الساحل الشمالي بجوار مطروح، حيث فيلاتك الفاخرة، التي تقضى فيها أسبوعين في السنة. لم يكن لهما مأوى آخر فلجأ إلى اقتحام فيلاتك. هما نازحين من بلاد بعيدة لكن ليس لهما مأوى أخر سوى الفيلا، زوجته وأطفاله في خطر الموت فاقتحموا الفيلا.

في عرف القانون المدني هذا اقتحام وأغتصاب لمسكنك دون وجه حق. لكن بالنسبة للكنيسة ليس كذلك!! فإذا كنت قد حاولت بطرق أخرى “شرعية أو قانونية” لأجل تجنب اقتحام المكان ولم أستطيع، فماذا أفعل؟

في تقليد الكنيسة فإن سرقة الطعام أو الملبس، في حالة الضرورة المُلحة والتي تكون هي الوسيلة الوحيدة لتلبية تلك الاحتياجات الحياتية  لا تعد سرقة وليست خطيئة. هذا ما لخصه تعليم الكنيسة في البند 2408: “تلك هي حال الضرورة الملُحة والواضحة حيث الوسيلة الوحيدة لتأمين حاجا ت فور ية وأساسية(غذاء، ملجأ، كساء..)”.

ينص تعليم الكنيسة على القول: “لكون الخيرات معدّة للجميع”. ففي الكتاب كافة الممتلكات تُعتبر عطايا يهوه، الخالق الذي وهب الأرض، وهذا هو السبب الذي يحمي الملكية من مصادرة البعض لها، والاعتقاد بملكيتها بصورة حصرية بعزل عن حقوق الغير واحتياجاته. وتذكر النصوص المختلفة إسرائيل بذلك: ففي كلّ سبع سنوات هناك “السنة السبتيّة”، التي لا ينبغي أن تُحرث فيها الحقول، وما ينبت فيها هو ملك الفقراء. وكل من أقرض قريبه فلا ينبغي أن يطالبه بردّ دينه (تثنية 15: 1ي). وكل خمسين سنة، تكون “سنة اليوبيل” فتُعاد الأملاك المتنقلة لدواعي الضرورة إلى مالكها الأول. هذه الشريعة المثالية قلما طُبقت في إسرائيل، غير أنها تذكر، مع ذلك، بأن الملكية مال وهبه يهوه. المالك لجميع الخيرات.

الملكية الخاصة

هذا ما تنص عليه تعاليم الكنيسة الكاثوليكية في البند 2403:

“ان الحقّ في الملكيّة الخاصة المقتناة، أو المقبولة من الآخرين بطريقة عادلة، لا يُبطل  إعطاء الأرض في الأصل للبشريّة جمعاء. فكون الخيور معدّة للجميع يبقى أوليًّا، وإن كان تعزيز الخير العام يقتضي احترام الملكيّة الخاصّة، وحقّها وممارستها”.

إن الحق في الملكية الخاصة، المُكتسبة من خلال العمل، أو المُورثة بالميراث، أو المقبولة كهدية لا يُبطل رغبة الخالق في أن يمنح الأرض للبشر أجمعين وكون الخيرات هي للجميع. إن ما تملكه لا يخصك وحدك بل يخص أيضًا آخرين. ليس خطأ أنك تملك ما لديك الآن، لكن المشكلة في أنك قد لا تعرف السبب الإلهي وراء أنه أتاح لك ملكية تلك الممتلكات في حين يتضور الآخرين جوعًا. ليس فضل منك أنك وُلدت في أسرة غنية أو متوسطة الحال تكفل الاحتياجات الأساسية للحياة، لكن هناك آخرين وُلدوا في أسر معدمة ولا يجدون المأكل والمشرب المناسب.

مشكلة الفقر

إن أكبر مشكلة تواجه العالم بأسره اليوم هي الفقر. لكن سأقصر حديثي على فقراء مصر. فوفقًا للتقارير الرسمية للحكومة المصرية، الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن نسبة الفقر زادت من 27.8% في عام 2016 إلى أكثر من 31% في نهاية 2017. أكثر من 30 مليون مصري لا يستطيع توفير احتياجاته الأساسية الغذائية والغير غذائية ( المتمثلة في: المأكل ، المسكن ، الملبس ، الصحة ، التعليم ، المواصلات ، الاتصالات) وهناك أكثر من 6 مليون في فقر مدقع (أي عدم قدرة الفرد أو الأسرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية).

هل تعاني البلد من ندرة في مصادر الدخل؟ الإجابة واضحة تمامًا، هناك مشكلة في توزيع الدخول. هناك البعض الذي يموت من الجوع والبعض الآخر الذي يعيش في ترف مبالغ فيه. ليس المشكلة هي زيادة عدد السكان، فالمدن الكبرى مكتظة بالسكان، لكن هناك سوء في التوزيع وغياب الرؤية والتخطيط، وفساد مالي وسياسي وراء تفشي ظاهرة الفقر. الموارد تكفي للعيش الجيد لكن هناك مشكلة في التوزيع. ليس في مصر وحدها بل في العالم كله. فالفقراء المحتاجين في بلد من البلاد يقابلهم رجلٌ واحد، مليونير يكتنز الكثير من الأموال إلى التخمة. فإذا احتاج هؤلاء الفقراء ولجأوا إلى الرجل ورفض في سداد حاجتهم، فإن الاستيلاء على حاجاتهم الأساسية منه لا تُعد سرقة وفقًا لتعليم الكنيسة الكاثوليكية.

فالمبدأ الأول للعقيدة الاجتماعية الكاثوليكية في الملكية أن خيرات الأرض مخصصة للجميع. فالله خالق الأرض، بكلّ ما تحتوي عليه، من أجلٍ كل البشر وكلّ الأجيال. لذلك، فالبشر بأسرهم لهم الحق الأصلي بأن يتمتعوا بخيرات الأرض التي لا يحوز أن يُحرم أحدٌ منها. وواجب الجماعة أن تضمن كلّ واحد منها، على الأقل، الحدّ الأدني من الإمكانيات لاستخدام هذه الخيرات، فيتاحَ له أن يعيش عيشًا كريمًا[1].

أشعيا 5: 8 وَيلٌ لِلَّذينَ يَصِلونَ بَيتاً بِبَيت ويَقرِنونَ حَقلاً بحَقْل حتَّى لم يَبقَ أَيُّ مَكان فتَسكُنونَ وَحدَكم في وَسَطِ الأَرض. 9 على مَسمَعٍ مِنّي أَقسَمَ رَب، القوات: إِنَّ بُيوتاً كَثيرةً ستُخرَب عَظيمةً وجَميلةً مِنها تَبْقى بِغَير ساكِن. 10 فعَشرَةُ فَدادينَ كَرماً تُخرِجُ بَثّاً واحِداً وبَذرُ عُمِرٍ يُخرِجُ إيفَة.

ليس معنى هذا إن الكنيسة تنفي الملكية الخاصة ولا تعترف بها، بل إن الملكية هي حق شخصي مكون للحرية الشخصية التي بها ينظم الإنسان حياته وحياة أسرته بطريقة مسئولة. فمن دون الملكية الخاصة يكون الإنسان محدودًا في حريته.

إلا إن الملكية الخاصة ليست معناها أن يتصرف الإنسان على هواه، بل عليه تنظيمها وفقا للمبدأ الأول في إن خيرات الأرض هي لجميع الناس. وفي ذات الوقت لا يمكن نزع حقوق الملكية الخاصة من أصحابها، بل تقرر كل حالة على حدة. والقرار بهذا الصدد يتعلق بالسلطة التي تقع عليها مسؤولية الخير العام.

تعليم الكنيسة الكاثوليكية 2404:

لذلك لا يظنن الإنسان بإستعماله الخيرات، إن ما يملكه بطريقة مشروعة لا يخص سواء ولكن فليعتبره مشتركاً: وهذا يعني ألا يعود بالنفع عليه فقط بل على الآخرين أيضاً. “إنّ ملكّية خيّر ما تجعل من يحوزه مُدبرًا من قبل العناية الإلهية لاستثماره وإيصال حسناته إلى الغير، وأولا إلى الأقارب”.

لا تنكر الكنيسة الملكية الخاصة، وليس هناك خطأ أبدًا في أن يمتلك الإنسان خيرات له، ولكن هذا ما تقوله الكنيسة:

إنّ ملكّية خيّر ما تجعل من يحوزه مُدبرًا من قبل العناية الإلهية لاستثماره وإيصال حسناته إلى الغير، وأولا إلى الأقارب”.

فالملكية الخاصة تجعل من الشخص مدبرًا من قِبل العناية الإلهية لاستثماره لصالح الخير وأولا إلى اسرته.

ماذا تعني كلمة “لا تسرق”؟

كنت تظّن أن السرقة متعلقة بممتلكات الخير فالوصية تنهي على المساس بها! لكن المشكلة هي علاقتك أنت مع ممتلكاتك الشخصية!!

ماذا تقول تعليم الكنيسة؟ إن كل ملكية لا تستخدمها وفقًا للعناية الإلهية، وفقًا لمشيئة الله فأنت تسرقها!

هذه ليست مشكلة خارجة عنك، لا تمس حياتك الواقعية، لأن الاستخدام الصحيح الوحيد للملكية الشخصية هو وفقًا لإرادة الله. فكل شيء يمكن استخدامه استخدام صحيح ويمكن استخدامه بصورة خاطئة. كالكرسي الذي أمامنا الآن، يمكن استخدامه رأسًا على عقب.

استخدامك لممتلكات بصورة خاطئة لن تعطيك السعادة التي يمكن أن تنالها إذا اُستخدمت وفقًا للعناية الإلهية.

هنا نكتشف معنى الوصية السابعة: أن تُحب من خلال ملكيتك للخيرات.

الطريقة الوحيدة الصحيحة هي أن تستخدم الخيرات المملوكة لك لأجل الحب. فكل استخدام للخيرات بعيدًا عن الحب هو بمثابة سرقة.

كل الخيرات المملوكة لك، أي لا تنفي الكنيسة ملكية الخيرات بصورة شخصية، ولا تقول لا يجب عليك أن تملك الخيرات، بل تُعلم الكنيسة كيف تستخدمها، وهذه هي المشكلة.

ما معنى أن تُحب. ليست القضية هنا أن تكون غني أو فقير، القضية هي أن تحب الآخرين وتعبر عن حبك لهم من خلال استخدام الخيرات المملوكة لك. فالاستخدام الوحيد والصحيحة للخيرات هي أداة، كالجسد في الوصية السادسة، تُستخدم لتحب القريب.

منذ سنوات صدر قرار من الرهبنة بغلق مدرسة مجانية، مدرسة الطويرات، التي كانت تضم وقتها 300 تلميذ وأكثر من 40 موظف ما بين المدرسين والإداريين والعمال، بسبب التكاليف الباهضة التي تتكبدها الرهبنة كل سنة. إلاّ إنه عند التطبيق تنبه المسئولين على أن هناك 40 أسرة ستشرد، بالإضافة إلى 300 تلميذ سيبحثون عن مدارس أخرى ويتحملون مصروفاتها. كان قرار صعب، إلا إنه تم العدول عن القرار لأن هناك عائلات وتلاميذ متضررين، مهما كانت التكلفة.

المشكلة ليس في كم تملك، لكن كيف تتصرف في ممتلكاتك.

البعض منكم يشتكي بأن ممتلكاته قليلة، لكنه يستخدم القليل الذي لديه بصورة خاطئة، والسعادة في استخدامه للخير.

كل الخيرات التي لا تستخدمها للتعبير عن الحب للآخرين، كل الممتلكات والأموال، سيارتك، لا بد أن تسأل أولاً عن الدافع الذي يحرك عند استخدام الأشياء.

أنت مخطئ إذا لم تستخدم كل ما لديك للتعبير عن محبتك للآخرين. أنت تخطئ ضد وصية لا تسرق متى لم تستخدم ممتلكاتك وفقا لإرادة الله ومشيئته.

حياتك كذبة كبيرة لأنك تستخدم الأشياء بطريقة سيئة. أسال نفسك: ما هي علاقتك بالأشياء وكيف تستخدمها؟ لديك فكرة عن ذاتك بأنك كريم وسخي مع الفقراء، أنك شخص جيد لأنك تساعد البعض، لا بدّ أن تعيد حساباتك من جديد. إذا لم تستخدم كل الخيرات المتاحة لك وفقًا لإرادة الله فأنت تسرق. ولهذا فأنت غير راضي عن حياتك.

إذا كانت علاقتك متوترة ومتألمة مع الأشياء التي تمتلكها، إذا كنت تحسد الآخرين، غير راضي عما تملك، والأشياء تتركك دائمًا في قاع الاستياء ولا تبدو الأشياء مناسبة لك. لماذا؟ لأن استخدامك للممتلكاتك يتم على نحو خاطئ.

أذكر إن الملكية الخاصة هي حق لكل شخص، لكنها أيضًا هبة من الخالق عليك أن تديرها بصورة جيدة وفقًا لإرادته الإلهية.

ماذا نقصد باستخدام الممتلكات وفقًا لإرادة الله؟

تعليم الكنيسة الكاثوليكية 2446:

“يذ كر بذلك القديس يوحنا الذهبي الفم بشدّة قائلا : “إنّ الامتناع عن جعل الفقراء يشاركون في خيراتنا الخاصة، هو سرقةٌ لهم واستلابٌ لحياتهم. والخيرات التي نحوزها ليست لنا وإنما هي لهم”. “لا بدّ أوّلا من تلبية مقتضيات العدل، خوفًا من أن نهب كعطيّة محبّة ما هو واجبٌ من باب العدل”.

“عندما نعطي الفقراء الأشياء التي لا غنى عنها، فنحن لا نجود عليهم بهباتٍ، ولكن نعيد إليهم ما هو لهم. إننا نقوم بواجب عدالةٍ أكثر م ما نقوم بفعل محب” (غريغوريوس الكبير).

هناك قول شائع: “من ينكر شيئًا يحتاجه شخص فقير فهو قاتل”.

“لا تسرق” إذن تعنى أن تُعبر عن محبتك للآخرين عن طريق الخيرات المملوكة لك. السرقة هي أن تستخدم ممتلكاتك لصالح ذاتك فقط… أن تتمركز حول ذاتك فقط.

هذا هو تعليم الكنيسة الكاثوليكية الذي لا يركز على العدل أكثر مما يركز على الإرادة الإلهية.

[1] جرت أحداث هذه القصة في نيويورك عندما كان حاكمًا يدعى “لاجارديا” LaGuardia كان مشهوراً بالحزم والعدل والإنسانية أيضًا.  ذات يوم وقف أمامه رجل عجوز متهم وهو يسرق رغيف خبز… وكان الرجل يرتجف خوفًا ويقول أنه أضطر ليسرق الخبز، لأنه كان سيموت جوعًا، وقال له الحاكم: “أنت إذًا تعترف أنك سارق وأنا لذلك أعاقبك بغرامة 10 دولارات، وساد المحكمة صمت مليء بالدهشة قطعه الحاكم بأن أخرج من جيبه 10 دولارات أودعها في خزينة المحكمة… ليجمع في ذلك بين العدل والرحمة… ثم خاطب الحاضرين وقال: هذه ال10 دولارات لا تكفي بل لابد أن يدفع كل واحد منكم 10 دولارات لأنه يعيش في بلدة يجوع فيها رجل عجوز ويضطر أن يسرق رغيف خبز ليأكل… وخلع القاضي قبعته وأعطاها لأحد المسؤولين فمر بها على الموجودين وجمع غرامتهم التي دفعوها عن طيب خاطر وبلغت 480 دولار أعطاهم الحاكم للعجوز مع وثيقة اعتذار من المحكمة…

قد يعجبك ايضا
Loading...