إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

ميزان الحسّانات

939

كلام الرب يسوع عن الدينونة الأخيرة مرعب: ستُظلم الشمس ولا يعطى القمر ضوءًا، وتتساقط النجوم من السماء وتتزعزع قوات السموات، زلازل وبروق يثير الخوف في النفوس ويبث الرعب في القلوب. ثم يأتي الحساب وتظهر حقائق الأعمال. يأمل البعض في هذا اليوم المخيف أن تكون أعماله صالحة فلا يتعرض إلى العقاب الأبدي.

يخشى كل منّا هذا اليوم فيستعد له: يطبق البعض الوصايا الكتابية، ويصنعون الخير للآخرين، يسعون إلى تجنب الخطايا المميتة حتى يكونوا صالحين فلا يتعرضون إلى العقاب والعذاب الأبدي، هكذا صرخ الغني في المثل الذي يجمعه بلعازر: “يا أبتِ إِبراهيمُ ارحَمنْي فأَرسِلْ لَعاَزر لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصبَعِه في الماءِ ويُبَرِّدَ لِساني، فإِنِّي مُعَذَّبٌ في هذا اللَّهيب” (لوقا 16: 24).

لكن هل الهدف هي أن تنجو بنفسك من العذاب والهلاك الأبدي؟!

تحضرني قصة الكاتب الروسي الكبير دوستويفسكي عن المرأة التي ماتت وذهبت إلى الجحيم. وإذ هي مرتبكةٌ بالحالة التي انتهت إليها، تحدّت السموات لتعطيها سببًا لماذا هي هناك. وإذ سمعَ القدّيس بطرس صرخات تظلمها تكلم إليها قائلاً: “أعطني سببًا واحدًا لماذا ينبغي أن تكوني في السماء”. فتوقفت، راجعت، فكرت مليًّا، ثم قالت: “يومًا ما أعطيتُ جزرة لمتسول”. فتحقق بطرس من السجل ورأي أنها فعلت ذلك حقًا، كانت جزرةّ جافة وقديمة وفاسدة، لكن مع ذلك فهي جادت بها. فأخبرها بطرس أن تنتظر ريثما يساعدها لتصعد، ثم أخذَ سلكًا طويلاً وربطَ إلى طرفه جزرة ودلّاها لها إلى الجحيم لتتمسك بها، فتعلقت بها وبدأ هو بسحبها. فرآها الآخرون تختفي تدريجيًا من وسطهم، فتمسّكوا بكاحليها عساهم ينتقلون أيضًا، وإذ استمرّ المزيد من منهم بالتعلق، بدأ السلك بالهبوط فصرخت بكل ذرة في كيانها: “اتركوني، هذه جزرتي وليست جزرتكم”، وحالما قالت ذلك انكسرت الجزرة.

نصنع خيرًا لأجل الآخرين ونحن لا نفكر فيهم وإنما نفكر في أنفسنا، نسعى أن ننجو من الهلاك الأبدي. نحب الآخرين لأجل أن نستحق محبتهم. نعطي صدقة من أموالنا لأجل أن يحتسب الله لنا ما نصنع. لكن جميع تلك الأعمال هي لنفسي، ولكي أنجو أنا من الهلاك الأبدي، واستحق المكافأة الأبدية، النعيم والفردوس أو الجنة، أي كان اسمها.

حتى أفضل الأفعال قد تكون لخدمة الذّات، جميعنا يحتاج إلى النعمة. فما أظن إنه عملاً صالحًا سيقودني إلى الصلاح، إذا وضعته تحت مكيرسكوب نعمة الله، سأرى جرائيم الأنانية ومحبة الذات، سأرى عالم أخر من شخصيتي لم أفطن إليه يومًا. كلنا نحتاج نعمة الله لندخل إلى محضره. لا أحد أكثر صلاحًا أو فضيلة من أن يحتاج نعمة الله، ولا أحد صالح كفاية ليملك حق أن يقول إنه صالح. “لا صالِحَ إِلَّا اللهُ وَحدَه” (لوقا 18: 19) فالصالح هو الله وحده، أما نحن في حاجة إلى نعمته.

المعيار الأساسي إذن ليس في أنك صنعت الخير، لكن في الهدف من صناعتك الخير. هل تصنع الخير لأجل نفسك أم محبةً في الآخرين؟ هل ترغب في خلاص نفسك أم تهلك نفسك لأجل الآخرين؟

لقد قبل المسيح أن يُكسر لأجل الآخرين، أعطى ذاته في شكل خبز لكي يحيا به الناس. أصبح خبزًا مكسورًا يعيش به الآخرين. إذا كان هدف أعمالك أن تكون خبزًا مكسورًا للآخرين، فأنت في آمان من ذلك العذاب الأبدي.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.