إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

لا تسرق (3): مَن لا يعمل لا يأكل

1٬171

في لقاءنا الأول تطرقنا إلى أن السرقة ليست متعلقة بممتلكات الغير التي يمكن أن “تسرقها” لنفسك. فالوصية لا تنهي عن المساس بها، لكنها تنهي عن الاستخدام الخاطئ للممتلكات الشخصية الخاص بك وليس بالآخرين. ينص تعليم الكنيسة الكاثوليكية 2404 على: “لا يظن الإنسان إن ما يملكه بطريقة مشروعة لا يخص سواه ولكن فليتعبره مشتركًا.  وهذا يعني ألا يعود بالنفع عليه فقط بل على الآخرين أيضاً. “إنّ ملكّية خيّر ما تجعل من يحوزه مُدبرًا من قبل العناية الإلهية لاستثماره وإيصال حسناته إلى الغير، وأولا إلى الأقارب”.

فكل خير يمكن استخدامه بصفة شخصية أنانية ومن الممكن استخدام لخير الجميع. هكذا خلق الله الكون، فهناك مناطق لا يمكن فيها زراعة الأرز مثلا، أن الأرز هو القاعدة الغذئية لكثير من الناس على هذه الأرض. القمح ليس في كل مكان ولكنه غذاء الجميع. فالخيرات هي لاستخدام الجميع، لأن تعبر عن الحب تجاه الآخرين، وكل استخدام للخيرات بعيدًا عن الحب هو “سرقة”. فالتعبير عن الحب يكون بطرق مختلفة، في هذه الوصية، من خلال الخيرات المادية المملوكة لك. فالاستخدام الوحيد والصحيح للخيرات هي آداة، كالجسد في الوصية السادسة، تُستخدم للتعبير عن الحب للآخرين.

يذكر تعليم الكنيسة الكاثوليكية، العدد 2446 بتعليم القديس يوحنا الذهبي الفم: “: “إنّ الامتناع عن جعل الفقراء يشاركون في خيراتنا الخاصة، هو سرقةٌ لهم واستلابٌ لحياتهم. والخيرات التي نحوزها ليست لنا وإنما هي لهم”. “لا بدّ أوّلا من تلبية مقتضيات العدل، خوفًا من أن نهب كعطيّة محبّة ما هو واجبٌ من باب العدل”. كذلك بتعليم القديس غريغوريس الكبير: “عندما نعطي الفقراء الأشياء التي لا غنى عنها، فنحن لا نجود عليهم بهباتٍ، ولكن نعيد إليهم ما هو لهم. إننا نقوم بواجب عدالةٍ أكثر م ما نقوم بفعل محب”.

الخلاصة: كل ملكية مادية، كل خير مادي، هو لأجل الجميع، لكنه أُعطى لواحد فقط، وهذا عليه أن يتولى توزيعه على الجميع. إذا لم تستخدم الخيرات المادية وفقًا للعناية الإلهية، فأنت تسرقها!

“لا تسرق” تعنى “أن تحب الآخرين وتعبر عن محبتك لهم من خلال خيرات المادية”

في اللقاء الثاني تحدثنا عن الشيء الذي يشغل معظم وقتك، ثلث حياتك على الأرض تقريبًا، “العمل”. كنا نتصور إن الوصيات العشر لا تتحدث عن العمل ولا تلمس هذا الجانب المهم في الحياة، لكن دعنى أسالك مرة أخرية: “لماذا تعمل؟

بعيد عن الأفكار التيوتيبا بأن أعمل شيء مفيد للآخرين، أو لتحقيق الذات وأشعر بالقيمة في الحياة، ففي العمق الجميع يعمل من أجل المال، لأنهم إذا توقفت المؤسسة عن الدفع لشهور، فلن تستمر في هذا العمل، التي رأيت أنه شيء مفيد للآخرين، أو لتحقيق ذاتك. لا نحتاج إلى التأكيد على إن الشيء الوحيد الذي يهمك هو كسب المال لأجل البقاء على قيد الحياة وأعالة نفسك والآخرين المسئولين منك.

لكن العمل بهذه الطريقة لا معنى له. إذا كان بإمكانك الحصول على المزيد من المال بأقل عمل ممكن، ستفعل ذلك.

هل أنت راضي عن عملك؟ لماذا نشعر بعدم الرضى عن العمل إذا كان لكسب المال؟

لأنك تبحث بشكل أساسي عن نفسك.

لأن العمل من أجل كسب المال يفقده المعنى الأصيل الكامن فيه منذ البدء، منذ أن رتبه الله لحياة الإنسان. فالعمل خدمة للآخرين، ولكنه الآن أصبح وسيلة لكسب المال وتحقيق الطموحات الفردية.

يقول أحدهم ، ولكن من خلال العمل أحقق ذاتي كشخص، أشعر أنني بحالة جيدة … إنها في الأساس عبادة الأنا الخاصة بك حتى في النهاية، سوف تفعل أشياء كثيرة، ربما حتى جيدة، ولكن الآخر ليس هناك، ليس له وجود في حياتك، الآخر وجوده ثانوي بالنسبة لك لأن المهم هو ذاتك.

كم من المرات شاهدت شخصًا فعل شيئًا مفيدًا على الرغم من شعورك أنه لا يوجد حب في ما فعله، أي أنك لم تكن خدمة الآخرين بحب هو الدافع لما قدمه من عمل. (أمثلة: الكهنة والراهبات الذين يقدمون أعمالاً رائعة لكنك تشعر أمامهم بأن الخير الذي يقدمونه هو من دون حب ، هو فقط لأجل التمركز على الذات، لأجل صنع مجد شخصي، يكون خير يحمل طابع الإذلال ويجرح كرامة المستفيدين منه).

الفرق بين الشخص الذي يعمل فعلاً من أجل خدمة الآخرين بحب وبين شخص يعمل لأجل تأليه ذاته هو أن من يعمل لأجل مجده الشخصي يشعر إنه جيد “في حال أفضل”، لكن الشخص الذي يعمل من أجل خدمة الآخرين ليس المهم بالنسبة له كيف يشعر هو، بل ما هو شعور الآخرين، يفكر دائمًا في الآخرين.

المعنى الحقيقي للعمل هو التعبير عن المحبة لشخص ما وخدمته. إذا كنت لا تعمل بهذا المنطق ، فأنت تسرق، وظيفتك كذبة كبيرة … لكن إذا كان منطقك هو خدمة الآخرين بحب ستجد إن الموقف يختلف كثيرًا.

هناك الكثيرين الذين يصبحوا مسيحيين فقط بعد دوام فترة العمل…

هناك الكثيرين الذين ينظرون إلى العمل كعبودية تسيطر عليهم، في حين إن العمل هو، كما في مخطط الله، بركة أعطاها الله للإنسان المخلوق على صورته وظله على الأرض. لأجل أن يحكم الأرض ويمارس السلطان الذي أعطاه الله له منذ البدء على باقي المخلوقات، عليه أن يكون مدبر، يسعى لخير الأرض ومخلوقاتها.والعمل هو سلاح الإنسان الذي يملكه للتعبير عن حبه للآخرين وخدمتهم. العمل رسالته، شكل من أشكال التعبير عن الحب…يتحول العمل إلى تعليم مسيحي صامت… يوم عمل واحد، بهذا المفهوم، يفتح الباب على الأبدية ويبقي إلى الأبد.

لا أعرف ما الذي تنوي القيام به، وماهي القيمة التي تسعى إليها في حياتك، لوقتك على الأرض… حسنًا، نحن لا نسعى أن نعلمك أن تعطي أهمية كبيرة لوجودك، وأن تعتقد أن وجودك مقدس، وأن العمل مقدس، كما علمنا – نتمنى – أن تكون حياتك الجنسية مقدسة، إنها مقدسة وتتحدث عن الله… حياتك الجنسية هي الباب إلى السماء، عملك هو باب ينفتح على السماء… وكل يوم يفتح الله بابًا على ملكوت السماوات، وهو موجود هناك في الأشياء التي تفعلها بصفة يومية، في عملك.

أين يمكن العثور على السعادة؟ أقول لك إنها في الأشياء اليومية المعتادة التي تقوم بها. هي جزء بسيط يتغير داخلك. إذا كان منهج عملك هو خدمة الآخرين بمحبة، توقف لتنظر حولك ستجد إن الأمر رائعًا ومثيرًا، هي النعمة التي يعطيها الله لك أن تشارك بوقتك وعملك وحياتك في خلاص الآخرين، ان تكون أيقونة يسوع المسيح الحية الحاملة لحضوره وسط الآخرين.

كان المسيح نجارًا يعمل على صقل الأخشاب، والمثير للاعجاب إن على الخشب قد عُلق بمسامير، وأدواته التي استعملها طول الحياة.

اليدين هي للعمل، حسنًا، وهي الشكل الذي نعبر به عن حبنا للآخرين.

أليس هذه طريقة رائعة في التفكير: إن تذهب على عملك وأنت تعرف وتؤمن أن عملك مهم لآخرين! أن تخرج في الصباح لعملك وأنت سعيد: وهذا المقصود بـ “لا تسرق”.

لأن العمل لأجل نفسك فقط هو سرقة… سرقة.

لكن ماذا عنى اليوم وأنا عاطل عن العمل، أو في مرحلة الدراسة!! من المؤكد أن الدراسة هي ما لديك اليوم لكي تؤهل إلى التعبير عن الحب وخدمة الآخرين مستقبلاً، هي خطة الله لك فيتم اعداد من خلالها للخدمة. هكذا اجتهد المسيح في عمله حتى جاء الوقت الذي فيه عبر عن محبته من خلال أعمال أخرى ملموسة.

الوصية السابعة قادرة على تغيير نظرتك للحياة بأكملها: إذا قبلت بتواضع إنك مخلوق لأجل أن تخدم الآخرين.

متى 25: 14-  30:  مثل الوزنات

14ويُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ رَجُلاً أَرَادَ السَّفَر، فَدَعَا عَبِيدَهُ، وسَلَّمَهُم أَمْوَالَهُ. 15فَأَعْطَى وَاحِدًا خَمْسَ وَزَنَات، وآخَرَ وَزْنَتَين، وآخَرَ وَزْنَةً وَاحِدَة، كُلاًّ عَلى قَدْرِ طَاقَتِهِ، وسَافَر. … 24ثُمَّ دَنَا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الوَاحِدَةَ وقَال: يَا سَيِّد، عَرَفْتُكَ رَجُلاً قَاسِيًا، تَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَزْرَع، وتَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ تَبْذُر. 25فَخِفْتُ وذَهَبْتُ وأَخْفَيْتُ وَزْنتَكَ في الأَرض، فَهَا هُوَ مَا لَكَ! 26فَأَجَابَ سَيِّدُهُ وقَالَ لَهُ: “يَا عَبْدًا شِرِّيرًا كَسْلان، عَرَفْتَ أَنِّي أَحْصُدُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَزْرَع، وأَجْمَعُ مِنْ حَيْثُ لَمْ أَبْذُر، 27فَكَانَ عَلَيْكَ أَنْ تَضَعَ فِضَّتِي عَلى طَاوِلَةِ الصَّيَارِفَة، حَتَّى إِذَا عُدْتُ، اسْتَرْجَعْتُ مَا لِي مَعَ فَائِدَتِهِ.

يقول الرب: أيها العبد الشرير والكسلان. ماذا يعنى كسول؟ شخص لا يرغب في عمل شيء، محبط، لا يحب حياته، ليس لديه شيء إيجابي يقدمه، ليس هناك قيمة من أي عمل في الحياة، كل شيء ثقيل محبط. عليك الانتظار لوقت أفضل، عندما أغير وظيفتي وعملي، ولكن العمر سيضيع ويظهر الشعر الأبيض. غدًا سأعيش أفضل، سأجد المعنى من حياتي وقيمتي في الدنيا. تمر السنوات دون أن تحقق أي شيء. ستكون الحياة ثقيلة غير ممتعة لا تستحق العيش.

لكن الحياة جميلة. ما هي الفرصة الوحيدة للخروج من هذا الشلل؟ نعتقد أن هناك شيئًا جيدًا في هذا العمل من خلال إعطاء لكمة في وجه هذا من يقول لك إن حياتك لا تستحق، لمن يقول لك إنك غير مفيد لأحد.

“لا تسرق” لا تعني أن تعطي بكل بساطة المحتاجين من الخيرات التي أؤتمنت عليها، كما أشرنا في اللقاء السابق، بل ما هو أكثر عمقًا:  أن لا تجعل نفسك غريب عن مخطط الله. أن تكتشف قدرتتك على تغيير العالم من حولك، من خلال عملك ووظيفتك الخاصة. لقد عهد الله منذ البداية للإنسان أن يفلح الأرض ويحرسها وعليك أن تتجاوب مع إرادة الله تلك.

العمل مكتوب في قلب الإنسان، العمل هو كلمة في اللغة العبرية يطلق عليها “أفودها” التي تعنى “خدمة مقدسة”، لذلك العمل يعني القيام بشيء مقدس ، العمل إنه يعني التعاون في خلق الله ، لأن الله ، عندما خلق العالم ، لم يخلقه بصورة نهائية ولكن الإنسان مدعو لاستكماله وتعمير الأرض.

هذا هو المبدأ الأساسي.

ماذا علي أن أفعل لأشهد على المسيحية في عملي. “هل يجب علي التحدث عن يسوع؟ لا: عليك أن تعمل كما يجب، أن تحب عملك وتؤديه بصورة جيدة بحيث يكون مفيد للآخرين، أن تحب الأشخاص الذين تقابلهم في محيط عملك.

العمل هو دعوة للقداسة ولحب الآخرين، والحب يعني إعطاء حياتك ووقتك، بدافع داخلي مبنى على هذه القناعة الإيمانية لأن بدونها ستتوقف أمام الصعوبات وتشعر بالإحباط والسأم من تكرار العمل. بدون هذا الدافع سيكون عملك فقط لأجل ذاتك، لأجل الراتب الذي تحصل عليه في نهاية الشهر. العمل يعني الحب، لأن المرء قد قابل يسوع المسيح، ولديه ذات الدافع بأن يموت للآخرين. أنت في هذا الجهد، في هذا الروتين، في كل العمل هناك روتين، حتى في أكثر الأعمال إثارة.

لكي تعمل يجب أن تتعلم الالتزام والانضباط، وكيف يمكنك قبول الانضباط إذا كنت لا تنظر إلى الصليب. في الصليب نكتشف معنى وقيمة العمل، لأن العمل هو التعبير عن الحب للآخرين، وقتك لهم، أن تصغي إليهم، أن ترأف بهم، أن تحافظ على حياتهم، أن تسعى لخلاصهم. هذه مسئولية مَن يُحب، أما الشخص الذي لا يهتم، ففي داخله لا يوجد سوى الأنانية وتمركزه حول ذاته، فهو يسرق، ويهلك، ويبتعد عن خطة الله. ولهذا فعمله مرهق وصعب وثقيل للغاية لأنه لا يدخل في خطة الله في أن يخلص جميع الناس. يشعر بالوحدة ويصبح كل شيء مشكلة كبيرة، كالأم التي تقوم بكل العمل في البيت، من نظافة إلى مطبخ وغسيل، إن لم تؤديه بحب للعائلتها سيصبح عمل صعبٌ جدًا ومرهق وبدون معنى وستعاني من وحدة نفسية شديدة.

فقط في يسوع المسيح يمكن للمرء أن يجد معنى، لأنه يمر الوقت، لأنك يقوم بهذه المهمة انك تعطي حياتك أنت تموت من أجل هذا. وما هو معنى حياتي إذا كان لابد من أن أكون أمينًا لمخطط الله في الخلق، وواجه حقيقة أنه يمكنني القيام بأشياء لا أستطيع القيام بها. أنت بالفعل تفعل شيء عظيم لأن الله وضعك هناك. نحن بحاجة إلى أشخاص قادرين على العمل كمسيحيين، لتعليمنا الحب من خلال القيام بأشياء تافهة، على ما يبدو. ليس هناك شيء تافه، كما أخبرناك، بل إنه عمل روتيني يبدو وكأنه مريض. قم بهذه المهمة الآن، لكن حسنًا. إذا لم يكن الآن، فمتى؟

هل تعيش الآن، إن لم يكن الآن متى، إن لم يكن هنا، فأين؟ إذا لم يكن هناك إنسان يعيش بالصورة الصحيحة، فكن أنت هذا الإنسان. كل واحد منا يدعى لاسترداد عبثية العمل، لأنه في حد ذاته كما هو، هناك فقط الشوك والعرق والغبار. لكننا نملك ضوءًا بأن نعطي ذواتنا من خلال أعمالنا المعتادة. إذا كنت ستفعل ذلك فشيء رائع أن نعاني من أجل شيء عظيم، القيام بإرادة الله.  إذا كانت هناك أشواك وألم سنتحملها لأنها هي الحياة.  ما هي الحياة التي تفكر بها؟ لا توجد حياة أخرى غير هذه. يسوع المسيح عندما دخل العالم لم يأخذ كل شيء، يفعل حياة أخرى، ماري بوبينز، الأقزام السبعة ثم الجنية الزرقاء. طريقة رائعة، أليس في بلاد العجائب، بيتر بان، حياتك ليست حكاية خرافية، إنه شيء ملموس للغاية، إنه الشيء الذي لدينا بالفعل وهو الذي نعيشه.

العمل لأجل نفسك فقط هو سرقة… لكن يمكن أن يكون وسيلتك للقداسة، هو الأداة التي في يديك للتعبير عن محبتك للآخرين.

كما إنه وسيلة لصنع الخير وتنفيذ مشيئة الله. وهذا ما نكشف في هذا اللقاء

اللقاء الثالث: من لا يعمل لا يأكل

نود أن نقرأ واحدة من أقدم الوثائق المسيحية، في الرسالة إلى أهل تسالونيكي والتي كُتبت في الأعوام 49- 50 قبل كتابة الأناجيل الأربعة، أي بعد ستة عشر عامًا من صلب المسيح وقيامته. يكتب القديس بولس بطريقة مباشرة، جافة أحيانًا، يقول:

10 فإِنَّنَا، لَمَّا كُنَّا عِنْدَكُم، كُنَّا نُوصِيكُم بِهـذَا: إِذا كَانَ أَحدٌ لا يُرِيدُ أَنْ يَعْمَل، فعَلَيْهِ أَيْضًا أَنْ لا يَأْكُل! 11وقَدْ سَمِعْنَا أَنَّ بَعضًا مِنُكم يَسْلُكُونَ سُلُوكًا مُقْلِقًا، ولا يَعْمَلُونَ شَيئًا، لـكِنَّهُم يَعْمَلُونَ مَا لا يَعْنِيهِم.     12فَنُوصِي أَمثَالَ هـؤُلاء، ونُنَاشِدُهُم في الرَّبِّ يَسُوعَ الـمَسِيح، أَنْ يَعْمَلُوا بِهُدُوءٍ ويَأْكُلُوا خُبْزَهُم. 13أَمَّا أَنْتُم، أَيُّهَا الإِخْوَة، فلا تَمَلُّوا عَمَلَ الـخَير.

يقول بولس شيئًا غريبًا جدًا: نشعر أن بعض الإخوة يعيشون على هذا النحو، ولا يفعلون شيئًا، بشكل غير طبيعي وفي تحريض مستمر. إنه أمر لا يصدق كيف يصف بولس بكلمات قليلة الخلل في وجود بعض الأشخاص.  هناك خلل في وجودك.

“يَسْلُكُونَ سُلُوكًا مُقْلِقًا، ولا يَعْمَلُونَ شَيئًا” نفعل يوميًا الكثير والكثير من الأشياء ونشعر إننا مشغولون طول اليوم ومدى الحياة، نحن في قلق دائم، ولكن الحقيقة إننا لا نفعل شيء. أحيانًا نظن إن الكسول هو الشخص الذي لا يعمل شيء بالمرة طول يومه، لكن على العكس تمامًا هو الشخص الذي يفعل آلاف الأشياء، ما عدا تلك التي يجب أن يفعلها!!

هناك العديد من الأشخاص الذين يعيشون في قلق دائم، لكنهم لا يفعلون شيئًا. ما يفعلونه هو اللا شيء! ما يفعلونه ليس له مضمون ولا معنى.

لنضرب مثلا بالزوج الذي يعمل طول النهار في أكثر من وظيفة لأجل أن يوفر الاحتياجات الضرورية المطلوبة لأسرته، وعند عودته إلى منزله يبقي دقائق قليلة، ينقطع فيها الحوار مع زوجته وأبنائه، ثم يخرج للقهوة مع أصدقائه التي يبقي فيها لساعات يعود بعدها إلى بيته لينام. هكذا الزوجة التي تجتهد في المذاكرة مع الأولاد وعمل الواجبات والاستعداد للامتحانات ثم المطبخ والنظافة، لكن أين التواصل الفعال مع الزوج والأولاد؟

أنت تفعل الكثير من الأشياء … هذه هي حقًا حياة بعضكم … في لحظة معينة تدخل في أزمة وتأتي إلينا، لأنك قمت بالكثير من الأشياء … الكثير من الأشياء، ثم تجد نفسك؟ لا شيء! كل شيء فعلته لم يكن يستحق شيئًا.

هناك مقطع من النبي أشعيا يقول شيئًا قويًا جدًا، يمكنني فيه تصوير حياة بعض منكم! (الفصل 26):

17 كما أَن الحُبْلى الَّتي قارَبَتِ الوِلادة تَتَضَوَّرُ وتَصرُخُ في مَخاضِها فهكذا كُنَّا أَمامَكَ يا رَبّ. 18 حَبِلْنا وتَضَوَّرنا وكأَنَّنا وَلَدْنا ريحاً فلَم نَجعَلْ خَلاصاً في الأَرض ولم يولَدْ سُكَّانُ الدُّنْيا.

ما فعلناه لم يكن شيئًا، لقد فعلنا ألف شيء، لم يكن شيء! بدا وكأنه حمل كاذب، بطن منتفخ، لكن لا يوجد شيء في الداخل وعلينا أن نعيش هكذا!

من الممكن أن البعض منكم قد يكون مثل هذا، يفعل الكثير من الأشياء، يأخذ الكثير من المبادرات … السفر، القيام بالأعمال، ربما العمل في الكنيسة، ولكن هذا هو الحمل الكاذب، ليس هناك يسوع المسيح في الداخل.

أنت ببساطة تهرب، تحاول أن تفعل أشياء للهروب من نفسك. الهروب من ألم داخلي … الخوف من عدم القيام بأي شيء، والخوف من عدم وجود شيء. لم يولد شيء جديد ، ولكنك قمت بالكثير من الأشياء. هناك ألم داخلي، حياتي تافه ليس لها معنى، ليس هناك عمق في أفعالي. ألم تحتفظ به داخلك، ما تفعله الآن كان يجب أن تفعل شيء آخر مختلف، أشياء أخرى، مبادرات أخرى.

من هو الكسالى الحقيقيين؟ الذين يقومون بالكثير من الأشياء، عدا تنفيذ مشيئة الله في الحياة! حياته غير مثمرة، وكل أعماله الكثير لا يفعل فيها شيء حقيقي. فراغ فقط.

لسوء الحظ أنا متأكد من أن العديد منكم في هذه الحالة.

أنت في هذا الحالة لأنك لا تفعل شيئًا، أي أنك تفعل أشياء كثيرة، لكنها لا تساوى شيئًا ولا قيمة لها. نسعى لخبرات أكثر متعة.. ولكن لا نحصد شيئًا!

إذاً فكرت في منزلك … عليك أن تذهب لشراء شيء أو تغيير شيء آخر، ثم علينا إعادة تجديد المطبخ أو الصالون، ثم في النهاية ما هي المشكلة؟ أنه لا يمكنك العيش في هذا المنزل! أنت لا تعرف كيف تتوقف … أنت لا تعرف كيف تعيش اليوم… تنتظر دائماً شيئاً “مختلفاً”، لنعيش أفضل غداً… تحلم بيوم يجب أن يأتي… لكن المشكلة هي اليوم!

العيش بدون القيام بأي شيء، في حالة قلق مستمر… لا شيء لأن ما يمنح ثباتًا لحياتك هو إرادة الله، أن تفعل إرادة الله في حياتك.

عملك هو صفر ضخم. بحثت عن العمل ليعطى معنى لحياتك، لكن العمل لا يعطي معنى. كل شيء باطل، كما يقول سفر الجامعة. كل شيء، بمعنى كل شيء باطل، صفر كبير. خبراتك، مستقبلك، مواهبك، عائلتك، صفر بجوار أصفار أخرى.

المشكلة هي في الشيء الذي يوضع خلف الأصفار.

إذا كان خلف الأصفار هو ذاتك، الآنا، فأنت تعرف إن كل منا دخان، هواء، ستصبح حياتك لا شيء.

لكن إذا كان خلف الأصفار هو شخص يسوع المسيح، الإله الواحد الحقيقي فإن كل هذه الأصفار ستتحول إلى أعداد لها قيمة في الحياة. ستصبح حياتي لها قيمة. فصفر أمام الواحد سيكون عشرة.

إذا لم تفعل إرادة الله فكيف تتصور إن لحياتك معنى وقيمة. ماذا تصنع من الصباح حتى المساء؟

يقول بولس الرسول: “أَمَّا أَنْتُم، أَيُّهَا الإِخْوَة، فلا تَمَلُّوا عَمَلَ الـخَير”. ليس العمل أداة فقط لأجل التعبير عن محبة الآخرين، هناك أيضًا أن يسعى الإنسان لعمل الخير ولا يمل من تكراره وصنعه، حتى في حالة عدم وجود مقابل من الأطراف الأخرى.

هل تفعل إرادة الله؟

سؤال بسيط للغاية، كم عدد المرات التي قمنا بتنفيذ إرادة الله؟

هل تتصور أن أي عمل تقوم به: داخل محيط العمل، داخل أسرتك الصغيرة والعائلة الكبيرة، في حياتك عمومًا، لا يحتاج إلى الله! لا يحتاج إلى الواحد الصحيح الذي يعطي معنى لكل الأصفار التي نحصدها في الحياة! هذا هو النصيب الصالح الذي لن يُنزع من الإنسان أبدًا، الجزء الذي يعطي قيمة ومعنى لكل شيء تصنعه.

وأنا أسألك مرة أخرى، لأنك غاضب من هذا السؤال، أسألك: “كم تقلق بشأن الأشياء الغبية؟”.

هل تشعر بالقلق إذا لم يكن لديك وظيفة؟ هل تقلق بشأن هذا؟ فكر: سيكون لديك وظيفة ولكن لن تخدمك نهائيًا، بل ستعاني من عدم الرضى فيها.

هل تشعر بالضيق إذا لم تجد صديقًا؟ هل هذا يزعجك؟ سيكون لديك صديق ولكنك لن تعرف كيف تحبه.

هل تريد أن يكون لديك منزل؟ حسنا! سيكون لديك منزل وفي هذا المنزل ستشعر بالضيق لماذا؟ لأن ما يعطي قيمة لحياتك هو الذي أعطى قيمة للحياة، أعطى قيمة حتى للصليب، حتى للمعاناة! تخيل أشياء جميلة! هذا هو الإنسان الكسول، الذي يقلق في كل ما يفعل، لكنه يلد الرياح.

أول شيء ، للعلاج، هو التشخيص. أنت تظن أن في حياتك شيء خطأ… كثير منكم يعتقد أنك تشعر بالسوء تجاه هذا أو ذاك… أبوك… ابنك… زوجتك… أنت مخطئ لسبب واحد ووحيد لكل آلامك، لأنك لا تفعل إرادة الله.

هل تريد أن تعرف ما هي إرادة الله؟

الأمر معقد ومشوش لأننا نفضل كثيرًا، بوعي وبغير وعي، أن نعمل إرادتنا نحن. السؤال: “هل أريد حقاً مشيئة الله ام مشيئتي أنا؟ ما اريده انا ام ما يريده الله؟”. إن كنتَ تريد مشيئة الله بكل قلبك، فيمكنك أن تكون في سلام والله بنعمته سيوصلك الى إتمام مشيئته وحسب طرقه هو. أما إن كنت في قلبي خائفاً من مشيئته وأريد بكل قوتي أن تتم ارادتي انا ورغبتي الذاتية، عندها لا تنفعني كل الطرق التي منها نعرف إرادة الله؟

نقرأ في سِفر إرميا النبي، فصل 42، عن قادة جيوش قالوا لإرميا:

«صَلِّ إِلى الرَّبِّ إِلهِكَ لِأَجلِنا ولِأَجلِ كُلِّ هذِه البَقِيَّة، فإِنَّنا بَقينا قَليلاً مِن كثير، كما تَرانا عَيناكَ. 3 ولْيُخبِرْنا الرَّبُّ إِلهُكَ بِالطَّريقِ الَّذي نَسيرُ علَيه وبِالأَمرِ الَّذي نَعمَلُه». ثم قالوا: «لِيَكُنِ الرَّبُّ شاهِدَ حَقِّ وأَمانَةٍ علَينا، إن لم نَفعَلْ بِحَسَبِ كُلِّ الكَلامِ الَّذي يُرسِلُك بِه الرَّبُّ إِلهُكَ إِلَينا. 6 إِن خَيراً وإِن شَرّاً، فإِنَّنَا نَسمَعُ لِصَوتِ الرَّبِّ إِلهِنا الَّذي نَحنُ مُرسِلوكَ إِلُيه».

لكنهم لما سمعوا مشيئة الرب وعرفوها ولم تكن حسب رغبتهم قالوا: «إِنَّكَ تَكَلَّمتَ بِالكَذِب، وَالرَّبُّ إِلهُنا لم يُرسِلْكَ». (43: 2)

إن كنتَ تريد مشيئته، فستعرفها ببساطة! أما إن طلبتها بشفتيك فقط وقلبك يريد ما يشتهي وتقلق كثيراً خوفاً من أن لا تحصل على ما ترغب وتخشى أن يعطيك الله مشيئته، التي تشعر أنها ستسبّب لك الشقاء والحرمان، فيعوزك جداً أن تعرف أولا مَن هو الله! وما هي طبيعته! لا تدع العدو يخدعك. الشيطان يعطيك صورة كاذبة عن الله.

الله أب محب

لو كنت أباً وطلب أبنك سكّيناً، فهل تعطه؟! وان طلب كتاباً او طعاماً، الا تعطيه؟ فكيف الله بالحري!؟ هل الله المحبّ أقلّ صلاحاً وخيراً منك؟! حاشا. ليتنا نتأكّد من أن الله لا يريد أن يُتعسنا بل أن يُسعدنا، ومشيئته ليست تدخّلاً فينا بل هي رحمة ونعمة لنا تمنع حياتنا من اختيار ما يُتعسنا ويهدم مستقبلنا. علينا أن نثق في كلمته فهو يقودنا، ولكن بطريقة غير التي نعرفها واعتدنا عليها: “إِنِّي أعَلِّمُكَ وأُرشِدُكَ في الطَّريقِ الَّذي تَسلُكُه وأكون ناصِحًا لَكَ وعَيني تَرْعاكَ” (مزمور 32: 8).

ان كنا قريبين بشكل كاف من الرب لا نجد صعوبة في معرفة ارادته. ان اعتاد ابن أن يتجاهل ابيه ولا يهتم أن يعرف فكره ولا ارادته، يكون مِن الصعب عليه أن يعرف ما يرضيه في الظروف الصعبة. مِن جهة اخرى، لا تتردّد الزوجة القريبة مِن زوجها لحظة بمعرفة ما يسرّه حتى ولو لم يعبّر عن أية رغبة. عند الاقتراب مِن الله نميّز ما يجب وما لا يجب أن نعمله. علينا معرفة الرب شخصياً لنتمكّن مِن السلوك كما يحقّ للرب, لذا علينا أن ننمو في معرفة ارادة الرب (اي في ما يريده الرب).

. في كثير من الاحيان نرغب حقا أن نسير في الاتجاه الذي يريده الله لنا، ولكن بدلاً مِن أن نسير بثقة، نختبر مدة طويلة مِن القلق، الاحباط والاكتئاب الروحي. لماذا يحدث هذا؟. مع اننا نعرف ان الله يقود شعبه، لكننا غير مستعدين عملياً ان نضع ثقتنا في عنايته وقيادته لحياتنا، وكثيراً ما لا نفهم الاسلوب الذي به يرشد الرب عادةً شعبه اليوم.

لا ينبغي أن نتوقع ان يقودنا الله اليوم بواسطة عمود نار حرفي او سحابة او نجم في السماء ولا ان نسمع اصوات مسموعة ونرى رؤى مجيدة او نقابل ملاك الله ليرينا الطريق!. ماذا اذاً زوّدنا الله الآن لإرشاد أولاده؟. نتعلّم كثيراً مِن صلاة بولس المسجّلة في كولوسي: “ونَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَمْلأَكُم مِنْ مَعْرِفَةِ مَشِيئَتِهِ، في كُلِّ حِكْمَةٍ وفَهْمٍ روحِيّ” (1: 9). عندما يكتب بولس عن مشيئة الله، يشدّد على الفهم الروحي. انها ليس قدرة طبيعية. كمسيحيين علينا أن نستخدم قيم مختلفة كلياً عن تلك التي عند غير المؤمنين. الفهم الذي يقصده بولس هو تطبيق المبادىء المسيحية على عوامل القرار الذي سنتّخذه. ان تقييمنا لكل حالة يجب أن يكون على أساس اعتبارات روحية في ضوء الدوافع المسيحية وتعليم كلمة الله.

هذا الشكل من الوجود المسيحي الواثق في عناية الله والذي يسعى لتنفيذ مشيئته في كل أمور الحياة

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.