إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

سلام يوم جمعة الغضب

1٬091

في جمعة الغضب وقت الثورة، في مساء 28 يناير 2011، هاجم الكثيرين مقار الشرطة المصرية واندلعت أعمال عنف رهيبة. في مساء ذلك اليوم انطلق عدد من الشباب واعتدوا على الكثير من المنشأت، وعندما حاصرتهم القوات الشرطية لم يجدوا غير تسلق سور مدرسة مجاورة هربا من الشرطة. اكتشف المعتدون انهم داخل مدرسة للراهبات. استولى الخوف على الراهبات، وكان عددهم أربعة، من هيئة الشباب وعنفهم الواضح. إلا أن الشباب اسكتوهم وحاولوا أن يطمئهن بأنهم لن يتعرضوا للقتل إذا صمتوا. مرت ساعات رهيبة على الراهبات، ثم بدأ الليل يخيم فشتد الذعر وتملكهن الخوف أكثر. واحدة من الراهبات فكرت أن هؤلاء الشباب جوعى، بعد أن مال النهار ولم يأكلوا شيء، أسرعت إلى المطبخ وحملت أطعمة لهؤلاء الشباب. استحسن الشباب الموقف وخفتت حدة الترهيب. مكث الشباب حتى الفجر ثم رحلوا تحت جنح الظلام.
حكت لي الراهبات هذه الموقف في حينه، والغريب إن ما حدث بعدها بسنتين، جاء أحد الشباب ليزور الراهبات، وكانت المفأجاة أنه أحد المقتحمين في يوم جمعة الغضب، جاء ليشكر الراهبات وأحضر معه بعض الهدايا لأطفال المدرسة.
انتشرت ثقافة الكراهية والتيقظ لأخطاء الآخرين، فعندما تستيقظ كل صباح تحاصرك أخبار حروب ونزاعات واضطرابات، عنف وارهاب ودماء تطارد يومك. أعتدنا على رؤية الدماء في السنوات الأخيرة في عالم صعب متناحر ومتقاتل. إذا نزلت الشارع ستحاصرك أمور كثيرة مضايقات مستمرة وتحرش، مرور خانق ومواصلات مزدحمة وتضيقات من كل نوع قادرة على أن تجعلك تفقد سلامك. ستذهب إلى عملك، إلى كليتك ستجد شركاء العمل متنافسين، ستعود إلى بيتك فتجد حتى العائلات باتت في الغالب اشبه بساحات حرب عوض ان تكون ملاذ سلام.‏
نؤمن بأن هناك حاجة إلى السلام الحقيقي، لكن كيف؟! يقدم أشعياء وصفا لحالة السلام الحقيقي،الوحوش من جهة والحيوانات الداجنة من جهة ثانية: الذئب، النمر، الشبل، الدبَّة (هي أشرس من الدبّ كما يقال)، الأسد، الصلّ، الأفعوان. كلُّ هذه تؤذي الإنسان والحيوان. وتجاه الحيوانات المفترسة، تأتي الضعيفة: الخروف، الجدي، العجل، البقرة… ويُذكر الإنسان الضعيف: الصبيّ، الرضيع، الفطيم. هي البراءة التي لا تحمل سلاحًا. يحلُ السلام بين الحيوان والإنسان. تلك حالة من السعادة يستعيدها إشعيا في 65: 25: “الذئب والحمل يرعيان معًا، والأسد سيأكل التبن كالبقر. أمّا الحيَّة فالتراب طعامها”. والعداوة القديمة مع الحيَّة زالت: “يمدُّ الفطيم يده على جحر الأفعوان”.
كيف يكون ذلك؟ “لاَ يَسُوؤُونَ وَلاَ يُفْسِدُونَ فِي كُلِّ جَبَلِ قُدْسِي لأَنَّ الأَرْضَ تَمْتَلِئُ مِنْ مَعْرِفَةِ الرَّبِّ كَمَا تُغَطِّي الْمِيَاهُ الْبَحْرَ” (الآية 9). سيحل السلام فقط عند معرفة الرب
هكذا يصف بولس سلامٌ المسيح: “فَإِنَّهُ سَلامُنا. فَقَد جَعَلَ مِنَ ٱلجَماعَتَينِ جَماعَةً واحِدَة، وَهَدَمَ في جَسَدِهِ ٱلحاجِزَ ٱلَّذي يَفصِلُ بَينَهُما، أَيِ ٱلعَداوَة” (أفسس 2: 14).
يخبرنا الواقع أننا سنواجه المشاكل في حياتنا فنحن في عالم تزداد فيه الكراهية والعنف وترتفع فيه نسبة الطلاق، ولكننا إن واجهناها ونحن نعرف الله ونثق به فإننا سنتعامل معها بمنظور مختلف وليس بقوتنا الشخصية بل بقوة مستمدة من عند الله الذي لا يعسر عليه أمر، الله الذي يحبنا ويهتم بأمرنا أكثر من أي شخص آخر والذي هو أعظم من أعظم مشكلة ،ونحن لسنا وحدنا بل هو معنا ولن يتركنا.
ليس لدينا أية فكرة حول ما تخبئه لنا الأيام، إن كانت تحمل لنا أوقات صعبة وشاقة فإن الله سوف يكون معنا ليساعدنا ويقف إلى جانبنا، وإذا كانت تحمل لنا الأشياء الجيدة فنحن أيضاً نحتاج لوجود الله إلى جانبنا ليملأ الفراغ الذي بداخلنا وليعطي معنى لحياتنا.
المهم هو أن تكون لنا علاقة مع الله ولا نكون منفصلين عنه. فعندما نتمتع بعلاقة متواصلة معه فسوف نشعر بالسلام مهما كانت الظروف وسننظر للأمور بطريقة مختلفة وسيكون لدينا أمل. لماذا يجب أن يكون الله محور حياتنا؟ لأنه لا سلام حقيقي ولا رجاء بعيداً عنه، فقد خلقنا وبداخلنا حاجة لوجوده في حياتنا، يمكننا أن نحاول تسيير حياتنا بدونه لكننا سنفشل.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.