إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الكلمة السابعة (4): لا تستسلم للوحش

1٬231

ملخص لما سبق: نتحدث عن الوصية السابعة “لا تسرق”. آشرنا إلى أن السرقة لا تعنى سرقة ونهب ممتلكات الغير التي يمكن أن “تسرقها” وتحتفظ بها لنفسك. لكن الوصية لا تنهي عن السرقة بهذا المفهوم السطحي والعام، بل عن الاستخدام الخاطئ للممتلكات الشخصية الخاص بك ولا تهتم بممتلكات الآخرين. فكل خير، وكل شيء تملكه تستخدمه بصورة أنانية هي “سرقة”. فالله قد خلق الخيرات للجميع، والامتناع عن جعل الفقراء والآخرين يشاركون في خيراتنا الخاصة، هو سرقة وفقا لتعاليم الكنيسة الكاثوليكية (البند 2446).

كل ملكية مادية، كل خير مادي، هو لأجل الجميع، لكنه أُعطى لواحد فقط، وهذا عليه أن يتولى توزيعه على الجميع. إذا لم تستخدم الخيرات المادية وفقًا للعناية الإلهية، فأنت تسرقها! “لا تسرق” تعنى “أن تحب الآخرين وتعبر عن محبتك لهم من خلال خيرات المادية”.

ثم تحدثنا عن العمل كقيمة سامية في الحياة، فهو كالممتلكات الخاصة، آداة في يدك لكي تعبر عن حبك للآخرين الذين يتعاملون معك في نطاق العمل. المعنى الحقيقي للعمل هو التعبير عن المحبة لشخص ما وخدمته. إذا كنت لا تعمل بهذا المنطق ، فأنت تسرق. لأن العمل لأجل نفسك فقط هو سرقة… سرقة.

الوصية السابعة قادرة على تغيير نظرتك للحياة بأكملها: إذا قبلت بتواضع إنك مخلوق لأجل أن تخدم الآخرين، يمكن أن يكون وسيلتك للقداسة، هو الأداة التي في يديك للتعبير عن محبتك للآخرين من خلال ما تملكه من خيرات ومن خلال ما تقوم به من عمل في الحياة.

ما هو الشر الأعظم في العالم؟
السؤال الأهم: هل هناك رابط بين تلك الشرور؟ هل هناك صلة بينهما؟

دعونا نتحدث عن سفر من أسفار الكتاب المقدس، السفر الأخير.

لماذا لا نقرأ سفر الرؤيا؟

نخشى أن نقرأ سفر الرؤيا لأننا في الغالب نتوقف عند صور سلبية لهجمات الشر والوحوش الضارية التي تقتل وتدمر وتنشر الخراب في الأرض. ونعتقد أن “المشاهد الرؤيوية” هي صورة ستتحقق في المستقبل، حتى أن أشهر الأفلام عن حرب فيتنام سمى بهذا الاسم: “ابوكاليبس ناو” أو “الرؤيا الآن” تعبيرًا عن بشاعة هذه الحرب المدمرة. حتى عنوان الفصل قد ترجمناه خطأ في العربية، فكلمة “ابوكاليبس (Apocolypsis) في اليونانية تعنى “الوحي”، كشف الحجاب الفاصل بين الحقيقة الظاهرة في الكون وما خلف الحقيقة، ما هو خفي عنها. هذه هي تكملة العنوان: “هذا ما كَشَفَه يَسوعُ المَسيح بِعَطاءٍ مِنَ الله، لِيُرِيَ عِبادَه ما لا بُدَّ مِن حُدوثِه وَشيكاً. فأَرسَلَ مَلاكَه إِلى يوحَنَّا عَبدِه يُشيرُ إلَيه”.

هذا هو الوحي المراد كشفه، وحي يسوع المسيح، فتتحدث الرؤيا عن كمال الوحي بيسوع المسيح.

من الخطأ إذن التوقف عند المشاهد المروعة في النص والاعتقاد انها نهاية العالم، واعتبار السفر عباة عن ألغاز يكشف حلها نهاية الأزمنة والتاريخ واليوم الأخير، كأننا لم ننتبه لما قاله الرب: “ان تلك الساعة لا يعرفها أحد…”.

ومن الخطأ أيضًا التوقف عند الجانب التاريخي ووضع المسيحية الأولى وسيطرة الرومان والعقلية السائدة آنذاك.

كيف نقرأ الرؤيا إذن؟

يأتي السفر بعد موت وقيامة الرب يسوع، ليجب السفر عن السؤال التالي: “ماذا بعد؟” فتعبر الرؤيا عن مستقبل الكنيسة وعن فعالية المسيح المستمرة في التاريخ وإلى ما بعد التاريخ.

تجيب الرؤيا عن هذا السؤال: “كيف يمكننا أن نحرك تاريخ الخلاص ونجعل المسيح يتجسد يومًا فيومًا، في واقع الحياة اليومية، وتصبح قيامته لا مجرد حادثة نقرأها في كتاب بل حدثًا يوميًا يغير وجه الكون بتغيير نظرتنا إلى كل ما يجرى حولنا؟ لذلك يبتدئ سفر الرؤيا من النهاية التي نحن إليها صائرون. فتصور لنا القيامة الحقيقية التي يصبو إليها الإنسان بكل جوارحه، وهي أشبه بحفلة عرس يلتقي فيها الإنسان مع الله ومع إخوته البشر، في مصالحة مع الكون كله.

 “2 ورَأَيتُ المَدينَةَ المُقَدَّسة، أُورَشَليمَ الجَديدة، نازِلَةً مِنَ السَّماءِ مِن عِندِ الله، مُهَيَّأَةً مِثلَ عَروسٍ مُزَيَّنَةٍ لِعَريسِها وسَمِعتُ صَوتًا جَهيرًا مِنَ العَرشِ يَقول: «هُوَذا مَسكِنُ اللهِ مع النَّاس، فسَيَسكُنُ معهم وهم سيَكونونَ شُعوبَه وهو سيَكونُ «اللهُ معَهم».4 وسيَمسَحُ كُلَّ دَمعَةٍ مِن عُيونِهم. ولِلمَوتِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآن، ولا لِلحُزنِ ولا لِلصُّراخِ ولا لِلأَلَمِ لن يَبْقى وُجودٌ بَعدَ الآَن، لأَنَّ العالَمَ القَديمَ قد زال» (21: 2- 4).

هدف الرؤيا النهائي إذن هو إشاعة الرجاء. فالأيام العصيبة التي نعيشها على الأرض، ليست صدفة، بل تدخلنا في أزمة حقيقية تجعلنا نبحث عن المعنى في الكتاب. نصل إلى النهاية في الرؤيا، وهي النهاية وحدها هي المقصودة. المصارعة مع الرموز الشريرة، ليست النهاية. النهاية هي أورشليم مدينة السلام التي لم تعد بحاجة إلى هياكل. كلها سقطت وزالت “لأَنَّ الرَّبَّ الإلهَ القَديرَ هو هَيكَلُها، وكذلك الحَمَل” (آ22). “والمَدينَةُ لا تَحْتاجُ إِلى الشَّمسِ ولا إِلى القَمَرِ ليُضيئا لَها، لأَنَّ مَجدَ اللهِ أَضاءَها، وسِراجُها هو الحَمَل (آ23). أَبْوابُها لن تُقفَلَ في أَيَّامِها،ِ لأَنَّه لن يَكونَ لَيلٌ هُناك” (آ25).

تستخدم الرؤيا إذن رموز لكشف كمال الوحي بيسوع المسيح للكنائس، من أجل وصف لا كما نعتقد المستقبل، بل الحاضر الذي نعيشه اليوم وذلك بكشف النهاية التي سنصير إليها.

هناك معركة أساسية يقودها التنين، تجد ذروتها في منتصف كتاب الرؤيا (الفصل 12) تظهر الأعجوبة التي هي التحول الأساسي في الصراع وأصل كل التحولات. “المرأة الحبلى التي تصرخ من ألم المخاض… ثم تلد ولدًا ذكرًا هو الذي سيحكم الأمم كلها”. فالمرأة هنا ليست هي العذراء مريم فقط، بل الكنيسة أيضًا والبشرية المتألمة بل الكون كله: “لأن الخليقة كلها، كما يقول القديس بولس، تئن وتتمخض منتظرة الخلاص”. وهذا الخلاص قد بدأ بميلاد الطفل.

  هو الحمل الذبيح، الذي يبدو إنه الخاسر، لديه سبع قرون، يبدو ضعيف، ولكنه مركز التاريخ. حملٍ علق على الصليب في ضعف وخزى، ولكنه هو الذي هزم الموت. هو حمل الله، كما أشار يوحنا المعمدان، وبدمه انتصر على الموت.

يعهد التنين كل سلطانه الشرير إلى وحش آخر: “ورَأَيتُ وَحشًا آخَرَ خارِجًا مِنَ الأَرض، وكانَ لَه قَرْنانِ أَشبَهُ بقَرنَيِ الحَمَل، ولكِنَّه يَتَكَلَّمُ مِثلَ تِنِّين” (رؤ 13: 11). يتشبه الوحش بالحمل ويأتي بخوراق عظيمة ويتكلم وينفث نارٌ. في الوقت الذي يريد فيه أن يتشبه بالحمل، يتكلم مثل التنين.

وكُلُّ سُلْطانِ الوَحشِ الأَوَّلِ يَتَوَلاَّه بِمَحضَرٍ مِنه. فجَعَلَ الأَرضَ وأَهلَها يَسجُدونَ لِلوَحْشِ الأَوَّلِ

ينجح الوحش في يجعل سكان الأرض يسجدون للوحش الأول، التنين، من خلال المعجزات والخوارق الكثيرة التي يصنعها:

“ويأتي بِخَوارقَ عَظيمَةٍ حتَّى إِنَّه يُنزِلُ نارًا مِنَ السَّماءِ على الأَرضِ بِمَحضرٍ مِنَ النَّاس. ويُضِلُّ أَهلَ الأَرضِ بِالخَوارِقِ الَّتي أُوتِيَ أَن يُجرِيَها بِمَحضَرٍ مِنَ الوَحْش، ويُشيرُ على أَهلِ الأَرضِ بِأَن يَصنَعوا صورَةً لِلوَحشِ الَّذي جُرِحَ بِالسَّيفِ وظَلَّ حَيًّا” (آية 13- 14).

أن يصنعوا صورةً للوحش، نعود إلى الوصية الأولى خر 20: 2-5: “أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ… لا يَكُنْ لَكَ آِلهَةٌ أُخْرى تُجاهي. لا تَصنَعْ لَكَ مَنْحوتاً ولا صورةَ شَيءٍ مِمَّا في السَّماءِ مِن فَوقُ، ولا مِمَّا في الأَرضِ من أَسفَلُ، ولا مِمَّا في المِياهِ مِن تَحتِ الأَرض. لا تَسجُدْ لَها ولا تَعبُدْها”. يدفع الناس إلى اتخاذ الهة أُخرى بعيدًا عن الله.

“وأُوتِيَ أَن يُعطِيَ صورَةَ الوَحشِ نَفَسًا، حتَّى إِنَّ صورَةَ الوَحشِ تَكَلَّمَت وجَعَلَت جَميعَ الَّذينَ لا يَسجُدونَ لِصورَةِ الوَحشِ يُقتَلون” (آيه 15).

جعل الذين لا يعبدون هذه الصورة يُقتلون. صورة أعطيت نَفسًا، شكل حي ومتغير بصورة عجيبة تجعل الشخص الذي لا يهتم بها ولا يعبدها يموت. من لا يسجد لها يموت!!

“وجَعَلَ جَميعَ النَّاسِ صِغارًا وكِبارًا، أَغنِياءَ وفُقَراء أَحْرارًا وعبيدًا، يَسِمونَ يَدَهُمُ اليُمنى أَو جَبَهَتَهم. فلا يَستَطيعَ أَحَدٌ أَن يَشتَرِيَ أَو يَبيعَ إِلاَّ إِذا كانَت علَيه سِمَةٌ بِاسمِ الوَحشِ أَو بِعَدَدِ اسمِه” (آية 16- 17)

للوحش اسم يمثل رقمًا. وجميعهم لديهم السمة على اليد اليمنى أو على جباههم. ما هي اليد اليمنى؟ نعرف إنه في ذلك الوقت كان الجميع يستخدمون اليد اليمنى، اليد القوية، التي تتصرف بها وتصنع بها أعمالك، يد السلطة. ولكن ماذا على الجبهة؟ أفكارك! هناك سمة إذن على الأفعال والأفكار. موسمين في أفعالهم وعقلياتهم. أُناس كثيرة، صغار وكبار، أغنياء وفقراء، رجال ونساء، موسمين في أفعالهم وعقولهم باسم الوحش، وهذا الاسم يمثل رقمًا.

لنعيد قراءة هذا الجزء:

16 وجَعَلَ جَميعَ النَّاسِ صِغارًا وكِبارًا، أَغنِياءَ وفُقَراء أَحْرارًا وعبيدًا، يَسِمونَ يَدَهُمُ اليُمنى أَو جَبَهَتَهم 17 فلا يَستَطيعَ أَحَدٌ أَن يَشتَرِيَ أَو يَبيعَ إِلاَّ إِذا كانَت علَيه سِمَةٌ بِاسمِ الوَحشِ أَو بِعَدَدِ اسمِه. 18 هذه ساعةُ الْحِكْمَةُ فمَن كانَ ذَكِيًّا فلْيَحسُبْ عَدَدَ اسمِ الوَحْش: إِنَّه عَدَدُ أسمِ إِنْسان وعَدَدُه سِتُّمائَةٍ وسِتَّةٌ وسِتُّون.

في اللغات القديمة، كالعبرية والعربية واليونانية، كانت للحروف قيم عددية تقابلها. ومنذ القرن الثاني قبل الميلاد عكف بعض شيع اليهود في تحويل التوارة إلى أعداد وفقًا لقيم الأحرف العبرية، وحاولوا فك الالغاز وشفرات الكتاب استنادًا على قيم الأحرف المكتوبة بها التوارة حتى انهم أشاروا إلى إن كافة الأحداث الكبيرة في التاريخ موجودة في صورة شفرة عددية في الكتاب.

تأتي قيم الأحرف العبرية في ثلاث مجموعات: الأولى بحرف الأليب =1، حرف البيت= 2…حتى حرف التاء= 9. ثم المحموعة الثانية التي تبدأ بحرف اليود= 10، حرف الكوف= 20… حتى حرف الصاد 90. ثم المجموعة الثالثة التي تبدأ القوف= 100، حرف الراء= 200 حتى حرف الثاء 400.

هنا تكمن الحكمة والفطنة، من كان ذكيًا، الكنيسة المدعوة لتمتلك الحكمة والتمييز. ستقودها الحكمة إلى أن تحسب عدد اسم إنسان ما! العدد هو ستمائة وستة وستون. كيف نعرف الاسم؟؟

يستخدم يوحنا القيمة العددية لأحرف معينة لايصال رسالة “مشفرة” للكنائس السبع في ذلك الوقت حتى لا يفهمها أحد سواهم.

عندما يصف يوحنا الوحش في البداية يقول: “وكانَ أَحَدُ رُؤُوسِه كأَنَّه ذُبِحَ ذَبحًا مُميتًا. فشُفِيَ جُرحُه المُميت، فتَعَجَّبَتِ الدُّنْيا كُلُّها وتَبِعَتِ الوَحْش”. بالعودة إلى القرون الأولى للمسيحية، نجد امبرطور وصفه المسيحيين الأوائل “بالوحش” الذي تعرض فيه الكنيسة إلى أبشع الاضطهدات. نيرون أو نيرو الذي أحرق روما وألصق الحريق بالمسيحيين رغبة في إلهاء الشعب عن سبب الحريق الأساسي وهو رغبته في أعادة بناء روما. قُبض على المسيحيين وتم اضطهادهم بقسوة وسفكت دمائهم بتقديمهم للوحوش الكاسرة أو حرقهم بالنيران أمام أهل روما في “الستاديوم”، وفي جميع أنحاء الامبراطورية، حتى أن مؤهلات الولاة الذين كانوا يتولّون الأقاليم هو مدى قسوتهم في قتل المسيحيين، وسيقت أفواج من المسيحيين لإشباع رغبة الجماهير في رؤية الدماء، وعاش المسيحيون في سراديب تحت الأرض وفي الكهوف. وقد استمر الاضطهاد الدموي أربع سنوات ذاق فيه المسيحيون كل ما يتبادر إلى الذهن من أصناف التعذيب الوحشي، وكان من ضحاياه: بولس وبطرس اللذان قتلا عام 68 ميلادية.

بعد انتحار نيرون في 68 م، كان هناك اعتقاد واسع النطاق، وخاصة في المقاطعات الشرقية، بأنه لم يمت ولكنه فر إلى بارثيا، بعد أن جُرِحَ بجرح مميت ولكنه مازال على قيد الحياة وسيجمع جيشًا كبيرًا وسيعود إلى روما لتدميرها من جديد والقضاء على المسيحيين. ويروي لنا المؤرخون، أمثال: سويونيوس كيف تنبأ المنجمون بعودة نيرون واستمرار عهد الاضطهادات. وتأصلت أسطورة “Nerivivivus” بانتحال مجموعة من الناس تشبه نيرون ويعزفون على القيثارة مثله، لشخص الأمبراطور في أزمنة متعاقبة لوفاته مما رسخ الاعتقاد بعودة الوحش، وهذا ما قصده يوحنا بالاشارة إليه بقوله: “وكانَ أَحَدُ رُؤُوسِه كأَنَّه ذُبِحَ ذَبحًا مُميتًا. فشُفِيَ جُرحُه المُميت، فتَعَجَّبَتِ الدُّنْيا كُلُّها وتَبِعَتِ الوَحْش”. واعتقد البعض أنه يعيش في الخفاء في قوة نفس العمر الذي كان عليه عندما اعتقد الناس إنه هلك، وسيعيش حتى يعود ويسترد مملكته.

كيف يُكتب اسم نيرون بالعبرية؟ يكتب بهذه الطريقة إذا ترجمنا الأحرف إلى العربية: “نرون قسر (N R W N – Q S R) ” القيصر نيرون. في العبري يُكتب: حرف النون، الراء، الواو، النون – القوف، السين، الراء. وفقًا للقيمة العددية للآحرف فأن اسم القيصر= 50+200+6+50+100+60+200؟ الإجمالي يساوي 666!

هذا الوحش قد كتب اسمه على أذرع متابعيه وعلى جباههم، كان يمتلك السلطة في بداية نشأة الكنيسة وشهد عهده أبشع الاضطهادات ضد المسيحيين وصلت ذروتها في استشهاد الرسولين بطرس وبولس في عام 68. هذا الوحش الذي صنعت له التماثيل في كل مكان وسجد له الشعب هو ما عناه يوحنا في رؤياه.

لكل عصر من العصور هناك هذا الوحش الذي يسيطر على البشر ويجعلهم يعبدونه، يرسمون صورته أو اسمه على أذرعتهم وجباههم.  لا يسطيع البشر أن يبيعوا ويشتروا “إِلاَّ إِذا كانَت علَيه سِمَةٌ بِاسمِ الوَحشِ أَو بِعَدَدِ اسمِه”، 666 في كل عصر.

إذا بحثنا على أصل كل الشرور في العالم عبر تاريخ البشر سنجد إن هناك نظام واحد يقف خلف كل فعل شرير. المال.

لماذا يتاجر البعض في المخدرات؟ لأجل المال! لماذا الحروب في كل مكان؟ لأجل المال! لماذا الاجهاض؟ لأن البعض يخاف من عدم تحمل تبعات الحمل بسبب المال، فيقرر التخلص من الأجنة. لماذا الجوع في العالم؟ لماذا استغلال الأطفال في الدعارة والعمل الشاق؟ لماذا العنصرية؟ لماذا الفساد؟ لماذا الرغبة في السلطة؟ لماذا الأمراض التي تفشت أخيرًا كالسرطان والأيذر؟ لماذا … خلف كل شيء هناك المال.

تأملوا معي في كل الضيقات والشرور التي تحيط بك والآلام التي تشعر بها داخل العائلة وخارجها.. ستجد إن الصراع على المال يقف خلفها. الاحباط والفشل، وحلم لم يتحقق، ستجد إنه مرتبط بصورة أكيدة بالمال.

تأملوا السمة المطبوعة على جباه الناس وعلى أذرعتهم، أي على أفكارهم وأفعالهم، ستجد إن المال هو السيد، هو القوة الحقيقية لعالم اليوم.

هذا هو العدو الحقيقي لإيمانك المسيحي، يجب أن تحصل على ما تريد. من أجل المال تنقسم العائلات، تنشأ المشكلات. من أجل المال يتنامى القلق في الحياة، ومن أجل المال تدخل في دوامة حسد الآخرين على ما يمتلكونه.

ما هي النقطة المركزية؟ يجب أن ترى حياتك إذا كانت موسومة بإله المال. المال هو ما يشغل ذهنك ومجمل أفكارك، وما يُحرك تصرفاتك. هل أنت مُجبر على التفكير بعقلية هذا الوحش، بطريقة تتمحور حول المال.

هل هنا أحدٌ لديه الاستعداد بأن يمقت هذا الوحش؟ ويرفض أن ينضم إليه؟ يرفض أن يوسم جبهته (أفكاره) وذراعه (أعماله) بالخضوع لسطانه؟

من الضروري الخروج من هذا النظام القاتل. يبدو مستحيل البيع والشراء دون عدد الوحش. يجب القضاء على هذا الوحش، وتماثيله. قال المسيح ليس هناك سوى ربين، إلهين في هذا العالم: الله والمال.

كيف يُترجم هذا عمليًا؟ أولاً يجب أن تُدرك الحقيقة التي أنت عليها. هناك تكمن الحكمة، كما قال يوحنا: “هذه ساعةُ الْحِكْمَةُ فمَن كانَ ذَكِيًّا فلْيَحسُبْ عَدَدَ اسمِ الوَحْش” (رؤ 13: 17).

في ذلك الوقت كانت النظام الامبراطوري الروماني هو السائد في العالم القديم، ونعيش اليوم في ذات الأجواء التي سادت العالم القديم. هناك ثقافة سائدة على الجميع. في الوصية السابعة “لا تسرق” يجب أن نشير إلى تعاليم الكتاب المقدس والكنيسة التي تعارض هذه الثقافة الرائجة اليوم. تعلم الكنيسة علمًا يقينًا أن المشكلة الحقيقية في عالم اليوم تكمن في عبادة المال.

لن تتوقف عن عبادة المال إذا كنت تُحبه وترى إن الحياة لا يمكن أن تكون رائعة بدون الخضوع لسيطرته. لنا المثل في يهوذا: الذي اعترض على أن تسكب امرأة عطرها الثمين على قدمي يسوع، وصرح بأن كان أفضل أن يباع مقابل ثلثمائة دينار ويعطى ثمنه للفقراء، في حين أن سلم معلمه مقابل ثلاثين من الفضة وهو مبلغ زهيد. المشكلة في الجشع ومحبة المال التي لا تفرق: “وجَعَلَ جَميعَ النَّاسِ صِغارًا وكِبارًا، أَغنِياءَ وفُقَراء أَحْرارًا وعبيدًا” كما تقول الرؤيا.

مبدأ النفعية الذي حرك يهوذا هو مبدأ ضد المحبة. أن تعيش دائمًا وفق ما هو منطقي ومفيد بالنسبة لك. إذا كنت تفعل دائمًا أشياء مفيدة ومنطقية فأنت لا تُحب أبدًا. لأن المحبة لا تحقق استفادة في شيء، لا تربح شيء، لا تفيد شيء. فالحب ليس منطقيًا: لا يحقق نفع ما، بل على العكس تخسر عندما تُحب. لن تتمكن من الحب ما لم تحطم هذا الوحش، تحطم تماثيله الكثيرة. لنمضى مع النص لنتعرف أكثر على ذلك الملاك الذي لديه تلك السلطة الخاصة في هزيمة الوحش.

تخدعوا أنفسكم إذا تصورتم إنكم غير موسمين بسمة الوحش على جباهكم وأذرعتكم، في أفكاركم وتصرفاتكم. هذه العقلية في البحث عن الربح، في الفائدة التي تعود عليَّ هي التي تحكم عالم اليوم.

لنفحص الكتب لنعرف كيف تتحرر من عبادة الوحش والخضوع لسلطانه. على أي شيء تدور حواراتك مع عائلتك وأصدقائك؟ تُقدر قيمة الناس اليوم وفقا لمقدرتهم على كسب المال، حتى في الأمور التي لا تعتقد فيها بذلك، لكن مزيد من الفحص سيكشف لك الحقيقة. أنت تحت ضغط خوف مستمر بأن لا تملك المال الكافي. حسابك في البنك يتناقص، فكر في خوفك من هذا الأمر.

أخرجوا من بابل العظيمة، كما يقول أشعيا النبي، ثم يتكرر النداء في سفر الرؤيا. بابل العظمى تمثل روما في الرؤيا، ونظامها الأمبراطوري القاسي هو النظام السائد في بدء المسيحية. كان النظام يسفك دم كل مسيحي لا يسجد لتمثال الامبراطور الحاكم. لكن قبل سفك الدم هناك خسارة طردك من المنظومة السائدة. في عالمنا المعاصر القوة هي المال.

لكي تكون مسيحيًا، هناك سمة أخرى على يدك وجبهتك، علامة الصليب التي يتلقاها المسيحيون في المعمودية.

لكن عندما نرى المسيحيين ماذا نرى فوق جباههم؟ ماذا ترى على جباه المسيحيين الذين تعرفهم؟ هل ترى علامة الوحش، هذا القلق الذي يقود تصرفاتهم على ممتلكاتهم وأموالهم. ماذا ترى في نفسك، هل تتبع هذا الوحش؟ فالمشكلة في الاعتقاد بأني خارج سيطرة الوحش وتكون الحقيقة عكس ذلك. أنا كاهن ولم أربح بعد هذه المعركة. يوقظ هذا القلق الجميع كل صباح ويدفعهم إلى سعى محموم للاستزادة منه، حتى لو كان على حساب الآخرين.

لا تتوقع الخروج من هذه الدائرة التي تشمل الجميع بسهولة، لكن على الأقل تبدأ في عدم بيع نفسك مجانًا للوحش. يقول الكتاب: “لأَن يَمُرَّ الجَمَلُ مِن ثَقْبِ الإِبرَة أَيسَرُ مِن أَن يَدخُلَ الغَنِيُّ مَلكوتَ الله” (مرقس 10: 25). “كُلُّ واحدٍ مِنكم لا يَتَخَلَّى عن جَميعِ أَموالِه لا يَستَطيعُ أَن يكونَ لي تِلْميذاً” (لوقا 14: 33).

هذا هو إنجيل يسوع المسيح، ولك أن تختار ما تقوم به في حياتك. لكن أعتقد إنه شيء جيد إذا بدأت أن ترى الوحش الذي يسكن داخلك. لأن المشكلة تصبح أعقد ولا يمكن أن تتغلب عليها متى اعتقدت أنك حر وأنت لستَ كذلك. إذا كنت أفكر بشكل نفعي كيهوذا، أعد وأحسب المال الذي أملكه والذي يمكن أن أملكه مستقبلا فأن الوحش قابع داخلي. من الممكن أن يكون المجتمع قد دفعنا إلى هذا النمط من التفكير، وسجلنا في عمق أعماقنا هذا القلق، الذي نراه طبيعي للغاية. أم تعتقد أنك مُحصن ضد هذا النمط من التفكير والقلق. لكن أحب أن أقول لك: إن هذا مستحيل.

أذهب إلى أي مدينة في العالم،تجد نفس المباني، أصبح العالم “قرية صغيرة” والجميع يتكلم ويتصرف بنفس الطريقة تقريبًا. هل تعتقد أن لديك شخصية ثقافية فريدة، العكس هو الصحيح، الجميع يفكر بنفس الطريقة تقريبًا. في الكونغو مثلا لا تجد مياه شرب نظيفة لكن تجد مشروب الكوكاكولا ومأكولات كنتاكي. لقد تم اخضاع الجميع لنفس الثقافة، وقلب هذه الثقافة النابض، الذي يعطي الطاقة المحركة للمجتمعات الحديثة، الذي يغذى الإباحية الجنسية عبر وسائل التواصل، وسهولة الاتجار بالمخدرات، وأن يظل الأغنياء أغنياء والفقراء فقراء. هذا القلب هو المال، 666، النظام الموحد للإمبراطورية الحديثة التي تشكل نوع واحد فقط من العلاقات بين الأفراد: العلاقات الاقتصادية.

إذا أدركت هذه الحقيقة عليك أن تحارب بأن لا تسجد أنت أيضًا للوحش، لا تتسم بسمته في جبهتك، في عقلك وعلى تصرفاتك في الحياة. إن إيمانك بمحاربة الوحش في حياتك سينير العالم من حولك، فإن رجل حر يُصبح كالمنارة المضيئة في الظلام الحالك الذي يكتنف العالم من حولنا. عليك بانقاذ العالم!

يمكنك أن تكون مسيحي، وتعمل كلمة الله من خلالك كالتطعيم ضد الإصابة بالمرض. يمكنك أن تبدأ بإدراك مدى تأثير العقلية السائدة الآن عليك. لا تخدع نفسك وتتبع علامات العبودية. هذه هي نقطة البداية.

كل شخص لديه اسلحته الخاصة لمقاومة الوحش، نحن لدينا كلمة الله ذاتها، نسمعها كل يوم لتعضدنا ضد سيطرة الوحش وتذكرنا بالضرر الواقع علينا إذا عبدنا المال.


قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.