إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

دعوة إلى العمق (6): دعوة لعدم الامتلاك

147

حاول الشيطان، في تجربة المسيح الأولى، أن يزرع قناعة فكرية في عقل البشر مفداها: “أنت جسد فقط”. فمحور حياة الإنسان هو “الاهتمام بالجسد”. هي ذات التجربة التي سقط فيها الشعب العبراني فصنعوا عجلاً مسبوكًا من الذهب لحمايتهم من مخاطر البرية بعد أن نسوا سريعًا تدخلات الله العجيبة وكيف أخرجهم من مصر. استدعى الشعب من خلال صورة العجل عبادته الوثنية القديمة، ولجأ إلى أبيس، إله الجنس والخصوبة.

تركيز الحياة على الاهتمام بالجسد هو عبادة وثنية. التفكير في كل ما هو خاص بالجسد ورغباته الحسية والجسدية دون الاهتمام بالله، هي عبادة آله غريب. في حين كانت الوصية الأولى: ” أَنا الرَّبُّ إِلهُكَ… لا يَكُنْ لَكَ آِلهَةٌ أُخْرى تُجاهي”.

استمرت محاولات الشيطان مع يسوع فعرض عليه قناعة فكرية جديدة. تتمثل في القوة والسيطرة من خلال القوة الناعمة، من خلال الإبهار. التجربة التي عرضتها الحيةُ على حواء: “وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ”. هي تجربة الإنسان الأساسية التي فيها يرفض الإنسان حالته كمخلوق على يد غيره، يريد أن يكون هو “المركز”، أن يكون النقطة المرجعية للكون كله. كل شيء يدور حوله، هو القوى المسيطر، هو قادر بامكانياته ومواهبه وقدراته ونجاحاته أن يُبهر العالم.

أراد أبليس أن يُسقْط المسيح أيضًا فيما سَقط فيه آدم وحواء بإغواء الحية. في رده على إبليس قدم المسيح منهجًا مختلفًا تمامًا: “هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة، بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان” (فيلبي 2: 6- 7). أسلوب حياة يعتمد الخدمة مقابل نزعة السيطرة على الآخرين. لخصَ المسيح رسالته على الأرض وسبب تجسده عندما أعلن: “لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ ألَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ” (مر10: 45). فمن أراد أن يكون عظيمًا فليكن خادمًا.

هناك رسالة لكل إنسان مسيحي، خاصة المكرسين، أن يكون عنوانًا لحضور الله وحاملاً لأيقونته وسط العالم. إذا كان مهتمًا بذاته، ومشغولاً بأموره الشخصية، متمركزًا حول نفسه فإنه لن ينتبه لحاجات الآخرين. لذا طلب الرب من بطرس أن يُبعِدَ قليلاً عن البر، لكي يرى احتاجات الآخرين. العالم في حاجة للكرازة بكلمة الله، في حاجة لنشر ملكوت الله، والمسيح وحده لن يعمل.

كان بطرس منكفئًا على نفسه ومشكلاته (لم يصطاد شيئًا طيلة الليلة السابقة، كان يفكر في أسرته وأبناءه ومتطلباتهم الحياتية) لم يرى الجموع وهي تحتشد لسماع كلمة الله. استع مجال الرؤية أمامه عندما استقل الربَّ قاربه، ورأى بعينيه حاجة الناس لسماع كلمة الله وشغفهم الشديد، هكذا يقول الوحي: “وَإِذْ كَانَ الْجَمْعُ يَزْدَحِمُ عَلَيْهِ لِيَسْمَعَ كَلِمَةَ اللهِ”. ازدحم الجمع على يسوع حتى كادوا يدفعونه إلى المياه.

كان الرب يسوع منهمكا مع جمع يزدحم عليه ليسمع كلمته. كان يسوع يشفي المرضى ويصنع المعجزات، لكن الجمع ازدحم عليه، لا للحصول على نعمة الشفاء أو لانتظار معجزة، بل كان لديه شغفٌ ليسمع كلامه. هناك دوما مَن يحتاج أن يسمع كلمة الله! هناك أُناسٌ يبحثون عن الحقيقية!  هناك ملايين يعطشون بعمق لمعرفة الحق! لأننا نستمتع داخل كنائسنا داخل الأسوار، بينما الناس تحتاج إلى من يأمنوا لهم فيفتحوا قلوبهم.

بطرس نفسه فطِّن إلى جوع الناس لسماع كلمة الله، فكتب في رسالته الأولى: “وكونوا دائِمًا مُستَعِدِّينَ لأَن تَرُدُّوا على مَن يَطلُبُ مِنكم دَليلَ ما أَنتم علَيه مِنَ الرَّجاء” (1بطرس 3: 15). الإنسان المسيحي له رسالة محددة أن يكون ملحًا ونورًا للعالم. كان يسوع مهموم بالناس ويعيش بالناس ويحب الناس. في حادثة المرأة الكنعانية يسير 100 كيلو متر لأجل امرأة واحدة تملك إيمانًا نقيًا طاهرًا أكثر من قادة اليهود (متى 15: 10-28)، نفس الأمر تكرر مع المرأة السامرية (يوحنا 4) والكثيرين غيرهم.

أما الإنسان المنكفء على ذاته لا يرى إلا مشكلاته الخاصة ولا يفطن إلى رسالته في الحياة والمعنى من وجوده، كما حدث مع بطرس.

  • رمزية عجل الذهب

صنع الشعب عجلاً مسبوكًا من ذهب وتلك كانت تجربة المسيح الثالثة والتي فيها قدم الشيطان قناعةً فكرية جديدة، لنقرأ النص:-

متى 4: 8 أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً، وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا،9وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». 10حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ».

أخذه إبليس على جبل عالٍ وأراه جميع ممالك الدنيا ومجدها، وقال له سأعطيك كل شيء متى سجدت لي. عبارة الشيطان تتضمن الاشارة إلى إله الآلهة إله التملك أو إله المال!! صُنع العِجل من ذهب: “فنَزَغَ كُلُّ الشَّعبِ حَلَقاتِ الذَّهَبِ الَّتي في آذانِهم، وأَتَوا بِها هارون.4 فأَخَذَها وصَبَّها في قالَب، وصَنَعَها عِجْلاً مَسْبوكاً” (خروج 32: 3- 4). إذا كنت أنت ابن الله فلابد لك أن تملك ممالك الدينا وتحظى بمجدها.

السعادة والمعنى في الحياة هو في الامتلاك. هذه هي القناعة الفكرية الثالثة التي زرعها الشيطان في الإنسان. فكل إنسان لديه رغبة قوية في أن يشبع شهوته أو أن يروي ظمأه للحصول على ملكية ما والتعلق بها. حتى أفقر الفقراء لا بد من أنهم يملكون شيئًا ما، أي شيء، وهم يعتزون بممتلكاتهم الضئيلة هذه ويتعلقون بها، مثل ما يتعلق غني بملكيته. والفقراء، مثلهم مثل كبار المالكين، تتملكهم رغبة شديدة في المحافظة على ما يملكون، وزيادته. فأسلوب التملك هو الأسلوب الأكثر مناسبة للحياة.

مخاطر أسلوب التملك

  • أسلوب التملك يجعل كل ما يهم الإنسان في الحياة الإنسان هو حصوله على الملكية. وهذا الاسلوب، كما أوضحه عالم النفس الكبير إيرك فروم، يستعبد الآخرين ولا يقيم اعتبارًا لهم. لنا أمثلة كثيرة في الحياة وفي الكتاب المقدس تعكس هذا الأسلوب في الحياة الذي يستعبد الآخرين ولا يقيم اعتبار لهم، بل يمكن أن يسحقهم لأجل أن يمتلكَ الشيء الذي يرغب فيه. سفر الملوك الأول يروي قصة أحاب، ملك السامرة، الذي يطمع في كرم نابوت اليزرعيلي المجاور لقصره، وعندما يرفض، يغتم ويحزن وهو الذي يعيش في قصر أبوابه من العاج الثمين. تتحايل زوجته (الملكة إيزابل) فتدبر مكيدة للاستيلاء على الكرم بعد أن تدعي إن نابوت جدف على الله والملك ويساعدها الشيوخ. فيتم رجم نابوت ويستولى آحاب على الكرم. لم يكتفي آحاب بما لديه، فالتملك قناعة عقلية تتملك الإنسان تمامًا وتجعله يشعر إن هويته تتوقف على ما يملكه وما يستطيع أن يملكه. لذا نرى آحاب يحزن ويكتئب، ليس لأن الكرم أفضل من الكروم التي يملكها، لكن لأنه شعر إن هويته مهددة تتوقف على أن يحصل على هذا الكرم بالذات.
  • يخدع أسلوب التملك الإنسان فيجعله يستغنى عن الله ويعتقد إن ما يحصل عليه هو وليد جهده فقط: “تَقولُ: أنا غَنِيًّ وأنا اَغتَنَيتُ فما أحتاجُ إلى شيءٍ. ولكِنَّكَ لا تَعرِفُ كَمْ أنتَ بائِسٌ مِسكينِ فَقيرٌ، عُريان وأعمى (رؤ 3: 14- 17). يتصور إن الممتلكات التي يستحوذ عليها هي ملكه الخاص، التي صنعها بإرادته وجهده في الحياة، ولا ينظر إلى الله بأنه مصدر الخيرات كلها.

في تفسيره لمثل قاضي الظلم (لوقا 16: 1- 13) يُشدد ذهبي الفم على هذا المعنى بقوله: “مال الظلم هو كل ملكية يعتقد الإنسان أنه سيّدها بينما هو يسلبها من مالكها الوحيد، الله. كل مدبّرٍ مؤتمن، وكيل، على إدارة هذا المال حين يُحوَّل نفسه إلى مالكٍ له يُصبح عندئذ سيداً على مال ظلم. وبالتالي يقول المسيح أننا بالحقيقة نصنع صدقاتنا من ماله هو، وليس من مالٍ لنا. لقد وهب الله الخيرات الحرة للجميع وقدم الخيرات الاقتصادية إلى الناس، وهي ملكه، ليُحسنوا توزيعها. حُسنُ التوزيع هذا يساعد على المحبة والنمو الأخلاقي. الخيرات المادية هي بمثابة “الوديعة” و”الوكالة” التي يؤتمن عليها الإنسان، وحسن توزيع الخيرات المادية هو الذي يُحدد ما إذا كان الله هو السيد أم المال في حياته. فإذا نظر إلى المال على إنه ملكية خاصة به جعل من المال إلهًا يتعبد إليه.

المال ليس شرًا، فهو خير، لكن الانشغال به هو المشكلة. والعقلية التي تقف وراء هذا الانشغال والتي تجعل من أسلوب التملك الأسلوب الأنسب للحياة. عندما تطغو هذه الرغبة في التملك يتحول الإنسان عبدً لها، لذا حذر الرب من السقوط في عبادة المال.

لقد تجسد المسيح فقيرًا، هكذا يصف بولس الرسول أسلوب الحياة الذي تبناه في حياته الأرضية: “فقَدِ افتَقَرَ لأَجْلِكُم وهو الغَنِيُّ لِتَغتَنوا بِفَقْرِه” (2 كورنثوس 8: 9). يقول الرسول إننا قد تحررنا، لا بواسطة غنى المسيح، بل بواسطة فقره، ففقر المسيح هو أفضل من الغنى. إن يسوع غني باتكاله غير المحدود على الله الآب، وبالاستسلام له في كل حين، سعيه الوحيد العملُ بمشيئته.

حاربَ المسيح أسلوب الحياة القائم على التملك. وأوضح في مواقف كثيرة إنه لا يدعو إلى التخلي تماما عن الممتلكات المادية، لأن هذا مستحيل، كما إن الفراغ ليس مهمًا. إنّما المهم ما يدعى إلى ملء هذا الفراغ. أن كل مرّة يريد الربّ فيها أن يمنح ذاته لإنسان، يبدأ بأن يحفر فيه مكانه الخاص به. إنه يحقق الفراغ أو على الأقل يجعل الإنسان يلمس لمس اليد الفراغ الذي في كل كائن. هذا ما فعله الرب يسوع فقد أخلى ذاته، أي تجوف وأصبح فقيرًا (فيلبي 2: 6- 11). عندما يتحرر الإنسان من مظاهر التملك، يصبح لا شيء ينازع الله في قلب الإنسان:

متى 6: 24 «لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ، لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ، أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ.

المال ليس شرًا، لكن أسلوب الحياة القائم على التملك هو أسلوب مدمر للحياة الروحية والنفسية.

  • من الناحية الروحية: يقف منهج الحياة هذا كعائق يمنع التفرغ التام للرب. لذا كانت اجابة يسوع على تجربة إبليس الأخيرة، لم يصف الممتلكات كونها شر، بل أشار إلى أمر أخر تماما وهو دورها كعائق أمام عبادة الله الحي: «اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد».

عندما يتحول الأمر إلى عبادة المال، إلى أسلوب حياة يعتمد على التملك، فإن تفرغ الإنسان لعبادة الله والارتباط به بعلاقة شخصية سيكون صعبًا. لذا يضيف الرب: “مُرُورُ جَمَل مِنْ ثَقْبِ إِبْرَةٍ أَيْسَرُ مِنْ أَنْ يَدْخُلَ غَنِيٌّ إِلَى مَلَكُوتِ اللهِ” (مرقس 10: 25). عندما يلتقي إنسانٌ ما بالله لقاء مُغير للحياة ويثق تمامًا في عنايته الأبوية فإنه نظرته إلى الأشياء والعالم ستتغير. تجعله يحسب كل الأشياء عديمة القيمة، كنفاية، مقارنة بمعرفة ومحبة الله، كما عبر بولس عن ذلك بقوله: “أحسُبُ كُلَ شيءٍ خَسارةً مِنْ أجلِ الرِّبحِ الأعظَمِ، وهوَ مَعرِفَةُ المَسيحِ يَسوعَ رَبّي. مِنْ أجلِهِ خَسِرتُ كُلَ شيءٍ وحَسَبتُ كُلَ شيءٍ نِفايَةً لأربَحَ المَسيحَ” (فيلبي 3: 8).

  • من الناحية النفسية: إذا كنت أنا هو ما أملك، ثم فقدت ما أملك، فمن أكون؟ لن يبقي سوى شخص مهزوم، تعيس ومثير للشفقة. أشرنا إلى حزن واكتئاب آحاب، كذلك الشاب الغني الذي مضى حزينًا إلى بيته، لأنه شعر بخوف شديد في أن يفقد ما يملك، يفقد هويته المبنية على ما يملك. يعيش الشخص في قلقٍ وخوف دائمين من إمكان حدوث هذا. يعاني من أمراض الذعر والوسوسة المزمنة، فيتحول إلى كائن مشغول بالدفاع عن نفسه: “لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ” (1 تيموثاوس 6: 10).

في جوابه على الشاب الغني لا يقول المسيح له ماذا يجب أن يفعل كي يرث الحياة الأبدية، بل يقوله له ماذا يفعل كي يرى الآن تلك الحياة الأبدية. يضع أمامه الطريق كي يختبر تلك الحياة ويحياها الآن، ليتذوق جمالها. معنى كلام يسوع اذا؟ ما يريده المسيح ألا يكون المال اية مكانة في قلبك، تستعمله ولا تشتهيه، تكون حرًا منه بحيث تعطي بعضا منه او الكثير اذا احتاج إليه غيرك. لا تكن محبا للمال انما يكون المال وسيلة وليس غاية وان تكون على يقين ان ملكوت الله هو الأول في حياتك، قال الرب يسوع بل اطلب ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم (لوقا 12: 31). وهذا ما هو مطلوب من الانسان: الحرية من اجل طاعة وتنفيذ وصايا الرب ،اذ بوصايا الرب يحيا الانسان. الحرية هي ان تصنع ما يتمناه الله وما يأمر به وما يوصي به ، والشاب الغني لم تكن له مثل هذه الحرية .

السعادة الحقيقية في الامتنان والشكر عندما يتحرر الإنسان من الاهتمام المبالغ بالأشياء المادية، ويهتم بخالق هذه الأشياء. هو تحرر داخلي من عبودية المال والقلق المرتبط به، والثقة بعناية الله. عندما يتحرر الإنسان من نزعة تملك الأشياء فإنه يصل إلى ما يحقق له السعادة في الحياة: الامتنان.

الامتنان هو حصيلة العيش بدون عبادة الأصنام وهدم البنية التي تعتمد عليها الأفكار الخاطئة التي تدمر الحياة. لا قداسة للأشياء أو الممتلكات،

موقف بطرس

نعود إلى بطرس، مرافقنا في هذه المسيرة، عاد إلى الصيد كما سبق أن ذكرنا لتوفير احتياجات أسرته الصغيرة. إلا لقاءه الثالث مع يسوع، على ضفاف بحيرة جنيسارت، وهو منكسر حزين لشعوره بعدم الكفاءة أمام أسرته الصغيرة، غيره تمامًا من الداخل. تحول بطرس من أسلوب الحياة المعتمد على ما يملكه في الحياة، قاربه وشباك الصيد وخبرته كصياد محترف، إلى إنسان يتبني أسلوب مختلفًا في الحياة يعتمد فيه على التحرر الكامل من المال وسطوته على الناس، والثقة الكاملة في عناية الله الأبوية.

لقد رأى كيف أعطاه الله سمكًا وفيرًا، حتى تخرقت الشباك، فاستعان بأصدقائه وملأُوا السفينيتين حتى أخذتنا في الغرق. عرف إن الله هو واهب الخيرات، فماذا يتهتم بما يأكل وبما يشرب وبما يلبس. استعاد كلمات يسوع في عظته على الجبل:

متى 6: “31فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ ؟ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ ؟ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ 32 فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ.  لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. 33لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ، وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. 34فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ، لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي الْيَوْمَ شَرُّهُ”.

أسلوب الحياة القائم على التملك هو أسلوب حياة مَن يخضعون لسيطرة الآلهة: ” فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ”، أما الإنسان المسيحي فعليه أن يتذكر عناية الله له.

موقف بسيط ورد في متى 17 يظهر، اعتماد بطرس الكامل على الله (المسيح) وتبنيه لأسلوب حياة قائم على الكينونة أكتر من التملك. عندما طلب جباة الضرائب الدرهمين كضريبة الهيكل من بطرس، لم يكن لديه حتى هذا المبلغ الضئيل. ذهب إلى يسوع الذي قال له: “فَاذهَبْ إِلى البَحرِ وأَلقِ الشِّصَّ، وأَمسِكْ أَوَّلَ سمَكةٍ تَخرُجُ وَافْتَحْ فاها تَجِدْ فيه إِستاراً، فَخُذهُ وأَدِّهِ لَهم عنِّي وعَنكَ» (متى 17: 24).

قد يعجبك ايضا
Loading...