إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

هل تتحكم في غضبك؟

1٬098

سيخرج إلى النور، في الصيف المقبل، الفيلم الهندي “Chhapaak”، والذي يجسد معاناة الكثير من الفتيات والنساء في الهند وبنجلادش. يعرض الفيلم المبني على قصة حقيقية، حياة فتاة، تدعى لاكسمي أغاروال، شُوهت بالأسيد (ماء النار) عندما كانت تبلغ الـ14 من عمرها، بعد رفضها الزواج من رجل يبلغ ضعف عمرها. ولقد أجرت لاكسمي أغاروال عدة عمليات جراحية ولكن التشوهات ما زالت بادية على وجهها (كما تراها في الصورة المرفقة). وقد عبرت عن ذلك اليوم بقولها: “لقد أحرق وجهي وروحي أيضا، تخليت عن الدراسة وتحطمت كل أحلامي”.

غضب الرجل وشعر بالإهانة من أن ترفضه فتاة صغيرة، فحطم حياتها تمامًا. عندما لا نسيطر على غضبنا تكون النتائج كارثية: نققد أصدقائنا وأقربائنا، نجرح الكثير منهم، نؤذى شخص ما نفسيًا، ويمكن أن نحطم في ثورة غضبنا حياة الآخرين. لذا يعلمنا الكتاب بضرورة التحكم في نبوات الغضب لأن: “الطًّويلُ الأناة خَيرٌ مِنَ الجبَّار والَّذي يُسَيطِرُ على روحِه أَفضَلُ مِمَّن يَأخُذُ مَدينَة” (أمثال 16: 32). الذي يسيطر على روحه أفضل من مالك مدينة.

أود أن أقترح عليك، عزيزي القارئ، أحد وصايا البابا فرنسيس الخاصة بالصوم، يقول: “صُم عن الغضب وتحلى بالصبر”. هل باستطاعة الإنسان أن يصوم، يتخلي عن الغضب؟!

نعلم جميعًا أن الغضب هو عاطفة مرتبطة بتفاعلات كيمائية في الجسم تنشأ نتيجة لموقف مثير لا يستطيع الإنسان أن يتحكم فيه ويشعر فيه بعواطف آخرى دفينة يعبر عنها بالغضب. هي عاطفة طفولية، إذ أنّ عدم تطوّر شخصية الأطفال، وجهلهم الطبيعي بطُرُق التواصل مع مشاعرهم ومع الآخرين، يجعلهم عادةً يلجؤون للتعبير عن أنفسهم بالصراخ والصوت العالي والبكاء، ورُبّما بالتكسير والتدميرِ أيضًا، وتكييلِ الاتهامات إلى عائلاتهم في محاولةٍ بائسة للفتِ نظرهم إلى ما يشعرونَ به من حُزنٍ أو قهرٍ أو عدم رضى.

تأتي مشاعر الغضب لإخفاء مشاعر أخرى مشاعر كالحُزن، والاحتياج، والوجع، والشعور بالتهديد أو بالإهانة، غالبًا لأنها كُلّها مشاعر تحتوي على الكثيرِ من الضعف، وكلنا لا نُحِبُّ إظهار الضعف بأشكاله، لذا نلجأ لإخفائها بأكثر المشاعر تدميرًا ووضوحًا وقوة، وهو الغضب، كإجراء احترازيّ ودفاعيّ نُريد به حمايةَ أنفسنا من المزيدِ من الإيذاء، أو هكذا نعتقد.

الغضب إذن مظهر خارجي لإخفاء مشاعر أخرى دفينة. عقد الرجل العزم على إيذاء لاكسمي الصغيرة بسبب شعوره الإهانة. الغضب ليس شرًا أو خطيئة. فهل تعلم أن كلمة “غَضِبَ” ترد في العهد القديم 455 مرة، منها 375 مرة قيلت عن الله. فالله هو أكثر هو أكثر شخص سجل عنه الكتاب المقدس قد غضب. فحاشا لله أن يكون غضبه خطأ، فهو غضب مقدس يعبر عن ضيقه بشر البشر، هكذا يعبر ميخا النبي: “أَحْتَمِلُ غَضَبَ الرَّبِّ لأَنِّي أَخْطَأْتُ إِلَيْهِ حَتَّى يُقِيمَ دَعْوَايَ وَيُجْرِيَ حَقِّي” (ميخا 7: 9). لذا غضب يسوع كثيرًا أمام قساوة الفريسيين وفي يومٍ طرد الباعة لأنهم جعلوا بيت الله سوقً تجارية.

الغضب ليس خطيئة إذن، فكوني أشعر بالضيق من موقف معين ليس خطأ، لكن عليَّ فحص دوافع غضبي. فالعصبية الزائدة والصوت العالي الزاعق يخفيان الكثير. من الممكن أن تكون هناك مشاعر سلبية دفينة متخفية تظهر وقت الغضب، كالحقد وعدم المحبة، الحسد، الشعور بالمهانة وعدم التقدير. 

لذا لا يمكنا أن نقرر بأننا لن نغضب مرة أخرى، لا يمكننا أن نصوم عن الغضب، لكن يمكنا التحكم فيه بالبحث ومعرفة دوافعه وفهمها وتنقيتها. الخطوة الأولى إذن للتحكم في الغضب هي: أن تعرف دوافع غضبك! السبب وراء ثورتك العصبية، هل هو شعور بالظلم، الحسد، الغيرة، عدم التقدير، وهكذا.

الخطوة الثانية: هي التحكم في طريقة تعبيرك عن غضبك! فالطريقة هي التي تجعل غضبك خطيئة من عدمه. يقول الوحي الإلهي: «اِغضَبوا، ولَكن لا تَخطَأُوا»، لا تَغرُبَنَّ الشَّمْسُ على غَيظِكم” (أفسس 4: 26). المشاعرُ السيئة يجبُ التخلُّص منها وتنظيفُها أولاً بأول، حتى لا تتراكم فتتضخم وتجعلك تفكر في الانتقام، تحول مشاعرك إلى كراهية وضغينة تجاه الآخر. شعر الرجل بإهانة من رفض لاكسمي أغاروال، لم يعمل على تصفية تلك المشاعر السلبية أول بأول، أو محاولة تفهمها، فتحولت إلى طاقة تدميرية راحت ضحيتها حياة فتاة تعيش الآن كشبه امرأة بعد احترق وجهها وروحها معًا.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.