إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أنت متأكد إنك حيّ؟

1٬127

عمرك سألت نفسك السؤال ده: أنت بجد حيّ؟

هتقولي ما أنت شايفني عايش قدامك، بتنفس وقلبي لسه بينبض، وربنا مديني صحة وبتحرك في كل مكان، بأكل وأشرب، وبأشتغل كويس، عندي أسرة وأصحاب، بأفرح وأنبسط وقت ما أنا عاوز، وده ما يمنعش إنه في أوقات نكد وحزن وألم. بس ليه السؤال الغريب ده؟
لمّا تكون كويس صحيًا ونفسيًا وعندك علاقات ممتازة مع الناس، شيء رائع طبعًا، بس مش دليل على إنك حيّ!!
فيه نص في الإنجيل يسوع بيتقابل فيه مع حد مهم، متدين وعالم من علماء الشريعة، صحيح بدنيًا، يعنى مش مريض ولا عاجز أو في النزاع الأخير. شخص طبيعي جدًا، زي كل واحد منّنا، وبالرغم من كده المسيح بيقوله: “اَعمَلْ هذا فتَحيا!!”. بس الشخص حيّ، وسليم بدنيًا. نفهم من كده إن الإنسان منّنا ممكن يكون عايش في الدنيا، صحته كويسة جدًا، بيشتغل وبيأكل ويشرب، لكنه من وجهة نظر يسوع ميت.
بنقرأ الحدث ده في إنجيل القديس لوقا: “وَإِذَا نَامُوسِيٌّ قَامَ يُجَرِّبُهُ قَائِلاً: «يَا مُعَلِّمُ وَقَالَ مَاذَا أَعْمَلُ لأَرِثَ الْحَيَاةَ الأَبَدِيَّةَ؟» فَقَالَ لَهُ: «مَا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي النَّامُوسِ. كَيْفَ تَقْرَأُ؟» فَأَجَابَ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ، وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ». فَقَالَ لَهُ: «بِالصَّوَابِ أَجَبْتَ. اِفْعَلْ هَذَا فَتَحْيَا»” (لوقا 10: 25- 28).
الحياة الحقيقية، في نظر يسوع، أمرٌ مختلف تمامًا عما نفهمه نحن كبشر. هي ليس البقاء على قيد الحياة، والتمتع بصحة جيدة ووضع اجتماعي مميز، ليس هي قلب ينبض وأرجل تمشي على الأرض، وفم يأكل طعامه. الحياة الحقيقية ليست في تحقيق الطموحات “المشروعة” في النمو والإزدهار والغنى والمكانة الاجتماعية المرموقة، الحياة الحقيقية هي أن أكون واعي لرسالتي في الحياة، أن أكون قادر على الحب وأن أتمتع بحبِ الآخرين. الإنسان الغير قادر على الحب هو إنسان ميت. أن تكون صحيح بدنيًا، خالي من الأمراض المُقلقة، ليس دليلاً على إنك حيّ. هناك الكثير من الموتى بيننا، يأكلون ويشربون، يعملون ويحققون الكثير من النجاحات في الحياة، لكنهم موتي متى كانوا غير قادرين على الحب.
نقطة أخرى يُشير إليها يسوع، فهو يقول للرجل ” اِفْعَلْ هَذَا فَتَحْيَا”، فالحب ليس مشاعر وأحاسيس وعواطف جياشة تتنمى فيها الخير والسعادة للأخرين. الحب الحقيقي هو نشاط وأفعال تجاه الآخرين وليس شعورًا سلبيًا. الحب هو عطاء لله وللأخر.
كما إن العطاء ليس هو التخلي عن شيء ما للآخر، مادي أو معنوي، بل “مشاركة” الآخر في الجزء الحي من حياتك، في نفسك. أن تُعطي الآخر حبًا أي أن تعطيه من فرحك، من شغفك، من فهمك، من علمك، من مرحك، من حزنك، من كل التعابير والتجليات لذلك الشيء الحي الذي فيك. عطائك من حياتك يجعل الآخر غنيًا، يمنحه الشعور بالحياة وروعتها. ويولد في الآخر الرغبة في العطاء. الحب قوة تنتج الحب. قوة حياة تنتج حياة. تكون أنت حي وقادر على إعطاء الحياة.
في قناة فرانس 24 شاهدت اليوم برنامج وثائقي عن بطلة العالم في الكارتيه لثلاث مرات “لورانس ميشيل”، التي قرأت يومًا أن أعلى نسبة لإغتصاب النساء في العالم هي في الكونغو. تركت مسابقات الكارتيه بالرغم من كونها بطلة للعالم، وذهبت إلى الكونغو لتدرب الفتيات القاصرات عن كيفية الدفاع عن النفس ضد المتحرشين. فتحت مدرسة مجانية، وانفقت عليها بنفسها. تركت الأضواء لأجل أن تمنح مستقبل أكثر إشراقًا لفتيات لا تعرفهن. العطاء هو فرح في حد ذاته، أسمح للآخرين أن يشاركوني في الجزء الحي من حياتي في علمي، فرحي، مواهبي، شغفي بالحياة.
أنت حي متى كنت قادر على الحب، لكي ليس بالمشاعر والأحاسيس والكلمات الطنانة، بل بالأفعال الحقيقية، بالعطاء الملموس للآخر، بدعوة الأخر أن يشاركني في نفسي.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.