إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

الشك دليل على الإيمان

1٬195

كثيرًا ما نصف الأشخاص بصفة تلازمهم طيله حياتهم، وتكون أحيانًا صفة تحقيرية، كوصف الشخص بأنه أعمش، للقول بأنه ضعيف النظر. أو بانه أشتر، أي مشقوق الشفة العلوية. ونسمي شخص بالجاحظ لجحوظ عينه، ونقول إن فلان أعرج، أو أصم وغيرها من الألقاب والتسميات التي نصف بها نقاط ضعف الناس أو لنُظهر عيوبهما على الملء.

اليوم هو أحد توما الذي نطلق عليه لقب “الشكاك”! في زيارة لي لكنائس مصر القديمة وجدت منبرا خشبيا رائعا قائم فوق اثني عشر عمودا من الرخام. عشرة منهم رخام أبيض ناصع، وواحد مصنوع من الرخام الرمادي، والأخير من الرخام الأسود. فسر لنا المرشد رمزية الأعمدة بقوله: أن الأعمدة تمثل التلاميذ الأثني عشر، العشرة البيض هم حاملي الإيمان، أما الرمادي فهو يرمز إلى توما الرسول بسبب شكه، والأخير يرمز إلى يهوذا لأنه هو الذي أسلم المسيح ليُصلب.
توقفت أمام هذه الرمزية، لماذا نصف توما بالشكاك؟ هل لأنه لم يؤمن إلا بعد أن يري بنفسه ويعاين المسيح القائم، ويلمس أثار المسامير والحربة في جسد الرب.

ألصقنا تهمة الشك بالرسول بعد أن رفض رواية التلاميذ قائلين له: «لَقَدْ رَأَيْنَا الرَّبّ!». فَقَالَ لَهُم: «مَا لَمْ أَرَ أَثَرَ الـمَسامِيرِ في يَدَيْه، وأَضَعْ إِصْبَعِي في مَوْضِعِ الـمَسَامِير، وأَضَعْ يَدِي في جَنْبِهِ، لَنْ أُؤْمِن!». من الممكن أن يكون قد أخطا بعدم تصديق زملائه، لكن مَن من التلاميذ لم يشك في المسيح. في وقت العشاء حذر المسيح تلاميذه قائلاً: «كُلُّكُمْ تَشُكُّونَ فِيَّ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ” (متى 26: 31). وعندما أعلمتهم المجدلية بالقيامة، يقول الوحي الإلهي: “فَلَمَّا سَمِعَ أُولَئِكَ أَنَّهُ حَيٌّ، وَقَدْ نَظَرَتْهُ، لَمْ يُصَدِّقُوا” (مرقس 16: 11). بطرس شك مراتٍ كثيرة أولها عندما مشى على الماء ولم يصدق فأخذ يغرق، فقال له الرب: «يا قَليلَ الإِيمان، لِماذا شَكَكْتَ؟». ثم في وقت العشاء أعلن وبكل ثقة: «وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَداً»، فأنكر الرب ثلاث مراتٍ في تلك الليلة.

نصف توما بأنه شكاك بالرغم من أن التلاميذ لم يصدقوا قيامة الرب، فيقول يوحنا إنه عندما ظهر لهم الرب، في غياب توما، “أَرَاهُمْ يَدَيْهِ وَجَنْبَهُ، فَفَرِحَ التّلاَمِيذُ إِذْ رَأَوُا الرَّبَّ”. لم يصدق التلاميذ القيامة إلا بعد رؤية أثار المسامير والحربة في جسد المسيح، الوحيد الذي لم يرى ذلك الدليل هو توما وحده.

كان توما شخص يحب الرب يسوع جدًا في حياته، وعندما علم بأن المسيح سوف يذهب إلى أورشليم قال: “فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه!» دالً على مشاعره القوية تجاه يسوع. رأى المسيح وهو معلق على الصليب، وعندما أخبره زملائه بأن المسيح قام لم يصدق فقد رأه مصلوبًا على الصليب، لذا يكرر ما رأه من أحداث منذ أيام ولم ينساها أبدًا: «مَا لَمْ أَرَ أَثَرَ الـمَسامِيرِ في يَدَيْه، وأَضَعْ إِصْبَعِي في مَوْضِعِ الـمَسَامِير، وأَضَعْ يَدِي في جَنْبِهِ، لَنْ أُؤْمِن!». يرد توما أن يرى يسوع الحقيقي وليس ملاكًا يشبهه، مسيح من لحم ودم يحمل في ذاته آثار الصليب.

جاء المسيح خصيصًا لتوما، للخروف الضال، ونلاحظ إنه لم يهتم بأحد مثلما فعل مع توما، قال له تعال انظر، أنا أعلم أنك تألمت كثيرا يا توما، أنا أيضًا تألمت كثيرًا، أنظر إلى يدي ورجلي وجنبي، القائم مغطي بالجروح وأثار المسامير. يسجد توما ويبكي، ثم يعلن إيمان الكنيسة جمعاء: كانت كلمته هي الكلمة الأخيرة والتي بها كَملَ الوحي الإلهي، عرفت البشرية حقيقة يسوع، فهو الإله المتجسد بذاته، ليس نبيًا كالأنبياء ولا مرسل من الله، به هو الإله والرب. قال له توما: “ربي وإلهي” (20: 28). المسيح هو الرب والإله لم تقال في الكتاب المقدس إلا ليهوه في العهد القديم: “فِقْ واَسْتَيقِظْ يا إلهي واَحكُمْ لي يا ربُّ في دَعواي” (مز 35: 23). فالغير مؤمن أوالشكاك أظهر إيماناً أكثر من الكل، فهو الوحيد الذي عرف أن المسيح هو الإله والرب.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.