إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

هل أنت عصبي؟

1٬285

في البداية من المهم نفرق بين العصبية والغضب. فالعصبية مش هي الغضب!

الغضب هو مشاعر يفرزها العقل، في صورة استجابة سريعة، لما يلاحظ إنو فيه حاجات بتم على أرض الواقع، مكانش مفروض إنها تم، فيقوم العقل بإفراز هذه المشاعر، اللي بنسميها الغضب، لينبّهنا للخلل ده.

يعني ببساطة الغضب هو إنفعال طبيعي، ممكن نسميه مؤشر، خلقه ربنا في الإنسان علشان ينبهه إن في شيء خطأ، فيه تهديد معين، فيه أمور مش صح بتحصل.

أما العصبية فهي نوع من الغضب المضاعف، أو “الرغبة” في “إظهار” الغضب لتحصيل مكسب معين. مثلا: الأب لما بيكون عاوز يوجه أولاده لشيء مهم، فيُظهر غضبه ليهم علشان ينتبهوا لخطورة تصرفهم، أو علشان يخافوا منه وميعملوش الخطأ مرة تانية.

أو لو عاوز تتخلص من مضيقات حد مستفز، فتُظهر غضبك الشديد، علشان يبطل استفزازه.

يعنى الغضب هو مؤشر، أو جرس إنذار،، بتحس بانزعاج طبيعي، سببه إنه العقل بينبهك إنه فيه شيء خطأ. أنت بتغضب وتفقد أعصابك بسرعة، لما بتلاقي اللي حوليك بيتصرفوا بطريقة، في تصورك أنت مكانتش الطريقة المناسبة.

الغضب في حد ذاته مش خطية… علشان كده بولس في رسالته إلى أفسس، الإصحاح الرابع بيقولنا: “اِغْضَبُوا وَلاَ تُخْطِئُوا”.. لما بيغلط حد في حقي، عقلي بينبهني بسرعة إنه في شيء خطأ مكأنش مفروض يحصل، فالغضب في الحالة ده أمر طبيعي. من حقي أن أغضب..

مش من حقي بس أغضب، لا كمان من حقي أن أُنَفِس عن غضبي، بطرق مشروعة، قدام التهديد اللي بتعرضله. لأن كبت الغضب هيتسببلي مشكلات نفسية وعضوية كتيرة جدًا. أفضل شيء إنه أعبر عن غضبي بوضوح وحزم، علشان أقلل التوتر اللي أنا فيه. علشان كده الرسول بولس بيعلمنا أننا نعبر عن غضبنا بطرق مشروعة، لما بيقولنا “اِغضبوا”، بس بيحذرنا من إننا نجرح حد في وقت الغضب، إننا نشتم، أو نأذي، أو نفكر في الانتقام من الشخص المتسبب في المشكلة.

من حقنا نعبر عن غضبنا وألمنا من الموقف، وإننا نسعى لاستخدام الطاقة اللي بتنتج من الغضب في معالجة المشكلة، بدون ما نهاجم الأشخاص.

الغضب في حد ذاته مش خطية، لكن التعامل الخاطئ مع مشاعر الغضب هو اللي ممكن يكون خطية.

لما يتحول الغضب إلى عصبية شديدة تهدف إلى إيذاء الآخر، إلى الانتقام منه،،

لما الغضب يستهدف مش السلوك الخاطئ، لكن الشخص صاحب التصرف الخاطئ، يبقي خطية.

علشان كده الرب يسوع، في العظة على الجبل بيعلمنا: “مَنْ غَضِبَ على أخيهِ اَستَوجَبَ حُكمَ القاضي”، لأن الغضب هنا تحول من استهداف السلوك الخاطئ، إلى الشخص، إلى الأخ وبالتالي يبقي خطية.

بكده نقدر نفهم غضب الرب يسوع في الهيكل وطرده للباعة وقلبه موارد الصيارفة. غَضِب المسيح من السلوك الخاطئ، من طمع وجشع القادة الدينيين، اللي حولوا مكان العبادة إلى سوق كبير للبيع والشراء. غَضْب المسيح عَكَس محبة متألمه على قساوة قلب الإنسان وسلوكه الخاطئ. لما رفض اليهود شفاء الرجل ذو اليد اليابسة في يوم السبت، بيقولنا الكتاب: “فَنَظَرَ حَوْلَهُ إِلَيْهِمْ بِغَضَبٍ حَزِيناً عَلَى غِلاَظَةِ قُلُوبِهِمْ”.

اِغضب.. ده حقك.. وعبر عن غضبك.. لكن بدون ارتكاب أخطاء في حق الناس اللي حوليك: “وإذا غَضِبتُم لا تُخطِئوا”.  

إزاي نقدر نتحكم في مشاعر الغضب، قبل ما تتحول إلى عصبية شديدة مصحوبة برغبة في إيذاء الآخر والانتقام منه؟

أول شيء ممكن نعمله هو التروي والتفكير الجيد في ردة فعلنا في وقت الغضب. القديس يعقوب بينصحنا بالاستماع الجيد والتروي والانقياد لروح الله علشان ما نأخدش قرارات سريعة وخاطئة نتيجة الانفعال: “ليَكُنْ كُلُّ واحدٍ مِنكُم سريعًا إلى الاستِماعِ بَطيئًا عَنِ الكلامِ، بَطيئًا عَنِ الغَضَبِ، لأنَّ غضَبَ الإنسانِ لا يَعمَلُ لِلحَقِّ عِندَ الله”.

الاسراع في الكلام أو في اتخاذ موقف مبني على مشاعر الغضب فقط بدون ما نفكر في النتائج،، هيؤدي إلى كوارث في علاقاتنا مع الآخرين، لأنَّ غضَبَ الإنسانِ لا يَعمَلُ لِلحَقِّ عِندَ الله.

بعد التروي والتفكير الجيد في رد فعلنا، تيجي الخطوة التانية، هي تحرير أنفسنا من مشاعر الغضب السلبية قبل ما تتراكم وتتحول إلى مشاعر بغض، تجاه الشخص المتسبب في ثورة الغضب. علشان كدة بينصحنا بولس الرسول: ” لا تَغرِبِ الشَّمسُ على غَضَبِكُم” بمعني انه قبل انتهاء اليوم بنصفي المشكلة قدام ربنا والقريب وبنطلب الصفح لو تجاوزنا في ردة فعلنا، أثناء ثورة غضبنا.

لو تركتنا المشاعر السلبية لبكرة هيكون صعب إننا نتسامح مع الشخص اللي تسبب في المشكلة، هتتحول أفكارنا إلى كراهية وبغض ورغبة في الانتقام، يزرعها روح الشر، إبليس، داخل قلوبنا. علشان كدة بيحذرنا بولس: ” لا تُعطوا إبليسَ مكانًا” القلب المملوء غيظ وحقد يصبح صيد سهل لإبليس. 

الخطوة الثالثة هي التحكم في اللسان، فبالرغم من غضبي أحاول ما أأذيش أو أجرح حد بكلامي. بولس بيكمل مباشرة في الآية 29: “لا تَخرُجْ كَلِمَةُ شرٍّ مِنْ أفواهِكُم، بَل كُلُّ كَلِمَةٍ صالِحَةٍ لِلبُنيانِ عِندَ الحاجَةِ وتُفيدُ السَّامعينَ”. والرب يسوع بيوصينا: “ومَنْ قالَ لأخيهِ: يا جاهلُ اَستوجبَ حُكمَ المجلِسِ”. فالكلمة كالرصاصة لا تُسرد. إنّ الغضب يكشف أخلاق الناس وطينتهم.

فيه حكمة صينية قديمة بتقول: “من غضب منك ثلاث مرات و لم يقل فيك شرًا اختره صاديقًا”.

لو مقدرتش أفكر كويس قبل أخد ردة فعل معينة وقت غضبي،، وما أقدرتش أتحرر من مشاعر الغضب السلبية وسبتها لحد ما بقي جوايا غيظ تجاه الشخص السبب في المشكلة،، ولو ما قدرتش أتحكم في لساني وجرحت وأهنت شخص القريب.. يبقي هنوصل إلى اللي بيحذر منه بولس في نهاية كلامه عن تداعيات الغضب في رسالته إلى أفسس الإصحاح الرابع: “لا تُحزنوا رُوحَ الله القُدُّوسَ الذي بِه خُتِمتُم ليَومِ الفِداءِ”.

لو سبت نفسي هيصل غضبي وعصبيتي إلى درجة صعبة، هتتكون مرارة جوايا شعور بالضيق والتذمر وعدم الرضى. مشاعر داخلية بتظهر على السطح في حالة العصبية والهياج وعدم الاحتمال وقلة الصبر. والإنسان المملؤ مرارة يكون متهيئًا للانفعال بسرعة.

المشاعر ده مش بتناسب مع سُكنى روح الله جوايا. بيوصينا بولس الرسول: “تخَلَّصوا مِنْ كُلِّ حِقدٍ ونَقمَةٍ وغَضَبٍ وصِياحِ وشَتيمَةٍ وما إلى ذلِكَ مِنَ الشُّرورِ، وليَكُنْ بَعضُكُم لِبَعضٍ مُلاطِفًا رَحيمًا غافِرًا كما غَفَرَ الله لكُم في المَسيحِ.

نحاول إننا ما نحزنش روح الله القدوس الساكن فينا، ونتغلب على تداعيات الغضب.

باختصار عزيزي القارئ:

  • علشان تقدر تتحكم في غضبك حاول تضبط نفسك،، بمجرد ما نبضات قلبك بدأت تتسارع، فكر في إن سيطرتك على غضبك هي دليل على قوة شخصيتك وعزيمتك: “اَلْبَطِيءُ الْغَضَبِ خَيْرٌ مِنَ الْجَبَّارِ، وَمَالِكُ رُوحِهِ خَيْرٌ مِمَّنْ يَأْخُذُ مَدِينَةً” (أمثال 16: 32).
  • واجه المشكلة، مش الشخص صاحب المشكلة، استخدم طاقة الغضب لحل المشكلة، مش لخلق مشكلة أكبر. حاول أن تتحكم في تنفسك وردد بينك وبين نفسك كلام سفر الأمثال: “اَلْجَوَابُ اللَّيِّنُ يَصْرِفُ الْغَضَبَ، وَالْكَلاَمُ الْمُوجعُ يُهَيِّجُ السَّخَطَ” (أمثال 15: 2).
  • كن فعل مش رد فعل. أنت متقدرش تتحكم في تصرفات او استجابات الآخرين ولكننا يمكن أن تقوم بتغير موقفك أنت. إن التغلب على إنفلات الأعصاب والغضب مش بيتم في يوم وليلة، ولكن من خلال الصلاة وطلب معونة الله.

زي ما سمحنا للعصبية أن تتأصل فينا بحكم العادة، بإمكانا إننا نتدرب على الإستجابة الصحيحة علشان تبقي هي كمان عادة.

الآيات ده هتساعدك وهتلاقيها كلها في سفر الأمثال:

  1. الرَّجلُ الغَضُوبُ يُثيرُ النِّزاعَ، والبَطيءُ الغَضَبِ يُهَدِّئْ الخصامَ.
  2. لأنَّ خضَ اللَّبَنِ يُخرِج الزُّبدَةَ، ودَلْكِ الأنفِ يُخرِج الدَّمَ، وهياج الغضَبِ يَبعَثُ الخصامَ
  3. “اَلْحَجَرُ ثَقِيلٌ وَالرَّمْلُ ثَقِيلٌ، وَغَضَبُ الْجَاهِلِ أَثْقَلُ مِنْهُمَا كِلَيْهِمَا” (سفر الأمثال 27: 3)

قول القديس أغسطينوس عن الغضب: الغضب يفسد القلب هيكل الله القدوس، والعين التي بها نعاين الله ونري الحكمة ونقدر على التمييز والإفراز فإن شاب القلب غضب انشغل بالانتقام وبالتالي لا يستطيع أن ينشغل بيسوع المحبة المطلقة ولا أن يلهج في شريعته.

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.