إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أنت.. أين أنت!

1٬236

نحتفل اليوم بعيد الحبل بلا دنس، الذي يتوافق في هذه السنة مع الأحد الثاني من زمن المجيء. تقدم لنا الكنيسة اليوم مريم العذراء البريئة من الخطيئة الأصلية كمثل ونموذج لنستعد بصورة لائقة لتجسد وميلاد الرب يسوع. 

في سفر التكوين، بعد أن يسقط آدم وحواء، يَنَادَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». أين الإنسان الذي خلقته على صورتي ومثالي، الذي دعوته للشركة معي؟ سقط الإنسان تحت أغواء تجربة الحية بأن يستقل عن الله، أن يقرر بإرادته ما هو خير وما هو شر بمعزل عن الله: «لَنْ تَمُوتَا! (هكذا قالت الحية) بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». أين الإنسان النقي الطاهر الذي يرتبط بالآخرين بعلاقة ملؤها الحب والصفاء، كان آدم وحواء لا يعلمان إنهما عريانان. أين الإنسان المتصالح مع ذاته ومع الآخرين حيث لا حسد ولا بغض ولا كراهية بل يعيش في سلام وتناغم مع الجميع، مع الكون والطبيعة والمخلوقات.

خضع آدم وحواء لتجربة الحية بأن يكونا مثل الله عارفين الخير والشر، تجربة الاكتفاء بالذات بعيدًا عن الله.. مازالت الحية تنفث فينا كل يوم سمومها القائلة: أنت حر، أتبع إرادتك وحدك، أتبع غرائزك، أتبع رغبتك في السيطرة. أحدى الفنانات المصرية قالت بالأمس: “هو الشيطان وحش؟ .. الشيطان حلو اوي، دا أجمل حاجة بنعملها الشيطان بيدلنا عليها”.

في وسط هذا الظلام من الإنانية والشر مازال صوت الله يتردد: آدَمَ: «أَيْنَ أَنْتَ؟… أين الإنسان الذي أردته، الإنسان الذي يعيش في شركة معي؟ يختبئ آدم، أنه يخجل من عريه وضعفه، من عصيانه وصية الله: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ»، وأختبأت البشرية من بعده. ظل صوت يتردد في قلوب البشر: آدَمَ: «أَيْنَ أَنْتَ؟… ولم يستطع إنسان أن يُجيب، “إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ” (رومية 3: 24).

وحدها مريم سمعت النداء واستطاعت أن تُجيب الله. نقرأ في قصة البشارة، الجواب المدهش من العذراء: “ها أنا آمة للرب”، والترجمة الصحيحة لها: “أنا هنا، خادمة الرب”. تُجيب مريم على السؤال الذي سأله الله لآدم في جنة عدن. أخيرًا وجد الله إنسان منفتح تمامًا على إرادته القدوسة. آدَمَ: «أَيْنَ أَنْتَ؟… اجابت مريم “أنا هنا.. خادمةُ الربّ”، أنا هنا لأعمل مشيئتك في حياتك، أنا هنا أرفض محاولات الحية المستمرة بأن أكتفي بنفسي فقط، حياتي تعظيمًا لك، وفرحي وسعادتي فيك: “تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ،وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي”.

كانت مريم ضعيفة كحواء، ومثلنا جميعًا، لكن عرفت كيف تحفظ في قلبها كل كلمة وتتأمل فيها في صلاتها الشخصية، وسط عائلتها، في مجمع الناصرة. عرفت كيف تَشبع من شجرة الحياة، من الكلمة الإلهية وعبرت عنها في نشيدها الخالد المأخوذ من الكتب المقدس. هذا ما عبر عنه الوحي الإلهي بقوله على لسان الإنجيلي لوقا:  “وَأَمَّا مَرْيَمُ فَكَانَتْ تَحْفَظُ جَمِيعَ هَذَا الْكَلاَمِ مُتَفَكِّرَةً بِهِ فِي قَلْبِهَا”.

كان اختيار مريم أن تسلم نفسها إلى إرداة الله القدوسة: «هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ». فأصبحت أول هيكل إلى الكلمة الأزلي “وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا”. وثقت مريم بكلام الملاك الغريب فتحول سماعها لكلمة الله إلى جسد ولحم في احشائها. وهذه دعوتنا جميعًا فقد اختارنا الله منذ البدء لنكون عنده قديسين بلا عيب في المحبة.

أيها الإنسان… أين أنت؟

قد يعجبك ايضا

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.