إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

ألعاب سحرية

369

يستمتع الأطفال والكبار أحيانًا بعروض الألعاب السحرية. مَن منّا لم يشده مشاهد كإختفاء الأرنب من الصندوق أو تحويل عصى خشبية إلى شجرة مثمرة وغيرها من ألاعيب السحرة.

في ختام أنجيل مرقس أختبئ التلاميذ أيام كثيرة خوفًا من اليهود، ثم جاءهم أخيرًا المسيح القائم، رأوا أثار المسامير في يديه ورجليه وجرح الحربة في جنبه، تأكدوا أنهم هو، فقد قام من القبر. هل نستطيع أن نتخيل شعور التلاميذ وهم يرون المسيح الذين عرفوه يهزم الموت وينهض من بين الأموات؟

ماذا سيكون نصيب أتباع يسوع القائم؟ في لقاء المسيح الأخير بالتلاميذ طلب منهم أن يذهبوا إلى العام كله ويعلنوا البشارة إلى الناس أجمعين، ثم أعطى علامات تصاحب الذين يؤمنون به:

يَطرُدونَ الشَّياطينَ باَسمي،

ويَتكلَّمونَ بِلُغاتٍ جَديدةٍ،

ويُمسِكونَ بأيديهِم الحيّاتِ.

وإنْ شَرِبوا السُمَّ لا يُصيبُهُم أذًى،

ويَضعونَ أيديَهُم على المَرضى فيَشفونَهُم

لنتخيل شعور التلاميذ وقت كلام يسوع. سيخضع العالم كله لنا!! لن يقف أحد أمامنا!! سنكون قادرين على ابهار العالم كله ولن يؤذينا أحد: لا حيات سامة ولا بشر خونة يضعون السم في طعامنا!!. مَن قادر على هزيمتنا؟ العالم كله لنا. نملك أدوات السيطرة عليه: القوة، المعرفة، الحماية.

القوة: بالسيطرة على الأرواح الشريرة وطردها. والقدرة على شفاء الناس.

والمعرفة: بتكلم اللغات الجديدة ومعرفة لغة تخاطب الشعوب.

الحماية: لن يصيبهم أذَى إذا حاول الناس الحاق الضرر بهم.

هل المسيح ساحر؟  وأعطى أدوات سحره للتلاميذ؟

كان التلاميذ خائفون من اليهود، لكنهم الآن سيخرجون للناس فلديهم أدوات السيطرة: القوة، المعرفة، الحماية. لكن حدث بعد ذلك هو خلاف كل التوقعات؟!! رُفع المسيح إلى السماء وتركهم دون أي حماية تذكر! لقد ماتوا جميعًا قتلى بالسيف والرجم والصلب. كانوا ضعفاء أمام شر العالم.

هنا نخلص لحقيقة يجب أن لا تغيب عنّا أبدًا.

الإيمان بالمسيح ليس سحرًا؟ لا يجعلنى متفوقًا على غيري من البشر!

كيف نفهم إذن وصية يسوع الأخيرة لتلاميذه؟

نحتفل اليوم بعيد القديس أنطونيوس البدواني، معلم الكنيسة والوعاظ الشهير. لديه تفسير رائع لوصية المسيح الأخيرة. يقول أنطونيوس:

ما المقصود بقول الرب: «اِذهَبوا في العالَمِ كُلِّه، وأَعلِنوا البِشارَةَ إِلى الخَلْقِ أَجمَعين».

سميّ العالم “عالم” لتعدد عناصره وتحركها الدائم. للعالم أربع اتجاهات: الشرق والغرب والشمال والجنوب. الإنسان هو عالم مصغر لديه عناصر أربع أو اتجاهات تحدد وجوده. هو في حركة مستمرة، ولا يرتاح أبدًا حتى يصل إلى “مكانه”، أي إلى الله، كما يقول القديس أغسطينوس: “خلقتنا يارب، وقلبنا لن يرتاح حتى يستقر فيك”. لن يشعر الإنسان بالسلام أبدًا بعيدًا عن الله، لقد خرج منه وسيعود إليه.

اللحظات الأساسية في حياة الإنسان هي: شروق الميلاد، وغروب الموت، وجنوب الرخاء وشمال الشدائد. الإنسان هو محصلة هذه العناصر الأربع التي يتحرك فيها. كيف تنمو وتنضج منذ لحظة ميلادك؟ وكيف ستكون في وقت الموت؟ كيف تعيش لحظات السعادة، وكيف تتصرف في وقت الشدائد؟ أنت العالم المصغر الذي يجب عليك الذهاب إليه!

يقول بولس الرسول: “إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً.” (2 كورنثوس 5: 17). ونقرأ في المزمور 102: “فليكتَبْ هذا لِلجيلِ الآتي وَشَعْبٌ سَوْفَ يُخْلَقُ يُسَبِّحُ الرَّبَّ” (102: 19). الخلق أجمعين، هو أنتَ المتجدد كل يوم، الذي تكبر يومًا بعد يومًا عن وقت ميلادك، نحو وقت انتقالك الأبدي. أنتَ المتجدد في جميع أوقاتك: أوقاتك السعيدة وأوقات الشقاء والأزمات.  

“الخلق أجمعين” هو أنتَ كل يوم من أيام حياتك. لهذا الخلق أجمعين أحمل البشارة كل يوم. الأشياء العتيقة، أي الأعمال والسلوك التي هيمنت عليك بالأمس أجعلها تمضي.. لتكن ضمن الشعب الذي سوف يخلق ليسبح الرب.

ما هي نتيجة البشارة؟ “مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ” كلمة “آمن” باللاتينية تعنى “اعطاء القلب” “يَا ابْنِي أَعْطِنِي قَلْبَكَ وَلْتُلاَحِظْ عَيْنَاكَ طُرُقِي” (أمثال 23: 26). مَن يعطي القلب ليصبح مقرًا لله سوف يعمد ويخلص. “وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ”.. مَن لا يعطي القلب لله سيصبح مسكنًا للشيطان والعالم وبالتالي سيدان.

ما هي الآيات التي ستصاحب من يؤمن، من يعطي قلبه مسكنا لله؟

يقول القديس أنطونيوس: الآيات هي علامات (كقول نشيد الأناشيد: “اجْعَلْنِي كَخَاتَمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَوَشْمٍ عَلَى ذِرَاعِكَ”)،توضع للحماية، كما توضع السفن علامات ملوك أقوياء خوفًا من القراصنة واللصوص. إذا أردنا أن ندافع عن قلوبنا من الشياطين نضع عليها، كعلامة يسوع حتى ننمو في أمان.

يَطرُدونَ الشَّياطينَ باَسمي: الشيطان في اللغة اليونانية يعني “خبير” الذي يعرف الأشياء. روح العالم وحكمة الجسد التي تعذب الإنسان. عندما تكون خليقة جديدة في المسيح يسوع فأنت تملك الحماية الكافية ضد روح العالم وحكمته.

ويَتكلَّمونَ بِلُغاتٍ جَديدةٍ: العالم يتكلم لغة عتيقة وعن أشياء عتيقة، لكن عندما تطرد الشياطين من قلب الإنسان يتكلم لغات جديدة من حياتهم الجديدة. يقول أشعيا: «فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ فِي أَرْضِ مِصْرَ خَمْسُ مُدُنٍ تَتَكَلَّمُ بِلُغَةِ كَنْعَانَ وَتَحْلِفُ لِرَبِّ الْجُنُودِ يُقَالُ لإِحْدَاهَا «مَدِينَةُ الشَّمْسِ» (أشعيا 19: 18). فمصر هي أرض الظلمة، تشبه الإنسان المظلم والمغطي بالخطايا. هناك خمس مدن تتكلم لغة جديدة، أي الحواس الخمس، الأولى فيها هي “مدينة الشمس” أي البصر الذي ينير الإنسان كله. هذه الحواس تتكلم لغة كنعان، ونحن نتحدث، نأتي إلى الخارج بالكلمة المخبأة في القلب، لذا فإن حواس الإنسان الخمس، التي تغيرت الآن وحولت إلى الله، تتحدث عنه من الخارج كما لديها في الداخل، تحلف لرب الجنود، أي تشهد دائمًا للحق.

ويُمسِكونَ بأيديهِم الحيّاتِ: أغوت الحية قديمًا حواء، وهي تعمل على أغواء الجميع، لكن من اعتمدوا ووهبوا قلبوهم لسكنى الله، الخليقة المتجددة يومًا بفضل الكلمة، تستطيع أن تهزم أغواءات إبليس المتكررة. يريد أن يفصلك عن الله لكن تستطيع السيطرة عليه متى أمتلك قوة الروح داخلك.

وإنْ شَرِبوا السُمَّ لا يُصيبُهُم أذًى: لن تتأذى الخليقة الجديدة في المسيح يسوع حتى إذا تعرضت إلى ويلات التجارب القاسية فهم محصنون من الداخل بفعل روح الله القدوس.

ومَن يدرك هذه العلامات الأربع قادر على أن يشفى الآخرين، ليس بالوعظ والكلام، بل بالمثل الصالح والحياة المقدسة، فالآخرين يرون الأعمال أكثر مما يسمعون العظات. المثل يدفع الإنسان إلى التفكير وإعادة قراءة حياته الخاصة في ضوء ما يراه من مثل وحياة مقدسة يعيشها الإنسان المُجدد بفعل الروح.

قد يعجبك ايضا
Loading...