إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

رعاية الدعوات الكهنوتية ووسائلها (3)

363

في إطار عرضنا للمحاور الأساسية لرعاية الدعوات الكهنوتية تناولنا ما يتعلق بالمضمون أو المحتوى الذي تقوم عليه عملية التنشيط ورعاية الدعوات وكذلك لمواصفات المُكون الذي يرافق مسيرة الشاب المدعو. وفي هذا اللقاء الأخير سنتناول للمحورين الباقيين لمنهج رعاية الدعوات الكهنوتية.

يتعلق المحور الثالث بآليات رعية الدعوات الكهنوتية والأخير الخاص بواقع الشباب المصري في وقتنا الحاضر

ثالثا: آليات رعاية الدعوات

جميع الآليات والأنشطة التي يمكن استخدامها لتنشيط الدعوات يجب أن تنصب على بنيان هوية الشاب حول يسوع المسيح الراعي. بنيان الهوية عملية معقدة تتشابك فيها معارف مكتسبة وسلوكيات مُختبَرة يُعمل بها. وهي عملية بطيئة متدرجة تهدف إلى أن يكتسب الشاب صفات يسوع الراعي، من حيث محبته وخدمته وعطاء ذاته لأجل قطيعه. هي معارف وسلوكيات مكتسبة لأنها تنمو وتتطور عن طريق التعلُّم. وهنا يجب الاشارة إلى إن المعارف ليس غاية في حد ذاتها، ولا تمثل الأرضية التي يتم فوقها بناء شخصية الشاب، كاهن المستقبل، بل اكتساب مهارات التطبيق في الحياة. لهذا يجب أن تشمل الآليات الرعائية فرص للتعلم والتدريب على المهارات العملية، بجانب المعارف اللازمة والضرورية.

هناك معايير أساسية يجب توافرها في البيئة التربوية لتنشيط الدعوات الكهنوتية.

  1. معيار التوافق

أول تلك المعايير هو معيار التوافق. يقصد بهذا المعيار أن تكون الأهداف التكوينية المعلنة، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، من جانب مسئولي تنشيط الدعوات (كهنة الرعايا، اللجنة المنوط بها الاهتمام بالدعوات)، متفقة مع حياة أولئك الأفراد العملية الملموسة وما يعيشونه بالفعل. فإذا لم يتوافر معيار التوافق بين ما يطلبه الرعاة والمنشطين للدعوات في لقاءاتهم بالشباب وبين ما يلاحظه الشباب في حياة أولئك فإن ما يصل للشباب هو رسالة مزدوجة خاطئة تؤثر سلبًا على تنشيط الدعوات.

فإذا كان مضمون رسالة ما هي مهمة الراعي الأساسية الاشتراك في رسالة يسوع المسيح راعي الخراف الحقيقي، واهتمامه بالإنسان ككل، فلا يجب أن يقدم الرعاة المسئولون رسالة بحياتهم تختلف عن هذا المضمون، بل تكون حياتهم تطبيقًا حيا لما يقدمونه لشباب الدعوات. هكذا الأمر إذا تعلق بقيمة إنجيلية الفقر مثلا، فالمسيح لم يكن له مكان يسند فيه رأسه، فمثل هذه القيمة لا تكون مقنعة للشباب وحافزًا لهم للاقتداء بالمسيح متى كان حياة الكهنة والجماعة الكنسية بعيدة عن حياة الفقر. يتلقي الشاب رسالة مزدوجة فهو يُطالب بقيم عليه أن يعيشها متى تجاوب مع دعوة المسيح له، لكنه يجد إن الجماعة الكنيسة لا تلتزم بتلك القيمة. هنا يسأل الشاب نفسه ولماذا يتكلم هؤلاء عن قيم لا يعيشونها؟

لأجل العمل على تنشيط الدعوات الكهنوتية هناك أهمية أن تكون رسالة الجماعة الكنسية للشباب هي رسالة واحدة متكاملة، معلنة وغير معلنة، شفهوية أو مكتوبة، هي ذات الرسالة التي يطبقها الجميع ويعيشوا وفقا لها.

وهناك ما أخطر من ذلك حينما تكتفي الجماعة الكنسية بالسكوت أمام أختراق القيم التي تنادي بها الشباب. فتصل هنا رسالة مزودجة أخرى. يسائل الشباب لماذا تصمت الكنيسة على ما تراه من هدم للقيم التي تتبناها وتنادي بها؟

  • معيار الجمال والحماس

ثاني تلك المعايير هو معيار الجمال الذي يُقصد به أن تُظهر الرسالة الموجهة إلى الشباب روعة وجمال الدعوة الكهنوتية. فالكهنة مدعوون إلى أن يكونوا امتداد حضور المسيح، الراعي الأوحد والأعظم، متشبّهين بنمط حياته وعاكسين، نوعا ما، صورته الشفافة وسط القطيع الموكول إليهم. ومنا هنا تنبع جمال وروعة الدعوة لأنها تجسيد حي لصورة المسيح الراعي، الذي يحنو على القطيع.

وليس هناك معنى للحديث عن جمال وروعة الرسالة الكهنوتية في حين الكهنة المحيطين بالشباب محبطين، فاقدين للحرارة الرسولية ويبدو عليهم عدم الرضا، عن حياتهم ورسالتهم، واضحًا أمام الشباب. هذا ما حذر منه البابا فرنسيس في الإرشاد الرسولي “فرح الإنجيل” بأن هذا لن سيُثير جاذبية ولا حماسًا في أوساط الشباب[1].  فالكاهن هي حامل للبشرى السارة، كارز بفرح الإنجيل فإذا لم يختبر في حياته الشخصية عمق جمال رسالته الكهنوتية من الصعب عليه التأثير في الشباب، لأن الشباب يلاحظون تلك الروح. متى اختبر الكاهن جمال الدعوة الكهنوتية فإن كافة أنشطته الرعوية، من مهام التعليم والتقديس والتدبير وتثقيف إيمان الشعب وارشاداته للممارسة الأسرار فإن يغلب عليها طابع الفرح والرض برسالته، بالرغم من الصعوبات، فيصل هذا الفرح للمتعاملين معه من الشباب.

يتطلب معيار الجمال أن تعد الجماعة الكنسية الشباب لتذوق هذا الجمال واكتشاف روعة الحياة الكهنوتية. فكل الفاعليات والأنشطة المنظمة لتنشيط الدعوات عليها التركيز على هذا المعيار، سواء في اختيار الجماعة المسئولة عن تنشيط الدعوات بأن تكون راضية وسعيدة في دعوتها الكهنوتية، أو في الفاعليات التي يمكن تنظيمها من احتفالات ليتورجية، مؤتمرات، أنشطة متنوعة في أن تعكس هذا البعد الأساسي للدعوة الكهنوتية.

إن مستوى حماس الراعي في أداء مهمته الرعوية يؤثر في فاعلية التعليم على نحو كبير. أي  انه توجد علاقة ارتباطية إيجابية بين حماس  المعلم  ومستوى تحصيل الشباب، فالحماس معديً ينتقل من خبرات الراعي الذاتية إلى الخبرات الشخصية للشباب فيتمثلون به ويقتدون به.

  • معيار تأثير الوسط المحيط

على القائمين بالمهمة التنشيطة للدعوات للشباب ملاحظة أن الرسالة الموجهة إليهم تمر عبر وسيط يقوم على فلترة الرسالة والتأثير على مضمونها. يتمثل هذا الوسيط في البيئة المحطية بالشباب التي لها تأثيرات عميقة على اتجاهات وسلوك الأفراد. فيجد الشاب نفسه مضطرًا إلى أن يسلك بذات الطريقة التي أعتادها البعض في معالجة الأمور: “يفعل الجميع ذلك.. اتبعنا هذه الطريقة دوما”.

فالبيئة المعقدة التي يعيشها الشباب اليوم، من تنامي التوجهات الفردية والذاتية التي أفرزتها المتغيرات الاجتماعية والثقافية في السنوات الأخيرة، والتي تجلت في صور الهجرة إلى وسائل التكنولوجيا الحديثة وخلق عالم أفتراضي، غير واقعي، يعيشون فيه. فضلًا عن الاغتراب الذاتي الذي يعبر عنه الفرد عادة بسلوك لا يوافق المجتمع كالسلبية واللامبالاة والنقد العنيف للمجتمع والعنف والجريمة. وبذلك ينعزل الفرد عن الجماعة وبالمقابل تنعزل الجماعة عن الفرد.

لأجل العمل الرعوي مع الشباب يتطلب توافر مؤهلات خاصة في الجماعة الكنيسة المسئولة عن تنشيط الدعوات، تساعدها على الإصغاء إلى الشباب بصبر، وتمكنها بتفهّم قلقهم أو أسئلتهم، وأن نتعلم التحدث معهم باللغة التي يفهمونها.

  • معيار التمييز

يتعلق معيار التمييز بشجاعة تقبل نقص الدعوات، في ظل المتغيرات الاجتماعية في السنوات الأخيرة، وعدم السعى إلى ملء الإكليريكيات تحت وطأة هذا النقص. فالأوضاع الاجتماعية والاقتصادية أفرزت مجموعات سعت للتكريس والكهنوت مدفوعةً بعد اطمئنان عاطفي، وبسعيٍ وراء أشكال السلطة والمجد البشري أو وراء رفاهية اقتصادية. فالعدد القليل المقتنع بجمال وقداسة الدعوة الكهنوتية والذي يرغب في استكمال رسالة الراعي الأعظم في الواقع المصري الحالي، أفضل من حشد جموع تدخل الإكليريكيات لأغراض أخرى ومكاسب مادية وعاطفية مختلفة.

لذا تظهر ضرورة أن تتضمن بصورة ملموسة، على اكتشاف ذاته ودوافعه الحقيقية وحل مشكلاته بنفسه ليتجاوب، بكل حرية، مع دعوة الله آليات تنشيط الدعوات الكهنوتية توفير بيئة مناسبة تساعد الشخص (سابقة على انخراطه بالاكليريكية)، له. هي مساعدة الشخص في تمييز دعوته الكهنوتية وتطهيرها من الدوافع السلبية، واكتشاف عظم محبة الله له.

توفر هذه البيئة، السابقة لدخول الإكليريكية، هذه الخبرة المعاشة لخدمة رعاية النفوس المدعو إليها الشخص. وتضع آليات لاكتشاف الشخص لذاته، وتوفر آليات الحث على تحرير قراراته من الدوافع السلبية، تحت اشراف مرافقيين متخصصين لديهم كفاءات مميزة في القيادة الشبابية والارشاد الروحي والمرافقة النفسية. مجموعة منشطة تمتلك آليات الوعظ اللاشكلي الممكن تحقيقه من خلال المحادثة التلقائية والحوار العفوي، ومقاسمة حياة “المدعوين المحتملين” اهتماماتهم الشخصية، وتقديم شهاداتهم الشخصية وخبراتهم الروحية والعملية لمساعدتهم.

يفضل أن تكون هذه البيئة منظمة من قبل الإيبارشيات في صورة فترات محددة يقضيها “المدعوين المحتملين” في كنف تلك الجماعة المسئولة عن تنشيط الدعوات: “تَعالا واَنظرا” (يوحنا 1: 39). تتخلل تلك الفترات أوقات مجمعة تحتوي على: خلوات روحية، مؤتمرات عن الدعوات الكهنوتية، ندوات نهاية الأسبوع، مسيرات روحية، الخ.

دور الراعي في حياة الشخص المدعو

يعمل كاهن الرعية على تعزيز الدعوات الى الكهنوت والحياة المكرسة، أولاً بشهادة حياته واداء خدمته، ثم بالوعظ والتعليم ووسائل اخرى ملائمة (ق380). يحسس الاهل والجماعة الرعوية بحاجات الكنيسة “حيث الحصاد كثير والفعلة قليلون، فينبغي الصلاة الى الله ليرسل فعلة لحصاده” ( متى 9/37-38). يخلق في الرعية بين صفوف الشبيبة جواً ملائماً لسماع نداءات الرب يسوع، ويعمل على توفير هذا الجو في العائلة ايضاً (ق329 بند1،1). يجتهد الكاهن في تمييز الدعوات، ويوجهها الى اللجنة المسؤولة في الابرشية والى المطرانية.

رابعًا: الشباب

واقع الشباب المصري اليوم يعاني من تناقضات كثيرة انعكست انعكاسًا حادًا في رؤيتهم وحياتهم. خلقت الظروف السياسية والاقتصادية الخانقة اتجاهات جديدة لدي الشباب، أهمها: رغبة الشباب في عيش خبراتهم الشخصية الخاصة بمعزل عن أبائهم والكنيسة، خوفًا من أن يسد هؤلاء الطريق أمامهم لعيش خبراتهم الخاصة بحجة خبرة الأجيال التي سبقتهم. هناك حاجة لدي الشباب لكي يؤخذوا على محمل الجد، أن تُسمع آراؤهم، ولو اتسمت بالرعونة والتسرع.

ثورة الاتصالات الحادثة اليوم، وما نتج عنها من خلق عوالم افتراضية يعيش فيها الشباب، بعيدًا عن العالم الواقعي، يعاني فيها الشباب من الوحدة، وعدم الثقة في المجتمع والكنيسة. صنعت تلك الوسائل نظرة استهلاكية للجنس، بدلا من أن تكون وسيلة لخدمة الجماعة والعطاء المتبادل. وهكذا لم تعد الخبرة العاطفية، في حياة الكثيرين من الشُبان، طريقاً إلى نموّ شخصيتهم نمواً متناغماً جذلاً ومطلاً على الغير اطلالة عطاء وبذل بل إلى تقهقر نفساني وأخلاقي خطير لا يخلو من مغبات باهظة تنال من مستقبلهم.

هناك خبرة مزيفة للحرية يعيشها الشباب: : فالحرية بدلاً من أن تكون طاعة للحقيقة الموضوعية الشاملة، أمست في حياتهم انسياقاً أعمى لنوازع الغريزة وإرادة التسلّط. وهكذا يصبح من الطبيعي، نوعاً ما، على صعيد الذهنيات والتصرفات، أن يتفتت الاعتناق الباطن للمبادئ الأخلاقية. وأما في المجال الديني، إن لم يكن في كل مجالات الحياة، فهناك رفض صريح لله، أو أقلّه لا مبالاة تنجم عنها حياة يعيشها الإنسان بصرف النظر عن وجود الله، حتى في أهمّ الظروف وأخطر الخيارات (أع. ر: 8).

إلا إن كل هذا يعكس عطشًا للحرية ورغبة في عالم يسوده العدالة والتضامن. لذا فإن نقطة الانطلاق في العمل الرعوي لتنشيط الدعوات هي التركيز على تحرير الشاب داخليًا من كل المعوقات التي تعوقه لكي يُحسن اختياراته. الاهتمام بمجال الخدمة والتضامن مع الفقراء والمهمشين، فهي تُشبع حاجة قوية لديهم بعالم أكثر عدلاً.

لذا فإن من خلال الخبرات المعاشة مع الشباب والتواصل معهم لا يجب الاهتمام بالمعلومات الجديدة الواجب تقديمها للشباب. فليس هناك معلومة أو إشارة يمكن أن تجعل سرّ الله ماثلاً بطريقة تامة وحصرية للشاب. التواصل في حد ذاته يستهدف المعنى وليس المعلومة التي يحرص الكثيرين على الاهتمام بها. تطرح على الشاب عيش خبرة حقيقية وملموسة مع الله. يسوع الناصري، “صورة” و”كلمة” الله غير المفحوص وغير المرئي، هو الكلمة الأبلغ بكثير من كافة كلماتنا، هو الكلمة الوحيدة التي تُحقق حضور الله بشكل جذريّ، وتُعبِّر عنه بامتلاء وتُثير دعوة تساؤلية. “من خلال حرية، واختيارات وإيماءات ووجود يسوع [..] يظهر وجه الله: باعتباره ذاك الذي يقبل ويُرحِّب بمَن ابتعد عنه، الذي يُقيم الوحدة مع الإنسان المنفصل عنه، الذي احبنا أولاً بينما كنّا لا نزال خطأة. وجه الله هذا، واسمه، قد أُعطي الآن للإنسان يسوع، فهو اسم الله، وجهه الذي التفت إلينا”.


[1] فرح الإنجيل 107

قد يعجبك ايضا
Loading...