إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

شفاعة مريم

295

تعرض أحد الكهنة في عام 1985 لحادث مؤلم وهو في طريقه لخدمة رعيته بأحد مقاطعات ولاية تكساس الأمريكية. كانت نتيجة الحادث المروع بقاء الكاهن في غيبوبة لمدة من الزمن. شاهدت الحادث إحدى الراهبات التي تساعد أبونا في الخدمة.. رافقته في سيارة الاسعاف حتى المستشفى. أفاق الكاهن بعد أيام واعلن شهادته عن تلك الفترة وهو في الكوما. يقول: ” شعرت بأن روحي تخرج من جسدي وأصبحت أرى جسدي ممدًا على الطريق بعد أن صدمتني السيارة المسرعة. جاء المسعفون وبعض أهل الرعية ثم راهبة كانت تخدم معي. نقلوني إلى سيارة الاسعاف وصعدت الراهبة معي، كان تحمل في يدها المسبحة الوردية وتصلي بصوت عال طالبة شفاعة العذراء من أجلي. تغير المشهد ولا أعلم ماذا حدث، وجدت نفسي في حالة غريبة وفي مكان أغرب. لفني حضور المسيح ورأيت شريط لحياتي بالكامل، خاصة سنوات خدمتي الكهنوتية ثم سمعت صوت المسيح يقول لي: “لقد عملت لنفسك أكثر مما عملت لأجلي ولأجل الناس. لم ترعى قطيعي ولم تخدمهم كما أوصيتك.. أنت لا تستحقني ولا تستحق أن تكون في ملكوتي”. عندئذ سمعت صوت نسائي عذب يقول: “أبني هل ممكن أن تنقذه”. “كيف لي أن أنقذه يا أمي وقد كان كاهن لنفسه وليس لي لمدة 12 سنة” فقالت العذراء: “أصبر عليه ثلاث سنوات لكي يثمر وأن لم يثمر أقطعه من كرمتك”. يقول يسوع للعذراء: “أمي أنه لكي”. عاد الكاهن بعد أيام إلى الحياة بالرغم من صعوبة حالته الصحية فقرر أن تكرس كنيسته للعذراء مريم وأن تتلي فيها صلاة المسبحة يوميًا من أجل الكهنة في العالم.

نحتفل اليوم بعيد انتقال مريم إلى السماء.. هو عيد الرجاء لأن إنسانة مثلنا في كل شيء، انتقلت إلى السماء بالنفس والجسد.. الأمر ببساطة يذكرنا أنه في نهاية الحياة سنحصد ما عشنا من أجله على الأرض. فمريم هي في السماء، هي في حياة الله وفي ملكوته لأنها على الأرض استطاعت أن تتحمل حضور الله في حياتها حتى إنها أعطته كل شيء حتى جسدها ولحمها وخلاياها لابن الله ليتجسد منها للبشرية.

في العهد القديم كان حضور الله أشبه بالنار الآكله التي تحرق: “لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَك هو نارٌ أكِلَةٌ وإِلهٌ غَيُور” (تثنية 4: 24) وكان العليقة التي راها موسى في البرية مشتعلة لكنها لا تحترق. كيف يقترب الله من الإنسان ولا يحترق. لكن الشيء الغير مستطاع عند الناس مستطاعًا عن الله، تحول الله إلى طفل في رحم مريم وبين يديها وفي احضانها، تعلم منها. اقترب الخالق من خليقته، تمامًا كما تفعل الأم مع أطفالها. في فيلم آلام المسيح، ميل جيبسون وفي مشهد عبقري عندما سقط يسوع تحت الصليب انتقلت الكاميرا إلى مريم والتي تذكرت خطوات يسوع وهو طفل وهو يجري في الشارع فسقط فجرت عليه مريم وحملته في احضانها ومسحت بيدها على شعره ونفضت التراب عن ملابسه.

الحقيقة الأولى التي تؤكدها عقيدة الانتقال بالنفس والجسد: أن الله قريب منّا، يتقاسم معنا الحياة كما تقاسمها مع مريم، فإذا تحملنا حضوره في حياتنا، وإذا عشنا معه وله وحملناه في قلوبنا وأفكارنا في هذه الحياة، سنكون معه أيضًا في الملكوت كما نحن الآن. والعكس صحيح إذا عشنا بعيدًا عنه سنكون بعدين عنه أيضًا عند نهاية الحياة.

كيف يكون الله معنا؟ جاوبت مريم الملاك: ” أَنا أَمَةُ الرَّبّ فَليَكُنْ لي بِحَسَبِ قَوْلِكَ” (لوقا 1: 38) وقالت للخدم في قانا: «مَهما قالَ لَكم فافعَلوه» (يوحنا 2: 5). تدعونا مريم أن نطيع الله في الحياة فمهما قال فافعلوه، كما سبق أن أطاعته هو منذ البشارة. ماذا كانت نتيجة طاعة الخدم، تحول الماء إلى خمر.. تحولت المشكلة التي كادت تعصف بالاسرة إلى مصدر فرح..

في القراءة الأولى يأتي تشبيه المرأة التي على وشك الولادة وينتظرها التنين ليبتلع الطفل.. معجزة كل امراة تضع طفلاً، بعد الولادة وبالرغم من الألم، تكون قادرة على ارضاع وليدها، قادرة على تحول دمها إلى لبن. تدعونا الليتورجية اليوم إلى التحول من منهج الابتلاع والاستحواذ على الآخرين إلى منطق العطاء والعناية بالآخرين.

الحقيقة الثانية التي تؤكدها عقيدة الانتقال بالنفس والجسد: أن رجاءنا هو قيامة الأجساد، فنحن نؤمن بأن المسيح قام بالجسد من بين الأموات، كان جسده كما هو وراه التلاميذ ورأوا أثار المسامير والحربة، أكل معهم لكن جسده كان مختلفًا، ممجدًا، يدخل والأبواب مُغلقة. أن قيامة الجسد من الموت لا يقتصر على المسيح. إذا كانت مريم تستطيع أن تصل إلى السماء بالنفس والجسد والروح، فنحن الذين نشترك في بشريّتها سوف نسطيع يومًا أن تتّحد أرواحنا بأجسادنا.

قد يعجبك ايضا
Loading...