الكاريزما الفرنسيسكانية- الحياة الجماعية
تتخلص الكاريزما الفرنسيسكانية من خلال الاسم الذي أختاره القديس فرنسيس لجماعته الأولى، ثم امتد إلى كافة الرهبانيات التي أعتنقت فكر ونمط حياة القديس فرنسيس. هكذا يبدأ قانونه المُعتمد: “إِنَّ قانونَ الإِخْوَةِ الأَصاغِرِ وَحَياتَهُم هوَ:” من المهم أن ندرك أن اسمنا هو الإخوة الأصاغر يحتوي على هويتنا. فالأخوة والأصغرية هما “الرئتان اللتان تمنحان الحياة لوجودنا ورسالتنا في العام”.
الحياة الأخوية
لنتناول أولا الحياة الأخوية “نحن أخوة وأخوات”. ما المقصود بالحياة الجماعية وفقًا لمهنج القديس فرنسيس؟ وكيف نعمل معا؟ تجيب اللوائح العامة المادة 38 على هذه الأسئلة.
“الرهبان، كأبناء للآب السماوي وإخوة ليسوع المسيح في الروح القدس، يتبعون الطريقة الإنجيلية التي كشفها الرب للقديس فرنسيس، يعيشون حياة أخوية في الجماعة، يحبون بعضهم بعضًا ويغذون بعضهم بعضًا أكثر مما تحب الأم ابنها الجسدي وتغذيه”.
هناك 3 أعمدة تقوم عليها الجماعة الفرنسيسكانية:
أولا: الأساس الثالوثي
تُذكرالقواعد العامة: الآب والابن والروح القدس. السبب الذي يجعلنا نتحدث عن الأخوة هو الله الثالوث، فالذي جمعنا في هذه العائلة هو الله الآب ودعنا أخوة، وتجسد الابن ليدخلنا في عمق حياة الله ويكون هو البكر بين أخوة كثيرين، والروح الواحد، روح المحبة هو الذي يجمعنا في جسد واحد. يمكننا أن ندعو أنفسنا إخوة انطلاقًا من الإيمان. للأخوة أساس لاهوتي,
كل منّا في حاجة إلى آخرين، إلى أخوة وأخوات، إلى علاقات إنسانية ليتمكن من إنجاز عمله. المسيح نفسه كان يحتاج إلى أخوة مقربين، هناك بيت عانيا، بيت لعازر الذي كان يلجأ إليه باستمرار. وداخل دائرة التلاميذ هناك أيضا هناك ثلاثة أشخاص أقام معهم يسوع علاقة أعمق من الباقيين، بطرس ويعقوب ويوحنا: “فانفَرَدَ بِهِم وَحدَهم على جَبَلٍ عالٍ، وتَجَلَّى بِمَرأَى منهم”.
إذا كان ابن الله يحتاج إلى علاقات ليتمكن من إنجاز عمله، إذا كان ابن الله يأخذ بطرس ويعقوب ويوحنا معه إلى جثسيماني، إذا كان ابن الله يعيش أهم أمور حياته ويسمح للآخرين بمساعدته، فمن نحن لنقول إننا لا نحتاج إلى أحد؟ يصدر لنا العالم اليوم مبادئ مختلفة، خاصة في مصر هذه الأيام، بأن النجاح في العمل والرسالة يتطلب أن أعمل كل شيء بنفسي وبمفردي. ونفكر بأن هؤلاء هم الأشخاص السعداء، الذين لا يحتاجون إلى أحد لأنهم صنعوا أنفسهم بأنفسهم. هذه هي تعاليم الشيطان.
الشيطان يزكي فينا هذه الأفكار: اعتمد على نفسك، ابني نفسك، لا تحتاج إلى الآخرين. لا تحتاج إلى جماعتك وأصدقائك لأنهما لا يفهمون مثلك، غير مدربين مثلك، ليس لديهم كفاءات مثلك، والدليل اختيار الرهبنة لك وحدك للإدارة. كل مرة بنيت فيها علاقات أخوية، خانك أحدهم. لذا لا يجب أن تبني صداقات مع أحد. استغل الناس. أنتم تعلمون أن أحد الأشياء التي تعيق حياتنا هو عدم قدرتنا على المسامحة والغفران. يتذكر العقل والقلب كافة المساوئ التي عرفتها عن الأخ والتي سمعت عنها واحيانا التي اتصورها لقناعة نفسي: أنت لا تحتاج إلى أخوة.
لقد اشار البابا فرنسيس في لقاءه بنا، كمكرسين ومكرسات في المعادي أبريل 2017 إلى مجموعة من الأخطار من ضمنها ما أسماه تجربة: “تجربة الفردانية. كما يقول المثل المصري المعروف: “أنا ومِن بعدي الطوفان”. إنها تجربة الانانيين الذين، أثناء الدرب، يفقدون الهدف، وبدلا من التفكير في الآخرين يفكّرون فقط في أنفسهم، دون الشعور بأي خجل من ذلك، بل ويبرّرونه. إن الكنيسة هي جماعة المؤمنين، جسد المسيح، حيث خلاص أحد الأعضاء يرتبط بقداسة الجميع (را. 1 كو 12، 12- 27، نور الأمم، 7). إن الفردانيّة هي في الواقع سببٌ للعثرة وللصراع.”.
هذه هي كذبة العالم. يعلمنا يسوع أن العلاقات تنقذ حياتنا، وخدمتنا وأسرتنا الرهبانية. من هم بطرس ويعقوب ويوحنا في حياتكم؟ من هم مريم ومريم ولعازر؟ من هم الأشخاص الذين يمكنكم الوثوق بهم؟ هل لديكم أيضًا إليصابات مثل مريم؟ هل لديكم أيضًا هارون مثل موسى؟ الكتاب المقدس كله قصة علاقات يمكن أن تعيش وتخلص لأن تلك العلاقات تساعدها على الخلاص. لذلك لا يمكننا أن نفكر في حياتنا المسيحية ونأخذ محبة الله على محمل الجد دون أن نأخذ الكنيسة على محمل الجد. في عصرنا هذا الذي هو عصر الفردية، حتى أولئك الذين يأتون إلى الكنيسة كثيرًا يأتون بروح فردية.
لكننا لا نعيش حياة أخوية لمجرد أننا نعيش في نفس المكان. العيش معًا لا يجعلنا إخوة. الحياة الأخوية تتطلب قرار: أن أحب الآخرين، أن لا أغلق على نفسي، أن أقرر بأن يدخل الآخرين حياتي، ويشاركوني أعمالي وطموحاتي. أحد أصعب الأشياء في الحياة ليس الحب، بل السماح للآخرين بأن يحبوك. هذا أحد أصعب الأشياء في الحياة. إنها التخلي عن السيطرة، السماح لشخص ما بأن يعتني بك، أن يشاركك في عملك، أن تعتمد على أحد.
المشكلة إننا نخاف التخلي عن السيطرة. هل تعلمون أن التجربة الثانية للمسيح، وفقا لنص القديس لوقا، كان تتعلق بالسيطرة والتحكم في كل شيء. كل الممالك، كل الناس: “أُوليكَ هذا السُّلطانَ كُلَّه ومَجدَ هذهِ الـمَمالِك، لِأَنَّه سُلِّمَ إِليَّ وأَنا أُولِيه مَن أَشاء. فَإِن سَجَدتَ لي، يَعودُ إِلَيكَ ذلكَ كُلُّه”.
الرغبة في السيطرة هي شكل من أشكال العبودية التي تجعلنا نعيش بصورة سيئة. إذا تسأل أحد الأشخاص عن: ما هي جذور القلق الذي تشعر به؟ ماهو أساس اضطرابك؟ ما هو سبب عدم رضاك؟ السبب الأساسي في إننا نرغب في أن يكون كل شيء تحت سيطرتنا ويخضع لتحكمنا وللآسف لا نتمكن من ذلك؟ هناك أشياء لا تخضع للسيطرة. وعندما تسيطر على شيء يأتي شيء آخر يفقدك السيطرة.
من أنت عندما تفقد التحكم والسيطرة؟ أنت شخص خاضع تماما للظروف والأحداث. كيف يشفينا يسوع من كل هذا؟ لا تقلق مع عدم السيطرة على حياتك، لأني أنا موجود: «مَكتوبٌ: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد، وإِيَّاه وَحدَه تَعبُد». الرب راعي فلا شيء يعوزني، إذا سرت في وادي ظل الموت لا أخاف شرًا لأن يديك وعكازك يعزياني، لا أخاف لأنك معي. لا يقول الرب إنه سينجيك بحيث لا تمر في ذلك الوادي المظلم، عندما تقع تحت طائلة المشكلات، لكنه يقول في ذلك الوقت ثق إني معك، سأرعي خطواتك، لا تقلق. ما هو الأفضل: أن تعيش بدون مشكلات وتتحمل المسئولية وحدك، أو إن هناك أوقات صعبة، قد تأتي أحيانًا كثيرة من الجماعة الرهبانية، لكن ثق إني معك؟ ماذا نختار؟
ثانيًا: الحياة الأخوية في الجماعة
لقد دعى الله كل واحد منّا إلى اعتناق فكر القديس فرنسيس بالعيش في جماعة. الاختيار الإلهي هو الذي يساعدنا على العيش معا، فهو الذي يعطينا نعمة القبول والشهادة أمام المجتمع. يبدو من المستحيل أحيانا العيش مع البعض، أو العمل معهم من المنظور البشرى، لكن الله هو الذي يعطي النعمة والقدرة على على المحبة المتبادلة.
يعتقد البعض أن الحياة الأخوية تستلزم وجود نوع من التوافق بين أفراد الجماعة، لكن عندم أراد القديس فرنسيس وصف حياة الجماعة روى لنا قصة الفرح الكامل أو الحقيقي. عندما يعود في ليلة شديدة البرودة ويقرع الباب طويلا فيجبه الأخ ويقول له: “امض في سبيلك، فأنت مجرّد إنسان بسيط وغير متعلّم. وعلى أية حال، لا تعد إلينا مجدّدا؛ فانّ كثرة عددنا، وكفاءتنا، يعنياننا عنك. اذهب إلى الملجأ (معسكر الجذام) علّهم يستقبلونك هناك”. يقول فرنسيس: “إنني إن صبرت ولم اضطرب، ففي ذلك يكمن الفرح الحقيقي والفضيلة الحقّة، وخلاص النفس“.
تضم الجماعات أحيانًا بعض الأخوة اللذين يعاملونا كالقديس فرنسيس، لا يقبلونا كما نحن، يعقون أعمالنا بدلا من مساعدتنا في رسالتنا. علينا فحص ذواتنا فالمشكلة قد تكون في حدودي وضعفي وهشاشتي. المثالي لا يوجد، وبأن التوازن الشخصي والانسجام الذي يحلمون به لا يحصلان إلا بعد سنوات طويلة من النضال والآلام. فإذ كنا نفتش دائمًا عن توازننا الشخصي، وإذ غالينا في التفتيش عن سلامنا المنفرد، فلن نناله، لأن السلام هو ثمرة الحب، أي ثمرة خدمة الآخرين. إذا أردنا السلام الشخصي فعلينا أن نكف عن النظر إلى ذواتنا، وننظر إلى أخوتنا المقيمين معنا، لنفكر كيف نزيد محبتنا لهم.
لذا تحدثنا اللوائح العامة في البند [1]42 عن كيف نعيش كإخوة داخل الجماعة الرهبانية:
§1 لتعزيز الوحدة الأخوية بشكل أكبر، على الإخوة أن يتعاملوا مع بعضهم البعض بمحبة متبادلة، وأن يقدموا خدمات متبادلة بروح كريمة، وأن يدعموا المبادرات الجيدة، وأن يفرحوا بالنجاح الذي يحققه الآخرون في عملهم.
لتعزيز الوحدة الأخوية والعمل الجماعي المشترك نحن بحاجة إلى التفكير في هذه النقاط الأربع:-
- المحبة المتبادلة. التدريب على المحبة يستغرق الحياة بأكملها، لا أستطيع يومًا أن أقول محبتي كاملة لأخوتي. لذا عليّ أن ألاحظ بعض التصرفات العملية حتى لا أجرح المحبة الأخوية مهما كانت الصعوبات الموجودة بالدير.
- هل أغتاب الآخرين؟ إذا كان لديَّ إعتراضٌ على الآخر أو لستُ من رأيه: عليَّ ان أُواجهه وجهًا لوجه. الكلام الكثير مع آخرين على الزميل (الثرثرة) يدمر المحبة، فالمحبة “لا تَظُنُّ السّوءَ”. علينا امتلاك الجرأة للحوار بهدوء، وفي وقت المناسب، والاستماع للآخر حتى النهاية، وليس للبدء في الردّ بينما لا يزال الآخر يتحدّث. ليس ظاهريّا فقط، بل داخليّا أيضا. هذا يتطلب تدريب على القدرة على التفكير والتحدّث دون انفعال مع الآخرين وعدم استخدام كلمات مثل: “ولكن، أنا”، “أنا اعترض”، “أنا لا أتّفق”، “أعتقد”، “أتّفق مع”، وما إلى ذلك. ويجب تجنّب الجدال بين الأشخاص؛ لأنّه يشعل بسهولة شغف العقل ويؤدّي إلى الدفاع عن وجهة النظر الشخصية، بل وإلى المبالغة في وزن رؤية الإنسان لنفسه أو تشويه رأي الآخر.
- الصلاة الصادقة من أجل الجماعة وخصوصًا مِن أجلِ أولئِكَ الَّذِينَ تُعانون مِن مشَاكِلَ معهم ولا ترتاحون لَهُم، لأنَّه من الطبيعِيّ ألاَّ يرتاحَ الإنسان في بعضِ الأوقات لِشخصٍ آخَر، فهو أمرٌ غَرائزيّ، إنَّما صلُّوا والربُّ يُكمِلُ الباقِي. صلُّوا دائمًا: الصلاةُ الجماعِيَّةُ مهمَّة.
- الخدمة المتبادلة بروح كريم: يقول القديس فرنسيس في وصيته 18: “طوبى للإنسان الذي يُساندُ قَريبهُ في هَشاشتِهِ، بقدر ما يتَمَنَّى أن يُساندهُ قريبُهُ عندما يكون هو في حالٍ مُماثل”. تكون المساندة بقبول النقائص البشرية كجزء أساسي لتمايز الأشخاص واختلافهم بعضهم عن بعض. فكلٍ منّا فريد في تكوينه ونشأته وظروف حياته، فإذا كان الأخ هشًا وضعيفًا في أمرٍ ما، فإن القبول في حد ذاته يساعد الآخر على النمو. لقد أفضى الحب بالمسيح إلى بذل ذاته حتى الذبيحة القصوى، ذبيحة الصليب. فيما بين التلاميذ أيضًا، لا يمكن أن تقوم وحدة حقيقية بمعزل عن هذا الحب المتبادل غير المشروط الذي يتطلب الأهبة للخدمة بلا حساب والاستعداد لتقبل الآخر كما هو، بلا “دينونة” والقدرة على المسامحة حتى “سبعين مرة سبع مرات”.
- دعم المبادرات الجيدة والآراء البناءة الصادرة من كل فرد في الجماعة حتى ممن ليسوا في المسئولية. ممارسة التمييز الجماعي لتطوير العمل المشترك. وهذه هي آلية الدعم الجماعي:
- الاستماع إلى آراء كلّ شخص، يُفضّل واحد تلو الآخر، في دائرة. الجميع مدعوّون إلى التحدّث بإيجاز وبهدوء، والتعبير عن الرأي الذي توصّل إليه بنفسه. ولا يستخدم أحد كلمات المواجهة والجدل مع الآخرين، ولكن يعبّر عن نفسه فقط فيما يتعلّق بموضوع الاختيار.
- وبعد الدور الأوّل، يدعو القائد الذي يتابع العمليّة بعناية ملاحظا أين يتحرّك التوافق، كلّ شخص للمشاركة في دور ثان يختار فيه كلّ شخص الرأي المقترح في الدور الأوّل الذي يبدو أكثر صوابا بالنسبة له، باستثناء الرأي الذي أعرب عنه هو نفسه. وعندما نتحدّث، يجب ألّا نذكر الشخص الذي أعرب عن الرأي والآن أنا الشخص الذي سيستكمل، ولكن ببساطة أقبل اقتراحه، وأشرحه بكلماتي، وربّما أضيف الأشياء التي تبادر إلى الذهن وتبدو مهمّة بالنسبة لي، بالنظر إلى ذلك الرأي. وبهذه الطريقة، تبدأ بعض الآراء في تشكيل توافق الكثيرين. وإذا كان ذلك الرأي قد أُعرِب عنه في البداية من خلال تأكيد واقعين، يحدث تدريجيًّا أنّ هذا الرأي، الذي يحظى بموافقة الكثيرين، يعمّق ويوسّع ويدمج الوقائع التي تجعل منه حقّا رأيًا صلبًا، وكاملاً على نحو متزايد، وتعبيرًا عن الجماعة.
- من الممكن تكرار هذه الأدوار عدّة مرّات، حتّى يكتمل التوافق عمليًّا.
- يختتم القائد الذي يلاحظ طوال الوقت المكان الذي يتشكّل فيه التوافق الروحيّ، بتحديد النتيجة بشكل جيّد، متسائلا عمّا إذا كانت الجماعة تتّفق على كيفيّة صياغة مضمون القرار. وبهذه الطريقة يمكن للجماعة أن تتأكّد من أنّ ما اختارته ليس تصريحا بواسطة أحد أعضاء الجماعة لأنّه يعرف كيف يتكلّم جيّدا، لأنّه مؤثّر، لأنّه يعرف كيف يكسب الجميع؛ لأنّه يعرف كيف يؤثّر على الجميع، بل لأنّ الاقتراح الأكثر روحانيّة قد نشأ؛ لأنّه يشكّل التوافق الذي هو العمل المثاليّ للروح القدس.
- الفرح بالنجاح الذي يحققه الآخرين (مشاركته في لحظات سعادته والفرح لأجله)
إلى أي مدي ألاحظ ما يفعله الأخ؟ إلى أي مدى أستطيع أن أقول ”أحسنت“؟ إلى أي مدى أفرح حقًا؟
ثالثا: الأبوة والأمومة الروحية
“يغذون بعضهم بعضًا أكثر مما تحب الأم ابنها الجسدي وتغذيه”. صورة ”الأم التي تحب وتغذي ابنها“ توفر السمة الفرنسيسكانية. مأخوذة من القاعدتين. كان فرنسيس صارمًا في استبعاد لقب الأب من العلاقات الإنسانية (الأب هو الله وحده)؛ لكنه يستخدم لقب الأم للعلاقة الأخوية. التغذية كصورة للرعاية. الرعاية الأخوية.
بصرف النظر عن العمر البيولوجي ولا الرهباني فإن الكاريزما الفرنسيسكانية تتطلب أن أنظر إلى الآخرين نظرة “الأم” لأولادها. وتلك النظرة تجعلني لا أسال أسئلة مثل: “لماذا سمح الله بهذا؟ لماذا لم يعطيني الله أخٍ أخر “أسهل” في التعامل؟ الأم تقبل أولادها كما هم، وتجتهد لأجل أن تعامل الجميع دون تحيز لأحد منهم.
أن بكون الراهب أمًا، يعني أن يقود الأخ الأصغر في تجربة الحياة الرهبانية بتأنٍ وصبر وطول آناة. وهذا يعني تدريبه وجَعله قادر على الاختيار، والحرّية، والانطلاق. أن بكون الراهب أمًا يعني تحمل بمسؤوليّة الآخرين. وكلّ مرّة يتحمّل إنسان ما مسؤوليّة حياة شخص آخر، فإنّه بطريقة ما يمارس الأبوّة تجاهه” (قلب أبوي: 7).
أن بكون الراهب أمًا “أن يكون المرء أبًا يعني أن يقود الابن في تجربة الحياة، أي في الواقع. وهذا لا يعني كَبحه أو سَجنه أو امتِلاكه بل جَعله قادرًا على الاختيار، والحرّية، والانطلاق. ولهذا السبب ربّما قد أضاف التقليد إلى صفةِ الأب التي مُنِحَت ليوسف صفةَ “العفيف”. وهذا ليس مجرّد مؤشّر عاطفي، إنما مُلَخّص تصرّف يعبّر عن عدم الامتلاك. كما أن العفّة هي التحرّر من التملّك في جميع مجالات الحياة. الحبّ العفيف وحده هو الحبّ الحقيقي”(قلب أبوي: 7).
“لا يولد المسيحي بل يُصبح” كما قال ترتليانوس، بواسطة الأب الروحي أو الأم الروحية الذين عرفوا كيفية قيادته، في نور الروح القدس، بصبرٍ وحب وبحرية كاملة لحياة المسيح، وحياة الله: “فَمِنهُ كُلُّ أُبوَّةٍ في السَّماءِ والأرضِ” (أفسس 3: 15).
[1] COSTITUZIONI GENERALI