كيف أعيش الرجاء في الحياة
الرجاء الذي لا يحررنا لا يُعد رجاء.
الرجاء الحقيقي يفتح أمامنا طريق الحرية من الأشياء التي تعوقنا في هذه الحياة، التي تسبعدنا. إذا نظرتم إلى العهد القديم، ستلاحظون أن إحدى أهم قصص العهد القديم مروية في سفر الخروج. لماذا نسميه سفر الخروج؟ لأنه يتحدث بالضبط عن خروج شعب إسرائيل من مصر إلى الأرض الموعودة. ماذا تمثل مصر؟ مصر تمثل العبودية إذا ترجمناها بلغتنا بشيء حديث يمكن أن يتعلق بحياتنا، لكان علينا أن نقول إن مصر تمثل التعاسة، فعندما يكون الإنسان تعيسًا، فهو في نوع من العبودية، لأنك إذا كنت تعيسًا، فأنت كمن لا يوجد لديه سبب للاستيقاظ في الصباح، وإذا كنت تعيسًا، فأنت لا تملك القوة لفعل أي شيء، وإذا كنت تعيسًا، فإنك تفقد حريتك، وتغمرنا الظلمة كل ما يجب أن يكون نورًا في الحياة.
يسمع الله صرخة تعاسة شعب إسرائيل كما يسمع صرخة تعاسة كل واحد منا، ويقترح على هذا الشعب حلاً ليس في الواقع سحرًا، وليس شيئًا يغير مصير هذا الشعب بواسطة تعويذة سحرية، بل يقترح عليهم تجربة، يقترح عليهم رحلة ربما لتذكيرهم وتذكيرنا جميعًا بأننا لكي نكون سعداء يجب أن ننطلق في رحلة، لكي نكون سعداء يجب أن نترك تعاستنا ونسلك طريقًا، طريقًا يبدو أحيانًا مستحيلًا.
عندما وقف شعب إسرائيل أمام البحر الأحمر أدركوا أنهم محاصرون، الجيش المصري خلفهم وأمامهم جدار من الماء، يعلمون أنهم لا يستطيعون المضي قدمًا، يعلمون أنهم سيُبادون في ذلك المكان، ومع ذلك، يفتح الله معجزةً ويشق طريقًا في البحر الأحمر، ويقسم البحر إلى جانبين، ويسمح للإسرائيليين بعبور البحر الأحمر سالمين لمواصلة رحلتهم.
هل تعلمون لماذا أؤكد على هذا الجانب؟ لأن هذه الرحلة هي التي ستقودنا نحو التحرر. في هذه الرحلة نتعلم أن نكون سعداء، بالرغم من الضيقات والظروف. هناك بعض الأمور تتعلق بإمكانياتنا. بعض الأمور علينا أن نفعلها، وبعض الأمور لا تتعلق بإمكانياتنا. ماذا يعني ذلك؟ أننا إذا لم نتعلم أن نقوم بدورنا أولاً، فلن نتمكن من فهم ما يريده الله في حياتنا، وبعد ذلك يأتي وقت، بعد أن تبذل كل ما في وسعك، تجد أن الحياة أكبر من إمكانياتك، أي أنك تدرك أن إمكانياتك ليست كافية، ونشعر جميعًا كما شعر التلاميذ عندما قال لهم يسوع: «أَعطوهُم أَنتم ما يَأكُلون». لقد أدرك التلاميذ أن الأمر يفوق قدراتهم، فهم لا يملكون شيئًا، يملكون القليل، فقط وجبة خفيفة لصبى صغير، خمسة أرغفة وسمكتين. لكن كان عليهم أن يقدموا القليل الذي لديهم. أدرك التلاميذ أن الله أعظم مما يملكون ويفوق قدراتهم.
نعمة الله موجودة دائما، وهذا ما يمنحنا دائمًا الكثير من الرجاء. يسوع يعلمنا أن نقوم بدورنا، يعلمنا أن نصنع ما في وسعنا، ولكن عندما تصبح الحياة أكبر من قوتنا، تبدأ نعمة الله في العمل، وتبدأ معجزات الرب، وهي معجزات لا تجذب الانتباه في بعض الأحيان ولكنها تغير وجودنا تمامًا.
ربما يكون هذا هو الفرق الذي يجب أن يميز المسيحيون إلى العالم. المسيحيون هم أولئك الذين يتعلمون أن يبذلوا كل ما في وسعهم ولكنهم يثقون في أنهم ليسوا وحدهم. هم يعلمون أن الله سيساعدهم، ويعلمون أن هناك نعمة سترافقهم في مصيرهم. لذلك من الجميل، كما ترون، أننا لسنا وحدنا في رغبتنا في أن نكون سعداء، وأن الرب لم يتركنا بمفردنا، وأننا لا يجب أن نفعل كل شيء بمفردنا، بل أن الرب أعطانا نعمة. نعمة ترافقنا خلال هذه الرحلة وتجعل تحقيق هذه الحرية ممكنًا لكل واحد منا، وإننا مدعون للفرح وملء الحياة,
يعلمنا الإنجيل أن هذا المسار هو ملموس وواقعي. نفكر في كثير من الأحيان، في أن الحياة الروحية شيئًا منفصل عن حياتنا، ولكن إذا قرأنا الإنجيل، ندرك أن الحياة الروحية، أي حياة الروح التي يقترحها الرب لكل واحد منا، هي حياة ملموسة للغاية وتمس بصورة مباشرة واقعنا اليومي المعاش. عند حضورك، مثلا قداس الأحد، وتسمع الإنجيل، أو عندما تقرأه بصورة يومية كقراءة شخصية، فأعرف إنه رسالة الله الخاصة بك وحدك في الواقع الذي تعيشه. الإنجيل هو كلمة الله لك اليوم والآن، ولك وحدك. المسيح لم يعطي تشريعات ولم يسن قوانين أخلاقية أو دينية. ببساطة كان يجلس بين الناس، في البيوت، أو في الساحات، ليكلم الناس عن واقعها اليومي المعاش ورسالة الله لكل مستمع له.
هل تعلمون لماذا أختار المسيح أن يتكلم بالأمثال؟ لا تندهشوا إذا قلت لكم إنه اختراع كافة الأمثال التي تقرأها. نعم اختار أن يحكي والحكي في صورة قصصية هو ما يسهل على كل إنسان، باختلاف العصور والثقافات، أن يفهم رسالة الله له.
لذا اخترت أربع خطوات أو مراحل، مرتبطة بقصص إنجيلية، تكشف لنا كيف يمكن للرجاء أن يحررنا من واقعنا، ويعطينا السعادة التي نأملها، بالرغم من علامات الإحباط الموجودة في حياة كلٍ منّا. سنكتشف إن كل قصة، هي قصتنا اليوم، في واقعنا الذي نعيشه، كما كانت قصة الجموع التي سمعت يسوع وهو ينطق بها للمرة الأولى. أن الإنجيل بحد ذاته هو قاعدة للحياة، وهو طريق يقودك إلى السعادة.
الخطوة الأولى: شخص يراك
لنبدأ المرحلة الأولى. الخطأ الذي يمكن أن نقع فيه هو أن نعتقد أن الرجاء هو، شعور أو عاطفة. أنا أشعر بالرجاء كما أشعر بعاطفة أخرى، لكنكم تعلمون أن العواطف لها مدة محددة، وهي قصيرة، بمعنى أنه يكفي شيء صغير لتتلاشى تلك المشاعر، ولا تشعر بتلك العاطفة بعد ذلك. نحن نخلط في كثير من الأحيان بين الرجاء وعاطفة التفاؤل. باختصار، كلنا نمر بأيام نستيقظ فيها في الصباح ونحن نشعر بنوع ما من التشاؤم يجعلنا ننظر إلى جميع أحداث اليوم نظرة سلبية. وهناك أيام نستيقظ فيها ونشعر بتفاؤل ونشعر إننا سعداء والدنيا تضحك في وجوهنا. تلك المشاعر لها مبرراتها النفسية والفسيولوجية، لكن الرجاء مختلف تمامًا هو ليس عاطفة أو شعور نشعر به بشيء ما.
وهناك خطأ ثانٍ نرتكبه أحيانًا، نعتقد أن الرجاء هو حصيلة التفكير المقنع. تخيلوا أنكم أمام مريض يعاني، أو أمام عائلة ربما فقدت ابنها، ماذا يحدث؟ نعتقد أننا نجلب الرجاء عندما نجلب لهؤلاء الناس تفسيرًا مقعنًا لما حدث! هل يمكن أن نحث الآخرين، أو أنفسنا على الرجاء بمجرد التفكير بشكل مقنع؟ إذا كان الرجاء هو تفكير مقنع، فهو ليس الرجاء المسيحي. لقد قلنا شيئين مهمين: الرجاء ليس عاطفة، الرجاء ليس تفكيرًا. إذن، لنجيب على هذا السؤال من منظور مسيحي: ما هو الرجاء؟
بالنسبة لنا، الرجاء هو شخص ما، هذا هو الفرق بالنسبة لنا، الرجاء هو يسوع، أي شخص ملموس، شخص ملموس يمكننا أن نلتقي به في حياتنا. عندما نقول إن لدينا أملًا فهذه المشاعر مرتبطة بأننا بذلنا كل الجهد الممكن استعدادًا للمستقبل، كالطالب الذي ذاكر دروسه جيدًا واستعد للامتحان. يدخل الاختبار النهائي ولديه ثقة في النتيجة لأنه أجتهد وأصبح مستعدًا لكافة الاحتمالات الممكنة. لكن الرجاء مختلف، هو شخص يسوع المسيح الذي يتجلى في حياة المسيحي. ،
إذن، بعد أن أوضحنا ما هو الرجاء بالنسبة لنا نحن المسيحيين، نبدأ في رؤية كيف يترجم يسوع الرجاء، أي نفسه، في حياة الأشخاص الذين يلتقيهم.
الرجاء هو شخص يراك. ربما لا تدرك ذلك. هناك أمرٌ جوهري في الحياة وهو إننا لدينا رغبةً دفينة في أن نُرى (هذا هو جوهر الحب الزوجي أن هناك مَن يراك ويقبلك في جميع أحوالك كما أنت). نقضي حياتنا كلها في الرغبة في أن نُرى. عندما نكون صغارًا، نريد أن يلاحظنا والدينا. وإذا أهمل أحدهم في أن يهتم بك (يراك وتكون عينيه عليك) في إن هذا الجرح يبقى داميًا مدى الحياة.
متى تبدأ الرجاء؟ عندما يراك شخص ما؟ عندما يلاحظك أحدهم. إذا قرأتم بعض مقاطع من سفر أعمال الرسل، ستجدون قصة جميلة: في صباح أحد الأيام، كان بطرس ويوحنا ذاهبين إلى الهيكل للصلاة. وجدوا رجلاً فقيراً يطلب صدقة. هناك جملة جميلة ينقلها لوقا كاتب سفر الأعمال: “فحَدَّقَ إِلَيه بُطرُس وكذلكَ يوحنَّا، ثُمَّ قالَ له: «أُنظُرْ إِلَينا»”.
من هنا تبدأ المعجزة، عندما ينظر بطرس ويوحنا إلى الرجل بتمعن وتركيز. يبدأ الرجاء عندما تلاحظ ألم الشخص الذي أمامك، عندما لا تتجاهله، عندما تنظر إليه. إننا جميعًا في حاجة أن :نُرى” في الحياة. ستلاحظون كثيرًا ما كان يدعو يسوع طالبي الشفاء ليقف في الوسط، في مركز الدائرة، في بؤرة الاهتمام، لأن الرجاء يبدأ عندما يلاحظك آخر. في معجرة شفاء مريض بيت حسدا، الرجل الكسيح الذي يعاني من شللٍ مدة 38 سنة، نقرأ هذه العبارة: “فرَآهُ يسوعُ مُضَّجِعاً”. فتخيلوا شخصًا يعاني منذ سنوات، محرومًا من الفرح منذ سنوات، تعيسًا منذ سنوات، يقول يوحنا أن يسوع رأى ذلك الرجل، ليس الرجل هو الذي رأى يسوع، بل يسوع هو الذي رأى ذلك الرجل.
الآن سأطرح عليكم سؤالاً: هل تشعرون أنكم مرئيون؟ هل تشعرون أنكم مرئيون في عائلتكم؟ لا أعني أن لدي ما آكله أو ما ألبسه أو هاتفًا خلويًا، لا، يمكن لأي شخص أن يعطيني هذه الأشياء دون أن ينظر إلي. يمكنني أن أعطي صدقة لفقير دون أن أنظر إليه، يمكنني أن أعطي خبزًا لجائع دون أن أنظر إليه، أي دون الدخول في علاقة شخصية معه. عندما لا ينظر إليك أحد ستكون في تعاسة مظلمة، لكن العكس عندما “ينظر إليك أحدهم” ستشعر إنك مهم في عينيه. نحن جميعًا بحاجة إلى الشعور بأننا مهمون في عيون أحدهم.
ماذا يقول لك الإنجيل؟ أنك مهم في عيني الله. يسوع يقول لكل واحد منا انظر إليّ، إنه يقول لقد لاحظتك، أنا أعرفك، أنا أردتك، وأحببتك: “قَالَ لَهُ نَثَنَائِيلُ: «مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُنِي؟» أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «قَبْلَ أَنْ دَعَاكَ فِيلُبُّسُ وَأَنْتَ تَحْتَ التِّينَةِ، رَأَيْتُكَ»” (يو 1: 48). هذه رسالة الإنجيل إليك أنك مرئي، ينظر إليك الله طوال الوقت.
إن ما يعطينا الرجاء هو شخص يسوع المسيح، لأنه رجاؤنا، فهو يرانا وإننا موضع محبته. عندما نفقد هذه البوصلة نتوه في الحياة ونسعى بكل الطرق أن نكون مرئيين من آخرين، لكن بطريقة غير صحيحة. هل سألت نفسك يومًا لماذا يسعى البعض إلى الطموح بشكل مفرط وزائد عن ما هو طبيعي؟ إنه يرغب في أن يظهر، أن يكون مرئي من آخرين. إذا سألت نفسك: لماذا أشعر باليأس؟ ستجد الإجابة في إنك غير مرئي من أحدهم.
الخطوة الثانية: شخص يسمعك
المرحلة الثانية من الرجاء التي يعلمنا إياها الإنجيل هي أن هُناك من يستمع إليك. لا يكفي إذن أن نكون مرئيين نحن بحاجة إلى أن يستمع أحدهم إلى ما نحمله في قلوبنا. إذا فكرتم في الأمر نحن نعيش في عالم لم يعد فيه أحد لديه الوقت للاستماع إلينا العثور على شخص مستعد للجلوس معك والاستماع إلى قصصك والاستماع إلى ما تعيشه أصبح أمراً نادراً جداً الكثير من اليأس خاصة في عالم الشباب، ينشأ عن عدم قدرة الكبار على الاستماع، لا يرغبون في اضاعة الوقت بالاستماع لمشكلات الشباب.
وما هو الاستماع؟ هناك مقطع جميل جدًا من الإنجيل، ذات يوم كان يسوع يمشي وكان هناك حشد من الناس حوله، فسمع أعمى صوت صخب الناس من حوله، فسأل: ماذا يحدث؟ قالوا له: يمر يسوع الناصري. فلما سمع الأعمى أن يسوع هو الذي يمر، بدأ يصرخ: يا يسوع ابن داود، ارحمني. فطلب منه الناس أن يصمت، لكنه استمر في الصراخ، فتوقف يسوع وطلب أن يدعوا الرجل. ذهب الأعمى إلى يسوع. الآن، في رأيكم، لماذا يبحث الأعمى عن يسوع؟ لكي يشفى من عمى عينيه. يسوع يعلم كل شيء، لذا فهو يعلم أن هذا الرجل يبحث عن الشفاء، لكنه يفعل شيئًا جميلًا، يسأله: «ماذا تُريدُ أَن أَصنَعَ لكَ؟» أي أنه يسمح للرجل الذي يعاني أن يعبر عن نفسه، أن يقول ما في قلبه.
سأعطيكم مثالاً: عندما يعود طفل صغير من المدرسة، عادة ما يكون متشوقاً ليروي ما حدث في المدرسة. الآن تخيلوا أن هناك أبًا أو أمًا لديهم الكثير من المشاكل، لديهم أعمال لم تُنجز بعد، لكنهم يجلسون ليستمعوا إلى قصة الصغير: لقد رسمت هذا الرسم، وأن زميلي دفعني، المعلمة قالت.. أن تستمع إلى شيء لا فائدة منه بالنسبة لك ولكنه مهم جدًا بالنسبة للطفل هو دليل الحب، لأنه من خلال التعبير عن نفسه يشعر أنه محبوب. أحد الأشياء التي نسيناها في حياتنا هو أن الرجاء ينبع من حقيقة أن هناك من يستمع إليك. أنا كاهن، وكثيرًا ما يأتي إليّ الناس للاعتراف، وفي نهاية الاعتراف يقولون لي شكرًا، شكرًا يا أبونا، لقد ساعدتني، بالرغم من إني لم أقل كلمة واحدة سوى حل الغفران في النهاية، فلماذا يشكرني؟ لأنه في الواقع وجد شخصًا استمع إليه، وهذا هو الشيء الذي نفتقده أحيانًا، أن ندرك أن الرجاء يمر عبر فعل الاستماع، أن نكون مستمعين. هل تدركون مدى واقعية الإنجيل؟ المرحلة الأولى نحتاج إلى أن نُرى، المرحلة الثانية نحتاج إلى أن نُسمع.
الخطوة الثالثة: شخص يُرشدك الطريق
المرحلة الثالثة الرجاء هو شخص يتحدث إليك.الاستماع جميل، ولكن من الجميل أيضًا أن يعلّمك أحدهم ويرشدك للطريق الأنسب. كان المسيحية في البداية تُعرف في الأوساط اليونانية باتباع الطريق، لأن المسيح عبر عن نفسه بقول: «أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَى الآبِ إِلاَّ بِي.” (يو 14: 6). أن تُسمع، أن يسمعك أحدهم يعني أنك تحتاج إلى إجابة، أن يأخذ على محمل الجد ما تقوله. أحيانًا، عندما تروي قصتك، شكوتك، قد يساعدك مُن يسمعك بحب أن تكتشف الخيط الذي يربط أحداث حياتك، قد يساعد لاكتشاف معنى وجودك.
كان يسوع يقضي الكثير من الوقت في التحدث إلى أشخاص بعينهم. في أحد المرات يلتقي بإمراة جاءت لتستقى الماء من البئر في وقت الظهيرة بالرغم من الجو الحار. كانت لا تريد أن يراها أحد. تجد يسوع عن البئر. أغلب علاقات الزواج والحب والرومانسية في العهد القديم كانت عند البئر، لنتذكر لقاء اسحق ورفقة (تك 24)، يعقوب وراحيل (تك 29)؛ موسى صِفُّورة ابنة يثرون (خر 2). هو مكان زاخر بالأسرار والمشاعر وعمق إنسانيتنا (سرك في بير). يجلس يسوع عند حافة البئر فلا يقتحم حياة المرأة وأسرارها الدفينة التي لم تبوح بها لأحد قط. يلنقي بالإنسانة المعذبة ورغباتها المدفونة التي تخفيها عن الجميع. يلتقي بإنسانيتها المعذبة.
إلها لا يغتصب بئر حياتنا، بل يجلس عند الحافة يتنظر منا أن تكشف له عن رغباتنا الدفينة الساكنة فينا، لا يفرض ذاته، بل ينتظر ليخدم ويدخل في حوار متدرج يسمح فيه للنفس البشرية أن تكشف عما تخبئه. بدأ يسوع بالحوار حتى يسمح لها بأن تكشف عن تلك الأسرار الدفينة التي تتحكم في حياتها وتفسر كل تصرفاتها. وعندما تكلمت قادها المسيح إلى العطش الحقيقي للنفس البشرية: «إِنِّي أَعلَمُ أَنَّ المَشيحَ آتٍ، وهو الَّذي يُقالُ لَه المسيح، وإِذا أَتى، أَخبَرَنا بِكُلِّ شَيء». قالَ لَها يسوع: «أَنا هو، أَنا الَّذي يُكَلِّمُكِ».
الرجاء المسيحي هو المسيح عينه، الذي يجلس عند مستودع أسرارنا الدفينة، لا يفرض نفسه، لكنه مستعد أن يسمع كل ألامنا، مشكلاتنا، يأسنا. وعندما نتحدث إليه عما يقلقنا، يرشدنا إلى الطريق، إلى ذاته فنمتلك الرجاء، لأنه هو معنا طوال الأيام حتى إنقضاء الدهر. لماذا نخاف ونقلق وهي يتقاسم معنا الحياة، كل يوم وكل لحظة فيها. نحن جميعًا بحاجة إلى أن نتعلم الاستماع، الاستماع إلى شخص يمكنه أن يخلصنا.
الخطوة الرابعة: شخص يضحي من أجلك
وصلنا إلى المرحلة الرابعة والأخيرة. ما هو الرجاء؟ الرجاء هو شخص يخسر من أجلك، ماذا يعني ذلك؟ سأحاول أن أشرح ذلك لكم بهذه الطريقة: شخص ما لديه الاستعداد لأن يضيع وقته من أجلك، يضيع صحته من أجلك، يخسر أشياء مادية من أجلك، باختصار، أنت تشعر بالرجاء عندما لديك هذا الشخص الذي يهتم بحياتك ويدفع الثمن راضيًا من وقته، من صحته، من ممتلكاته لأجلك.
إذا أردت أن أتي بمثل كتابي لن أجد أفضل من مثل السامري الصالح. تعرفون القصة بالطبع، الرجل القادم من أورشليم إلى أريحا. من المدينة المقدسة والمرتفعة إلى أريحا المنخفضة عن سطح البحر. في زمن يسوع كان الطريق خطرًا جدًا. الأشخاص الذين يصبحون أفضل هم الأشخاص الذين يصعدون من أريحا إلى أورشليم، ولكن هنا يوجد رجل يعيش انحداراً في حياته، في الواقع هذا الشخص ضائع، يهبط بإرادته من المدينة المقدسة، يتباعد عنها ويخوض تجربة قاسية، يلتقي بأشخاص يسرقونه ويضربونه ويتركونه ميتاً على جانب الطريق.
رأى الرجل كاهن، لكنه مضى في طريقه. الرجل كان طريحًا على جانب الطريق مشرفًا على الموت، ولا يصح للكاهن أن يبقى نجسًا بلمسه للدماء. نفس الأمر للاوي. أما السامرى فرأى الرجل وتوقف، اقترب منه، أخذ خمرًا وزيتًا وبدأ يعالج جراح الرجل، ثم حمله على حماره إلى فندق: “واعتَنى بِأَمرِه. وفي الغَدِ أَخرَجَ دينارَيْن، ودَفَعهما إِلى صاحِبِ الفُندُقِ وقال: «اِعتَنِ بِأَمرِه، ومَهْما أَنفَقتَ زيادةً على ذلك، أُؤَدِّيهِ أَنا إِليكَ عِندَ عَودَتي». هذا هو معنى الرجاء. الرجاء هو أن نلتقي في حياتنا بصديق صالح، أي شخص يحبك عندما لا تستطيع أن تعطيه شيئًا في المقابل لأنك لم يعد لديك شيء لتعطيه.
لم يتكلم الرجل المنطرح على الأرض، لم يصلي، ولا يرجو السامرى أن يفعل شيء. الحب المجاني هو الذي حرك السامري لمساعدته. قلت سابقًا إن الرجاء بالنسبة لنا هو شخص يسوع المسيح. ونحن المعمدون أيقونة حضوره في العالم.
- كلما نظر إلينك أحدهم ولاحظك، أهتم بك بحب، فهو امتداد ليسوع المسيح في حياتك. إذا تأملت في حياتك ستجد إن هناك ملائكة بشريين يرسلهم الله إليك لكي يهتموا بك، لكي يلاحظوك ويضعوا عيونهم عليك، “ليحدقوا إليك” كما فعل بطرس ويوحنا.
- كلما استمع إليك أحدهم بحب وشغف، مهما طال الوقت، وفي أمور ليس مهمة بالنسبة لها، لكنها مهمة بالنسبة لك. أعلم إنه ضمن الملائكة ويسوع ذاته يعمل في قلوبهم لكي يسمعوك.
- كلما أرشدك أحدهم بمحبة للطريق، ساعدك أحدهم، أعلم إنه مرسل لأجلك.
- كلما ألتقيت بشخص يحبك مجانًا، فإنك نلتقي بيسوع في حياتك، مختبئًا وراء هذا الشخص.
هذا هو الرجاء المسيحي، هل تفهمون؟ وهو أكثر بكثير من مجرد شعور، وهو أكثر بكثير من مجرد تفكير. في الواقع، نحن بحاجة إلى الرجاء، ولكن انتبهوا أيها الشباب، نحن مدعوون لأن نصبح رجاءً للآخرين. نحن امتداد المسيح في التاريخ. نحن الذين يجب أن نتعلم أن نرى غير المرئيين، وأن نستمع إلى من لا أحد يريد أن يستمع إليهم، وأن نقول كلمات عميقة لمن يحتاج إلى سماع شيء عميق، وأن نحب دون مقابل، مجانًا.
في الواقع، نحن جميعًا بحاجة إلى المسيح، وعلينا جميعًا أن نصبح المسيح، امتداد المسيح في حياة الآخرين. هل تدركون كم هو جميل الإنجيل؟ وماذا علّمنا الإنجيل؟ علّمنا خروجًا، طريقًا للتحرر. هل تعرفون ما هي المسألة الأساسية؟ هي من يعيش هذه التجربة ويعيش على صورة هذه التجربة، يكون عادةً سعيدًا. ماذا يعني سعيد؟ ألا يواجه مشاكل؟ لا، لديه مشاكل، مثل الجميع، ولكن لديه فرح ونور لا يمكن أن يمنحهما هذا العالم أبدًا.
هذا هو وعد الإنجيل: من يعيش هكذا، يجد نفسه مع حياة مضاعفة مائة مرة ويبدأ في تجربة ما هي الحياة الأبدية من الآن. هذه مسألة جادة لأنها مسألة إيمان. يمكنكم أن تنسوا كل ما قلته لكم هذا الصباح، لكن تذكروا أن ما حاولت أن أقوله لكم في تأملاتي هو أن الإيمان يعني العيش هكذا، لأن الإيمان ليس مجرد قول إن هناك، لا يجعلنا مسيحيين. المسيحيون هم أولئك الذين يعيشون الإنجيل بطريقة ملموسة في حياتهم المُعاشة. لذا، أتمنى لكم، وربما في هذا اليوم، أن تختبروا تذكر كل مرة أعطاكم فيها الرب الرجاء، كل مرة شعرتوا فيها أنكم مرئيون ومسموعون، أن أحدهم تحدث إليكم، أحبكم مجانًا، لأنكم من ذكرى تلك اللقاءات يمكنكم دائمًا أن تبدأوا حياتكم من جديد، ولكن أرجوكم يا أصدقائي، لا تكتفوا بأن تكونوا آخذين، أي فقط من يأخذون، بل يجب أن تعطوا أيضًا، يجب أن تتعلموا أن تكونوا رواد أعمال في الحب، رواد أعمال في الرجاء، أي أن تجعلوا الحب هو العمل الحقيقي في حياتكم.