لَو كانَت خَطاياكم كالقِرمِزِ
لا أعلم إذا كنتم تحبون اللون القرمزي أم لا. لكن هذا اللون كان نادرًا قبل الاختراعات الحديثة، قديمًا كان مصدره من دودة القرمز، ونوع من المحار يسمى الموريكس اللذان يفرزان مادة ذات صبغة إرجوانية. لكن المشكلة كانت إن جرام واحد من الصبغة كانت تحتاج إلى 10.000 حلزون. لذا كان غالي الثمن جدًا تتزين به ملابس الأباطرة والملوك، كان لون معطف ملكة إنجلترا حتى القرن السابع عشر لدلالة على الفخامة والمجد.
هنا يقول لنا الكتاب: “يَقولُ الرَّبّ لَو كانَت خَطاياكم كالقِرمِزِ تَبيَضُّ كالثلْج ولو كانَت حَمْراءَ كالأُرجُوان تَصيرُ كالصُّوف” (أش 1: 18). اللون له تركيز عالي جدًا ولا يمكن قديمًا إزالة اللون متى تم صبغه. لكن الرب يقول إنه سيمحوه تماما فلا يظهر لها أثرٌ بل يجعلها تبيضّ كالثلج أو الصوف الغير المصبوغ. في اعمال ٣:١٩ التي تقول: « فَتوبوا وارجِعوا لِكَي تُمْحى خَطاياكم». ان كلمة «تُمحى» هي ترجمة للفعل اليوناني ἐξαλείφω إِكْس-أَلِيفو التي تعنى المحو التام أو الإزالة الكلية لأثر الكتابة، تماماً كما كان يُمسح الحبر عن ورق البردي قديماً بحيث لا يتبقى له أي أثر.
لكن إذا توقفنا عند معنى المحو الخطايا والذنوب قد لا نصل إلى المعنى الكتابي المقصود. فأشعيا يقول هذا الكلام وهو يوبخ الشعب فيقول لهم: “ما فائِدَتي مِن كَثرَةِ ذَبائِحِكم يَقولُ الرَّبّ؟… رُؤُوسُ شُهورِكم وأَعياكم كَرِهَتها نَفْسي صارَت عَلَيَّ حِملاً وقد سَئِمتُ آحتِمالَها”. المشكلة هي الاعتقاد بأن التوبة هي تسوية حسابات، أو سداد ديون للرب تتعلق بما صنعناه من خطايا. لقد قمنا بواجبنا فنستحق أن تُمحى خطايانا.
لا تتعلق التوبة بالندامة على أفعال ارتكبناها في الماضي، لكنها بأمور خاصة بالمستقبل. عندما دعى المسيح للتوبة قال: “توبوا وآمنوا بالإنجيل”. ليست توبة هي إقرار بالخطايا فقط، ثم ينتهي كل شيء وأعود لنفس الخطايا بعد وقت قصير، لأن الإنسان ضعيف حتى إن البار يسقط سبع مرات.
التوبة هي مسيرة تحرير للإنسان للدخول إلى الملكوت، ملكوت الله لا يأتي بطريقة تجذب الأنظار؛ ولا يقال: ها هو هنا أو هناك. إنه ملكوت روحي، بعيد كل البعد عن كل ما هو ملموس، عن ما هو دنيوي إنه يشمل القيم الروحية العميقة، ويغير الإنسان من الداخل ويحوله إلى ابن الله وبالتالي إلى مواطن في ملكوته.
من بين الأمثال التي استخدمها يسوع لتوضيح الجوانب المختلفة للملكوت، يبرز مثال الزارع (متّى 13: 1-9). الملكوت هو المسيح نفسه، كلمة الله الأزلي، التي إلقيت للبشر بتجسده على الأرض. كلمة الله تحمل في ذاتها القدرة على الإنبات وخلق الملكوت في كل إنسان؛ لكنها لا تفعل ذلك بمفردها فهي تحتاج إلى تعاون الإنسان. بذرة الكلمة إذا لم تجد تربة جاهزة ومناسبة لاستقبالها فإنها تبقي في قلب الإنسان لكن لا تؤتي بثمارها.
عندما نسمع كلمة الله باهتمام دون تشتيت وبشغف، نسمح ليسوع المسيح أن يعمل داخلنا. ومن الضروري أن يكون القلب خاليًا أيضًا من الحجارة والأشواك. من القلق المفرط على الممتلكات الدنيوية، ومن العواطف المنحرفة التي تخنق كل نية حسنة، وتبعدنا عن الخير، وتجعلنا ضعفاء ومتقلبين. يجب أن نكون ”تربة جيدة“، كما كان قلب مريم الذي استقبل كلمة الله في داخله وأصبح أمًا له، ليس فقط لأنها أنجبته إلى الحياة الزمنية، بل أكثر من ذلك لأنها حفظت الكلمة في قلبها وترجمتها إلى حياة، وفقًا لتعليم ابنها: “أمي وإخوتي هم الذين يسمعون كلمة الله ويعملون بها” (لو 8: 21). هكذا تنبت البذرة، وكونها بذرة إلهية، فإن لها قدرة هائلة على النمو، حتى الحياة الأبدية؛ فهي ترسخ الإنسان في ملكوت الله، ليس فقط في الزمن، بل إلى الأبد. البذرة: “وأَمَّا الَّذي زُرِعَ في الأَرضِ الطَّيِّبة، فهُو الَّذي يَسمَعُ الكَلِمة ويَفهَمُها فيُثمِرُ ويُعطي بَعضُه مِائة، وبَعْضُه سِتِّين، وبَعضُه ثلاثين” (مت 13: 23).