الكاريزما الفرنسيسكانية- الأصغرية
جوهر هويتنا كفرنسيسكان هو أن نكون إخوة أصاغر وهذا يتطلب التزامًا جذريًا بالعيش بروح الأصغرية داخل الأديرة وخارجها. لا يكفي أن نطلق على أنفسنا ببساطة “الإخوة الأصاغر”، بل يجب أن نضع ذلك أيضًا في الممارسة العملية ما يتطابق مع اسمنا. علينا أن نحملَ تلك الأسباب التي جعلت البعض “أصاغر” بشكل لا إرادي في عالمنا المعاصر، بحيث نتضامن ونتوحد مع أولئك الموجودين على الهامش بشكل طوعي وندافع بإراد ثابتة عن أخوتنا وأخواتنا المحتاجين.
حياة الأصغرية
أدخل القديس فرنسيس الأسيزي مفهوم الأصغرية في ثقافة العصر الوسيط، واستخدمها فقط لوصف “الأخوة الأصاغر”. في الواقع، بالرغم من عدم ظهور المصطلح في الكتاب المقدس، فإن الأصغرية هي علامة الوجود الحي ليسوع الناصري، الذي جعله ذاته “صغيرًا” من خلال إفراغ نفسه من كل الامتيازات الإلهية، كما تقول الرسالة إلى أهل فيلبي: “.. بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد [= هو الشخص الذي يُعد “أقل” مقارنةً بالسيد، وليس لديه نفس الحقوق] وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فل 2، 7 – 8).
يجب قراءة الأصغرية وتفسيرها، إذن، في ضوء حدث تجسد يسوع المسيح، ومنطق الملكوت الجديد الذي دشنه ابن الله بتعاليمه وحياته، التي هزت بعنف أُسس التفكير الديني السائد: “تَعلَمونَ أَنَّ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتسلَّطونَ علَيها. فلا يَكُنْ هذا فيكُم، بل مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيراً فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِماً. ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم عَبداً: هكذا ابنُ الإِنسانِ لم يأتِ لِيُخدَم، بَل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفسِه جَماعَةَ النَّاس». “(متى 20: 25-28). “… فمَن وضَعَ نفسَه وصارَ مِثلَ هذا الطِّفل، فذاك هو الأَكبرُ في مَلَكوتِ السَّموات” (متى 18 ، 4). إذا جعل الإنسان نفسه صغيرًا وأصبح خادمًا فإن يُصبح مؤهلا ليكون تلميذًا لابن الإنسان الذي جاء ليَخدم ويفدى بنفسه جماعة الناس. فالعظيم ليس هو الشخص الذي يملك مهارات خاصة أو يؤدى مهامه بصورة مميزة أو يمتلك حكمة بشرية ومعرفة واسعة، بل هو الخادم الذي يضع نفسه في خدمة الآخرين.
اختار فرنسيس “الأصغرية” كركيزة للكاريزما الفرنسيسكانية، فيخدم كل فرد في الجماعة الآخرين، باتضاع تام، كما صنع ابن الله مع تلاميذه الأطهار فغسل أقدامهم. منطق “الصغر” يهدف إلى الوصول إلى حياة شركة بين الرهبان، فيقابل الأخ خدمة أخيه بعملٍ مماثل فيغسل هو أيضًا أقدام من بادر بخدمته أولاً. شركة حقيقية تهدف إلى بناء عالم مختلف، بروح مختلفة يقوم فيها الجميع بخدمة متبادلة بشكل مستمر وبفرح واتضاع، وتتبادل الأدوار دومًا بين أولئك الذين يخدمون والذين تتم خدمتهم.
الأصغرية هي قانون جديد للعلاقات الإنسانية وضع فرنسيس دعائمه وفيه يصبح كل شخص هو “أخ أصغر” للآخر. أسلوب أنجيلي في العلاقات الإنسانية يُولد من الوحي المسيحي، علينا الإيمان به وتطبيقه على أرض الواقع. عيش تلك الحقيقة الإيمانية في واقعنا ستواجه بمقاومة ورفض من كثيرين (حتى داخل الجماعات الرهبانية الفرنسيسكانية نفسها)، ولكنها مثل كافة الحقائق الإنجيلية تهدف إلى التأكيد على ارتباط، وعدم انفصال، محبة الله عن محبة القريب، فلا يمكن فصل تكريس الحياة لأجل الله وخدمة الآخرين باتضاع، وهذا ما يتضح من خلال حدثي السامري الصالح (راجع لو 10 ، 29 – 37) وصورة الدينونة الأخيرة (راجع متى 25 ، 31-46).
أولا: التصالح مع النفس
نعتقد إن الإنسان المتواضع أو الذي يعيش بروح أصغرية هو ذلك الشخص الذي يقلل من شأن نفسه. لكن الحقيقة هي إن المتواضع هو الشخص الذي لديه الصبر ليكون على طبيعته. ولكن انظروا، لكي يفعل هذا، يجب أن يحدث أمران أساسيان، لكي يكون لدي الصبر لأكون على طبيعتي، يجب أن أتصالح مع نفسي، لأنني إذا لم أتصالح مع نفسي، سأقضي حياتي في صراع مع نفسي لأنني لا أقبل نفسي، لأنني لا أقبل أنني هكذا، أن أكون على هذا النحو.
أنا لا أتحلى بالصبر مع نفسي لأنني لست كما تخيلت أو أنتظرت أن أكون. لقد صنعنا لأنفسنا صورة، وغالبًا ما تكون حقيقتنا بعيدة عن هذه الصور. نحن لسنا متواضعين لأننا في الواقع لم نتصالح مع أنفسنا. من التقى الله مثل فرنسيس هو متواضع لأنه تصالح مع نفسه، ومن أين تأتي هذه المصالحة؟ من حقيقة أن هناك من أحبك كما أنت، ولهذا السبب أقنعك أن من الجميل أن تكون كما أنت، وأنك لست مخطئًا، إنها تجربة الرحمة لمن يمد يده ويلمسنا في بؤسنا، إنها تجربة من لديه الشجاعة ليحتضننا عندما نشعر أننا مجذومون.
إذا كنت أعتقد أنني مجذوم، فأنا أعتقد أنني مريض، غير مستحق، لا أحد يجب أن يقترب مني، وأقضي حياتي مختبئًا، متظاهرًا، مرتديًا أقنعة. لا يمكن أن تكون متواضعًا وأنت ترتدي أقنعة. أحتاج إلى حب يكشفني، حب يلمسني لما أنا عليه. عندما يملأ حياتنا، فإن أول تأثير لهذا الحب هو أننا لا نحتاج إلى التظاهر بعد الآن، لا نحتاج إلى ارتداء أقنعة.
إذا أردنا أن نتبع نهج فرنسيس الراديكالي، بل وحتى الجذري، فإنه علينا أن نفهم لماذا خلع فرنسيس ملابسه أمام الناس؟ يصبح الإنسان على استعداد أن يكون عاريا، يخلع ملابسه، لأنه متصالح مع نفسه. لم يعد بحاجة إلى إقناع الآخرين بأي شيء منطق المظاهر ليس منطق المتكبرين إنه منطق اليائسين الذين يحاولون بكل قوتهم إقناع الآخرين بأننا في النهاية جديرون بالحب؟
لا يمكن أن تكون متواضعًا إلا إذا كان لديك الصبر لتكون على طبيعتك، وماذا كان فرنسيس؟ كان على طبيعته، وهذا هو الجزء الذي يجب أن نقتدي به من فرنسيس، الرجل الاستثنائي، ونكون على مثاله فنعيش على طبيعتنا ونقبل ذواتنا وقدراتنا. السلام مع الذات هو أساس التواضع.
ثانيًا: الاهتمام بالجوهر وليس المظهر
الشيء الثاني الذي يجعلنا متواضعين ونمتلك روح الأصغرية هو عندما نتخلص من تأثير أحكام الآخرين. نحن نعتمد بشكل مفرط على ما يعتقده الآخرون عنا. المتواضع هو من يستطيع تحمل أحكام الآخرين، فهو لم يعد يعتمد عليهم، يستطيع تقبلها، يستطيع الابتسام، ولكن انظروا، كلما كنا حساسين تجاه حياتنا وصورتنا، كلما كان ذلك دليلًا على أننا لسنا متواضعين، وكلما كان ذلك دليلًا على أننا لم نتصالح بعد مع أنفسنا، وأن محبة الله لم تهدئنا بعد.
ما الذي يقلق فرنسيس؟ بالحكم الوحيد، حكم الله، وهذا يكفي، وأنتم تعلمون أن الله لا ينظر إلى المظاهر، ولا ينظر إلى الماركة التي نرتديها، ولا ينظر إلى الكلمات التي نكررها، الله ينظر إلى جزء منا لا يراه أحد، وهو القلب، الله ينظر إلى ذلك، وهذا هوالشيء الوحيد الذي يحكم على حياتنا. أتذكرون عندما أرسل النبي صموئيل إلى بيت لحم لمسح ملك إسرائيل الجديد بدلا من شاول. ذهب النبي إلى بيت يسى ليبحث عن ملك إسرائيل الجديد، وعندما دخل البيت، التقى الابن الأكبر ليسى ورأى فتى طويل القامة وقوى ووسيم المظهر، لكن رفضه الرب: “لأَنَّ الرَّبَّ لا يَنظُرُ كما يَنظُرُ الإِنْسان، فإنَّ الإنْسانَ إِنَّما يَنظُرُ إِلى الظَّواهِر، وأَمَّا الرَّبُّ فإِنَّه يَنظُرُ إِلى القَلْب” (1صمو 16: 7). من بين جميع أبناء يسى أختار الرب داود، الذي لم يكن قديسًا، فقد تسبب في مشكلات كثيرة وارتكب أفعالا شنعية، لكنني أؤكد لكم أن هذا الرجل الذي أخطأ كثيراً في حياته كان دائماً صادقاً حتى عندما أخطأ، لكن قلب داود يعمل، هل تعرفون لماذا أقول لكم هذا؟ لأنه مهما حاولنا أن نجمّل صورة فرانسيس، يقول المؤرخون أنه لم يكن فيه شيء جميل. فرانسيس لم يكن جميل المظهر، لم يكن فيه شيء مميز. قلب فرانسيس هو الجزء الأكثر تميزًا فيه.
نحن قلقون بشأن مظهرنا ولا نهتم بقلوبنا، ولا نهتم بأرواحنا، ولا نهتم بما نحمله داخلنا، ولا نفهم، على سبيل المثال، أن هناك شيء يجب أن نفعله في الحياة، وهو أن نحرص على عدم ارتكاب الخطايا، لأن الخطيئة هي ما يظلم القلب، وما يمرض القلب، وما يمنع القلب من أن يتألق، وما يمنع القلب من أن يحب. هذا هو الخطيئة. نحن ندافع عن صورتنا المثالية ولا نكرس أنفسنا للقلب. المتواضعون هم أولئك الذين يعملون فقط في قلوبهم، ويطهرون قلوبهم، ويجملون أرواحهم.
تطهير القلب يعني الصراع المستمر مع الذات حتى لا أسقط في خطيئة الكبرياء. المشكلة إن الكبرياء، دون باقي الخطايا، يتغذى على كل من الشر والخير؛ فكثير من جوانب الخدمة والرسالة دافعها شخصي، وكل شخص يبحث عن مجده الخاص. على عكس ما يحدث لكل رذيلة أخرى، فإن الخير وليس الشر هو التربة المفضلة لتكاثر هذا “الفيروس” الرهيب.
من الممكن أن ما يغذى الكبرياء هو رغبتي في إنجاح المؤسسة، أو لدي سابق خبرة في هذا المجال، لدي معرفة بقوانين العمل أكثر من غيري. كل هذا يدفعني إلى الكبرياء. حتى لا يتكبر الشخص ويدخل في دوامة الكبرياء، عادةً ما يثبته الله على الأرض بنوع من المرساة، مثل بولس الرسول: ” ومَخافَةَ أَن أَتَكَبَّرَ بِسُمُوِّ المُكاشَفات، جُعِلَ لي شَوكَةٌ في جَسَدي: رَسولٌ لِلشَّيطانِ وُكِلَ إِلَيه بِأَن يَلطِمَني لِئَلاَّ أَتَكبر” (2 كور 12: 7). لا نعرف بالضبط ما هي “شوكة جسد” الرسول بولس تلك، لكننا نعرف ما هي شوكتنا نحن! كل من يريد أن يتبع الرب ويخدم الكنيسة لديه شيء ما يتذكره ليلاً نهارًا، يمكن أن يكون عيبًا، مرضًا، ضعفًا، عجزًا، يثبته الرب، رغم من كل تواسلاته، بتلك المرساة إلى الأرض حتى لا يتكبر.
أسال نفسي في أي مرحلة أنا في محاربة الكبرياء، وبعبارة أخرى، كيف تتفاعل، خارجيًا أو داخليًا، عندما تُنتقد، أو تُصحح، أو تُترك جانبًا؟
ثالثا: التدريب على الرحمة
انظروا لاحظوا أننا أعطينا تعريفين مهمين جدًا للتواضع: الصبر على أن تكون على طبيعتك، والتواضع هو أن تهتم بقلبك، وهذه هي السمة الثالثة للتواضع، لأننا حتى الآن تحدثنا عن التواضع من منظورنا نحن. كان يسوع متواضعًا، لكن تتجلى تواضع يسوع في شيء يسمى الرحمة.
كان يسوع رحيمًا، أي أن حياة الأشخاص الذين كان يلتقيهم كانت تؤلمه وتهمه، ولم يكن غير مبالٍ بالآخرين. والدليل على أن قلب يسوع كان قلبًا حيًا هو أنه لم يتصرف أبدًا بلامبالاة تجاه الأشخاص الذين التقى بهم، بل كان دائمًا يمنحهم الخير ويوجه لهم الكلمات الطيبة ويحررهم، حتى عندما كان يوبخهم لأجل المحبة. سر يسوع هو أن يسوع له قلب من لحم. هل تعرفون ما هو عكس قلب من لحم؟ قلب من حجر. لماذا لدينا قلب من حجر؟ لأننا أشرار؟ أحيانًا يكون لدينا قلب من حجر لأننا عانينا في الحياة وتصلبنا، لكننا نعود إلى التواضع عندما نستعيد قلبنا من لحم. هل تعرفون ما هو الشيء السيئ؟ أنك إذا كان لديك قلب من لحم يمكن أن تتأذى، أما إذا كان لديك قلب من حجر فلا.
المتواضعون هم أولئك الذين يسمحون لأنفسهم أن يتأذوا من قصص الأشخاص الذين يقابلونهم. ولاحظوا أنني استخدمت كلمة ”يتأذوا“، لأن الموقف الذي يجب أن نتخذه تجاه قريبنا ليس موقف الجراحين الذين يرتدون قفازات بيضاء، بل موقف الأشخاص الذين يريدون أن يطبقوا الإنجيل. هذا ما يقوله لنا الإنجيل، “إِفرَحوا مع الفَرِحين وابْكوا مع الباكين” (رو 12: 15). يجب أن يصبح ألم وفرح الأشخاص الذين نلتقيهم ألمنا وفرحنا، حتى نستطيع أن نقول عن فرنسيس إنه أخ عالمي، لأن كل من التقى هذا الرجل التقى أيضًا برحمة هذا الرجل.
إذن التواضع هو أن نتحلى بالصبر لنكون أنفسنا، التواضع هو أن نعتني بقلوبنا، لا بمظهرنا، التواضع هو استخدام الرحمة.
إن الخدمة في مؤسسة تربوية فرنسيسكانية تتطلب أن نعيش بروح الأصغرية في التعامل كمسئولين، وأن نعكس الكاريزما الخاص بنا. الأصغرية تعني تعلم الرحمة فهي التي ننشئ عليها في مدارسنا لنعزّز روح العدالة والخير العام وكرامة الإنسان والمجانية وبخاصة التضامن طبقاً لما قاله البابا فرنسيس: “دعونا نتعلم عيش التضامن، فمن دون التضامن، يكون إيماننا ميتاً”.
يسأل فرنسيس الله يوما في أن يرشده للخدمة المطلوبة منه، فنقرأ في السيرة الثانية: “بينما كان يقيم في صومعة سيينا، دعا في إحدى الليالي الرفاق المقيمين معه وشرح لهم قال: «لقد دعوت الربّ لكي يتنازل ويشير لي متى أكون خادما له ومتى لا أكون. لأنّي أريد أن أكون في كلّ شيء خادما له. وأجابني اللّه في عطفه وتنازله فقال:«إعرف أنّك تكون خادمي حقّا عندما تفكّر وتقول وتعمل بقداسة». لذلك دعوتكم إخوتي لأنّي أريد أن تخجلوني إذا ما نقصت في أحد هذه الأمور الثلاثة».
نحتاج إلى أن نصبح قادة متواضعين، يضعون أنفسهم في خدمة الآخرين لمساعدتهم على النمو في المعرفة والحكمة والحرية والمسؤولية، حتى يصبحوا ، في أعماق كيانهم ، أكثر إنسانية. عندما نحب الناس ، نحررهم. لكي نكون قادة جيدين ، يجب أن نكون مستعدين أيضًا للتخلي عن موقع السلطة لدينا والسماح للآخرين بالاستمرار في لعب الدور القيادي في الوقت المناسب. لممارسة “السلطة الصالحة” من الضروري أن تصبح رجال سلام.