كيف أعيش الإفخارستيا؟
أثناء الحرب العالمية الثانية، وفي أحد أقسى معسكرات النازيين (أوشفيتز)، أُعتقل الأب/ ماكسيميليان كولبي ضمن ألاف السجناء بتهمة استقباله للاجئين اليهود. هرب يومًا أحد السجناء فقررت إدارة المعتقل قتل مجموعة من السجناء لأرهاب الباقيين. أحد هؤلاء المختارين التعساء راح يصرخ بألم شديد لأنه رب عائلة ولديه أطفال لا يعلم كيف سيكون مستقبلهم من بعده. تقدم الأب/ ماكسيميليان مقترحًا أن يتم استبداله بذاك السجين. حُكم عليه بالموت البطئ في زانزانة التجويع. وفي يوم إعلان قداسته حضر الرجل الذي أنقذ حياته مراسيم أعلان البابا يوحنا بولس الثاني له قديسًا في الكنيسة الكاثوليكية الجامعة.
هل يمكن أن يحب الإنسان الآخر حتى يضحي بحياته؟
الحقيقة نعم، ولكن هذه المحبة هي ثمار عيش الإفخارستيا في حياة المسيحي. ماذا يحدث عند تناول الإنسان جسد ودم الرب؟ ما يحدث هو أن يسوع لم يعد شخصًا آخر، لم يعد هناك مسافة بيني وبين يسوع. أنا أصبح يسوع، أنا هو يسوع. لا تندهشوا مما سأقوله لكم، لكن الحضور الحقيقي الحقيقي ليسوع ليس فقط في بيت القربان، أنتم الحضور الحقيقي ليسوع. لأنه في كل مرة نتناول القربان المقدس، يصبح يسوع نحن، ولا توجد مسافة بيننا وبينه. المسيح يصبح حاضر فيكم، هنا نفهم ماذا يعني قول بولس الرسول: “لستُ أنا أحيا بل المسيح يحيّا فيَّ”.
تصبح قدرة المسيح هي قدرتنا، وقوة لاهوت المسيح تعمل من خلالنا. أصبحنا نمتلك قدرة محبة المسيح ذاتها التي يمكن أن تدفعنا إلى التضحية بالنفس لأجل الآخرين. أصبحنا نمتلك قدرة المغفرة حتى لإعدائنا كما فعل هو على الصليب لأجل قاتليه. أصبحنا نمتلك فكر المسيح، رحمة المسيح، طول آناته. أصبحنا أكثر إنسانية لنصبح الصورة عينها التي خلقنا عليها الله منذ البدء وقبل أن تشوه الخطيئة كياننا البشري.
هل من الممكن أن نقترب من شيء بهذه العظمة بطريقة سطحية؟ إذا جعلنا يسوع واحدًا معه، فمنذ ذلك الحين نحب بمحبة المسيح، ونتكلم بكلمات المسيح، ونفكر بأفكار المسيح، وإنسانيتنا هي امتداد لإنسانية المسيح.
الأمر ليس سحرًا، لكن التناول من جسده ودمه الأقدسين يعطينا تلك الإمكانية، ولكن استخدام هذه الإمكانية أو عدم استخدامها متروك لحريتنا. يمكن أن تسغل نسبة ضئيلة من تلك القدرة، ويمكن أن تستفيد منها إلى أقصى الحدود، الأمر متروك لحريتك الشخصية.
لقد غسل الرب قدمي يهوذا، وأكل من قطعة الخبز التي قدمها له المسيح، لكنه خانه. أي أن اقترابنا من الأسرار المقدسة ليس ضمانة بأن هذا يقدسنا تلقائيًا. مرة أخرى، إن قراراتنا وحريتنا هي التي تحدد ما إذا كانت نعمة الله تُستخدم بشكل جيد أو سيئ. ما يهم لكل واحد منا هو أن نبدأ من جديد في إعادة التفكير في علاقتنا هذه. كم مرة اقتربنا من القربان المقدس، كم من الفرص أتيحت لنا وما زالت تتاح لنا لكي نسمح لابن الله أن يوسع قدرتنا على الحب.
يضع الرب فيك قدرة لاهوته، لكنه يطلب منك أن تخرج هذه القدرة بإرادتك وحريتك. هي مثل القدرة على المشى مثلا التي تعطي لجميع البشر، لكنه يخرج الطفل هذه القدرة شيئًا فشيئًا، يحاول ثم يحاول حتى يمشي. لكن هذه القدرة موجودة بالفعل بداخله، لكنه يخرجها شيئًا فشيئًا. إذا كنت تحب هذا الطفل، فإنك تساعده على إخراج هذه القدرة الكامنة فيه، ولا تفعل ذلك بدلاً منه. إذن نذهب إلى يسوع ونطلب منه أن يفعل الأشياء بدلاً منا، فيقول: لن أفعل الأشياء بدلاً منك، لكنني أعطيك القدرة على القيام بها.
هل تعتقدون أنكم قادرون على إعطاء حياتكم من أجل الآخرين؟ إذا كنتم صادقين، يجب أن تقولوا لا. لكنني أقول لكم نعم، لأن كلما تقتربون من القربان المقدس، يكون في داخلكم نفس محبة المسيح، وأنتم قادرون على التضحية بحياتكم. لا تقولوا لا نستطيع! اخرجوا هذه القدرة ببطء، شيئًا فشيئًا، عليكم أن تحاولوا القيام بذلك. لكن للآسف نحن نؤمن بعدم قدرتنا أكثر من إيماننا بالله الذي قال لنا إنه جعلنا قادرين. وهذا هو التناقض. قال المسيح: ”لقد جعلتك قادراً على أن تحب إلى هذه الدرجة“. هل نؤمن بكلمته ووعده أم بحدودنا.
التناول مسئولية كبيرة لمن يفهم!
أترك لكم جزء من هذا المشهد الرائع للقديس ماكسيليمان كولبي