إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

جميعنا توما

0 1

الكتاب المقدس هو قصة الله مع الإنسان. قصتي أنا وأنت. لذلك كثيرًا ما نجد أنفسنا في شخصيات الكتاب التي تعبر مواقفهم عن موقف كل منّا في الحياة. كثيرًا ما أكون آبرام الذي يطلب منه الله أن يترك واقعه ليخوض مسيرة تقوده في النهاية إلى واقع جديد مدعو إليه، أرضٍ جديدة وسموات جديدة. أحيانًا أكون يعقوب الذي لا يعتد إلا بنفسه ويثق في ذكائه وخططه البشرية. أكون يوسف، وأجد نفسي في متى العشار، في المجدلية، في مئات الأشخاص الذين أتوحد معهم في خبراتهم الروحية والإنسانية. اليوم نحن جميعًا توما..

لنضع أنفسنا مكان الرجل.. هل نشعر بما دار في عقله وقلبه، بعد أن أكتشف إنه أضاع فرصة العمر، عندما أخبره الرسل: “لقد رأينا الرب.. لقد مر يسوع ورأينا، ولكنك لم تكن هناك”. لنتخيل مشاعر الإحباط وخيبة الأمل التي كان عليها الرجل. إحباط قد يقوده إلى التفكير، مثلنا جميعًا: “لماذا اختار ذلك اليوم، تلك الساعة، التي لم أتواجد فيها مع باقي أخوتي؟ أليس هو عالم بكل شيء؟ مشاعر إحباط قد تقوده إلى التفكير: “هل أنا أقل من التلاميذ الآخرين الذين ظهر لهم علانية؟ هل أنا أقل من المجدلية وباقي النسوة وتلميذي عماوس الذي ظهر لهم علانية وعرفاه بعد قيامته من القبر؟ أأنا تلميذ “درجة ثانية”؟ هل من المعقول إنه لا يتذكر إني كان لديّ الاستعداد للموت معه بعد إقامته لصديقنا إليعازر؟ كنت الوحيد الذي قلت لباقي أخوتي: “فَلْنَمْضِ نَحنُ أَيضاً لِنَموتَ معَه!” (يو 11: 16). كان لدي الاستعداد للموت معه، لكنه الآن يتجاهلني واختار توقيتًا يعلم إني غائب فيه ليظهر علانية لأخوتي.

أنا توما، وأنتم أيضًا… عندما أحضر القداس مثلا، أسمع كلام الله وأتقدم للتناول بعد كسر الخبز وتقديس الخمر وتحولهما إلى جسد ودمه الطاهرين، ولكن لا ألتقي حقًا بالمسيح، فلا أشعر إني المسيح حاضر في حياتي! في هذا الوقت يصنع الربّ معنا مثلما صنع مع تلميذي عماوس، يشرح لنا الكتب ويُشركنا في جسده ودمه اللذين يضمنان لنا حضوره الدائم في هذه الحياة والحياة الأبدية مستقبلا.

لقد نطق توما بأفضل إعلان بشري عن حقيقة المسيح وقوة لاهوته عندما قال::«رَبِّي وإِلهي!» مستخدمًا نفس الكلمة التي كان اليهود يخافون أن ينطقوها: YHWH “يهوه” والتي ترجمتها الترجمة السبعينية قبل ثلاث قرون من مجئ المسيح إلى “أو كيريوس”. هو الوحيد بين البشر الذي نطق تلك الكلمة، ذات الحروف الأربع، والتي أعلنها الله إلى موسى من العليقة المشتعلة: «أَنا هو مَن هو».

تلك الكلمة لا يُنطق بها لأن بها سر الحياة ذاته! إذا لاحظت إنها ترتبط بنَفَس الإنسان، فالحرفان الأولان يأخذ فيهما الإنسان الشهيق (جرب هذا أثناء قراءة هذه الكلمات): ي – ه. ويرتبط الحرفان الأخرين بالزفير. عندما نولد في هذه الحياة فأول شيئ نفعله هو أن نأخذ نَفَسًا، وآخر شيء نفعله عند حلول لحظة الموت هو أن نُخرج هذا النَفَس للمرة الأخيرة. ندين كبشر بنسمة الحياة التي أعطانا إياه الله منذ البداية: “وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاة” وهذا ما أكده بولس الرسول في عظته في أثينا: “لأَنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ”. به نحيا.. به نتحرك.. به نوجد. هو يهوه، أدوناي، ربي وإلهي.

القائم.. تعني الحاضر.. هو حاضر في حياة التلاميذ، والحاضر دومًا في حياتنا، لأنه الخالق الذي أعطانا نسمة الحياة: “كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.4فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ” (يو 1: 3). هذا ما أدركه توما فنطق بشهادته الرهيبة والتي بها أعلن إن الواقف أمامه، الذي لمسه هو كلمة الله الذي كان عند الله منذ البدء, لقد أدرك التلاميذ جميعهم، بعد شهادة توما، الحقيقة والتي نقلها يوحنا في بدء رسالته الأولى: “ذاك الَّذي كانَ مُنذُ البَدْء ذاك الَّذي سَمِعناه ذاك الَّذي رَأَيناهُ بِعَينَينا ذاكَ الَّذي تَأَمَّلناه ولَمَسَتْه يَدانا مِن كَلِمَةِ الحَياة, لأَنَّ الحَياةَ ظَهَرَت فرَأَينا ونَشهَد ونُبَشِّرُكمِ بِتلكَ الحَياةِ الأَبدِيَّةِ الَّتي كانَت لَدى الآب فتَجلَّت لَنا” (1 يو 1- 2).

قد يعجبك ايضا
اترك رد