نحتفل اليوم بدخول المسيح الاحتفالي إلى أورشليم. هتفت الجموع: «هُوشَعْنا لابنِ داود! تَباركَ الآتي بِاسمِ الرَّبّ! هُوشَعْنا في العُلى!». اعتراف علني بأنه المسيح الآتي لخلاص العالم، فاستخدموا كلمات المزمور 118: “آهِ يَا رَبُّ خَلِّصْ! آهِ يَا رَبُّ أَنْقِذْ! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ”. كان الشعب ينتظر المسيا “الآتي” إلى العالم. لنتذكر يوحنا وهو السجن يرسل تلاميذه إلى يسوع ليسألوه: “أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر”. استقبلوه بأن نزعوا رداءهم وألقوها على الأرض حتى لا يدوس الأرض، بل يمشي على أرديتهم.
للرداء معني عميق في العهد القديم، فقد كان أغلب الناس فقراء لا تملك إلا رداءً واحد يستخدمه مثل “اللحاف” الذي يقيهم من برد الليل، وكمظلة تحميهم من شمس الصيف. في سفر التثنية توصي الشريعة بإنه إذا رهن الفقير رداءه عندك فيجب أن ترده إليه قبل مغيب الشمس: “حتَّى يَنامَ في ردائِه وُيبارِكَكَ، فيُحسَبُ لَكَ بِرٌّ أَمامَ الرَّبِّ إِلهِكَ” (تث 24: 12). للمشهد معنى عميق للغاية، فالشعب يقول للمسيح: “أنت الآتى المنتظر”، “أنت المخلص”، أنت تعطي معنى لحياتنا، أنت الملك الحقيقي.
مَن هو الملك الحقيقي في حياتي، على قلبي؟ هل هو يسوع أم أموالي، وسلطتي ومقتنياتي، أم ذاتي؟ لا مساومة في اتّباع يسوع ولا حلول وسط، إمّا أن نختار يسوع أو نختار رغباتنا. إذا سألت نفسك هذا السؤال لا تتسرع في الإجابة.. لنرى ماذا حدث؟
بعد أيام قليلة، نفس الجموع صرخت: “أصلبه.. أصلبه”. كيف نفهم هذا الانقلاب في رأي الناس؟ هل كانوا مصابون بانفصام في الشخصية؟ للآسف هذا الأمر موجود في حياتنا نحن اليوم! فنقول للرب: نثق في رعايتك وحمايتك لنا، نؤمن بك وبكلمتك. لكننا أيضًا نفس الأشخاص القادرين على ارتكاب خطايا نخجل منها ونخون عهدنا الذي نكرره في كل إعتراف: “أعدك أن لا أعود إلى الخطيئة أبدا”.
هناك نوع من الصراع داخلنا بين «هوشعنا» و«أصلبه». نحن قادرون على أن نقول «هوشعنا» ثم بعد دقائق قليلة نقول «أصلبه». أوقات نقول فيها: “يارب، يارب” ولكن لا نعمل بما يقول. في : “لِماذا تَدعونَني: يا رَبّ، يا رَبّ ! ولا تَعمَلونَ بِمَا أَقول؟” (لو 6: 46). أوقات نشعر فيها أننا لسنا وحدنا وإن الله معنا، وهناك لحظات نشعر إننا متروكون وحدنا أمام صعوبات الحياة والرب ينسانا.
لقد شرح لنا يسوع في مثل القمح والرؤان إن الخير والشر داخلنا، وعندما أراد الخدم اقتلاعه فقال يسوع: “فَدَعوهما يَنبُتانِ معاً إِلى يَومِ الحَصاد”. أول شيء علينا قبوله وجود هذا الصراع. المسيح نفسه عاش هذا الصراع في بستان الزيتون، ثم على الصليب فيصرخ لابيه: «إِلهي، إِلهي، لِماذا تَرَكْتني؟»، لكنه بعدها يودع روحه بكل ثقة بين يديه: «يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي!». إذن أقول لكم هذا لأننا جميعًا نعتقد أن إيماننا ضعيف لأننا نعيش هذا الصراع، لكن هذا الصراع سيرافقنا طوال حياتنا وعلينا دائمًا أن نضع أنفسنا أمام كل هذا ونقول كم نمت نسبة «هوشعنا» وكم انخفضت نسبة “أصلبه”.
للآسف نفتش عن الحلول السهلة، نطلب من الرب أن يزيل الزؤان قبل الآوان. نريد المسيح الذي يقتلع الشر من قلوبنا، وليس يسوع الذي يحررنا وينمي فينا القدرة على الاختيار، أن أتعلم من تجاربي، بحيث نتعلم أن نختار بإرادتنا الشخصية الخير ونرفض الشر. وينميني لكي أجد أنا حلولا وقوة تجعلني أهزم الشر واختار الخير. نرفض أحياناً الحلول التي تنمي شخصيتي وأطلب حلاً سريعاً وسحرياً، أطلب برأبا الذي يقود ثورة ضد الرومان، ثورة كانت ستقود لخراب الهيكل، أطلب ثورة على واقعي، ثورة خارج المسيح قد تهدم هيكل الروح القدس، قد تهدم الإنسان الناضج الذي عليه أن يحمل المسيح إلى الأمم.
في ليلة العشاء السرى يقوم المسيح ويأتزر بثوب ليغسل أقدام تلاميذه. قبل التلاميذ تصرف يسوع الذي يدل على الإذلال الشديد، فالعبيد هم الذين يغسلون أقدام أسيادهم، ويسوع هو المعلم، لذا اعترض بطرس قائلا: «لن تَغسِلَ قَدَمَيَّ أَبَداً». لماذا حرص المسيح على غسل القدمين بالذات؟
نعلم حالة الأقدام في طرقات ترابية، فهي تكشف لنا الطريق الذي سلكناها في الحياة، تمثل تاريخنا، التجارب التي مررنا بها، إذا كانت جميلة أو سيئة، كل خطوة تركت آثر فينا. المشكلة إن نفكر في إن تجاربنا، ما عشناها قد يشكل عائق أمام محبة الله. لكن يسوع كان حازمًا، لن يكون لنا نصيبًا معه، إلا إذا قدمنا له ما نخجل منه، أن نسمح له أن يحبنا ونحن بهذه الحالة. الأمر الثاني لعيش هذا الأسبوع المقدس هو أن نقدم للرب ما نخجل منه، وهو سيغسل كل شيء، حتى نكون مهيئين للمشاركة في مائدته، في ملكوته.