اليوم هو عيد حلول الروح القدس على التلاميذ في يوم الخمسين. لم يدخل الروح القدس حياة التلاميذ بلطف، بل بضجيج شديد، بعنف مقدس، كنوع من الصدمة التي طردت الرسل خارج العلية. صوت دويّ وريح عاصفة ونار فوق رؤوس التلاميذ.
لقد تراءى الرب القائم للمجدلية، وللمريمات، وتلميذي عماوس، والعشر تلاميذ في غياب توما، والتلاميذ ومعهم توما، ولبطرس وحده، وليعقوب وإلى 500 أخ آخرين. عاين التلاميذ مجد الرب القائم من بين الأموات، لمسوه وأكلوا معه وتحدثوا معه طويلا.. لكن ظلوا محبوسين في العلية خوفًا من اليهود والناس. لم تكفي رؤية القائم من بين الأموات للدخول في سر الفصح. كانوا في حاجة إلى دفعة للخروج من العلية، زلزلة تدفعهم للخارج، فلا يبقوا أسرى الذكريات والماضي الجميل، لأن هناك رسالة تنتظرهم في الحياة.
تلك الزلزلة قد تحدث في حياتنا، لا نفهمها في وقتها، لكن الروح يهز كياننا لكي ننتفض ونعيش وفقًا لثماره الكامنة فينًا من يوم عمادنا واتخاذه اجسادنا مسكنًا له. يعجبني كثيرًا تشبيه الوحي الإلهي، في التثنية 32، عندما يصف عمل الله في حياتنا ودفعه لنا لكي نتعلم استخدام الطاقات الكامنة فينا. يقول الوحي: “لقِيَهُم في أرضٍ برِّيَّةٍ، وفي مَتاهةٍ مهجورةٍ بعيدةٍ، فأَحَاطَ بِهِم وَلاحَظَهُم وَصَانَهُم كَحَدَقَةِ عَيْنِهِ. وكالنَّسرِ الذي يَغارُ على عِشِّهِ، وعلى فِراخه يَرِفُّ، فيَفرُشُ جناحَيهِ لِيأخذَهُم ويحمِلَهُم على ريشِهِ، اَقْتادَهُمُ الرّبُّ بِمُفرَدِهِ، مِنْ دونِ إلهٍ غريبٍ” (تث 32: 10- 12).
يصنع النسر عشًا لفراخه الصغيرة أعلى الأشجار أو في المرتفعات. وفي وقت معين يضرب العش بمخالبه ليسقط من ذاك الارتفاع ليَجبر صغاره على فرد أجنحتهم الصغيرة في الهواء فيتمكنوا من الطيران لأول مرة. لديهم تلك القدرة كامنة فيهم وإذا بقوا في العش ستنتهي حياتهم، على الصغار أن يتعلموا أنهم نسور خلقت لتحلق في أعالي السماوات. يظل يراقبهم من فوق، وإذا رأي صغيرًا سيسقط على الأرض بسبب تيارات الهواء أو الخوف يُسرع طائرًا ليّنزل أسفله ويضع جناحه كوسادة يسقط عليها الصغير. هكذا صنع الله مع شعبه اقتادهم حتى تحرورا من عبادة الآلهة الغربية، أقتادهم في متاهة خصيصًا ليعدهم ليدخلوا أرض الميعاد مُحررين من أفكارهم البالية.
كان التلاميذ بحاجة إلى تلك الدفعة، إلى تلك الزلزلة لتخرجهم من العلية، للتغلب على خوفهم. لم يتم اختيارهم ليبقوا أسرى الجدران، بل لاعلان البشارة إلى العالم كله. لنقل رسالة المسيح الخلاصية لكل إنسان.
في واقعنا المسيحي اليوم نكتفي بأن الله اختارنا فيه قبل إنشاء العالم، إننا رأينا مجده قائما من الموت.. لكن.. كل شيء ينتهي هنا. يئن الروح فينا بآنات لا توصف ليدفعنا خارج تلك القوقعة التي نسجن فيها أنفسنا. لن يسألنا الله كم مرة نجحت في أن تهزم تجربة الشرير؟ كم مرة صليتَ أو صمتَ؟ السؤال الأساسي هو كم أحببتَ! هل رأى الناس في أعمالك أو حياتك شيء جعلهم يمجدون الآب السماوي؟ قال المسيح: “جئتُ لألقي نارًا على الأرض..” فهل حافظت على شعلة المحبة متقدة؟ هل أحببت أعدائك وأقربائك؟
الروح يئن داخلنا يريد أن يدفعنا خارجًا عن أنفسنا تجاه الآخرين. يريد أن نستغل وجوده داخلنا وننعم بثماره: المحبة.. الفرح.. السلام…