- إيمان مريم
نبدأ اليوم الشهر المريمي وسنخصص تأملات الشهر لكل ما كتبه الإنجليون الأربعة عن مريم. البداية هي مع أول آيات القديس لوقا الذي يبدأ إنجيله بهذه الكلمات لرجل اسمه تاوفيُلس ويقول له: “لِتَتَيَقَّنَ صِحَّةَ ما تَلَقَّيتَ مِن تَعليم”. يحكي له عن مريم التي تنال أول البركات في العهد الجديد على لسان أليصابات: “فَطوبى لِمَن آمَنَت: فسَيَتِمُّ ما بَلَغها مِن عِندِ الرَّبّ”.
لم يعرف تاوفيُلس الرب يسوع شخصيًا ولكي يؤمن بكل التعاليم التي سمعها ويتيقن من صحتها حكي له لوقا قصة مريم التي استقبلت الكلمة، أو التعاليم، وقد أثمرت فيها فيقدمها كنموذج للإيمان على كل مسيحي أن يقتدي بها. هي على عكس زكريا، الذي يستقبل ذات الكلمة، ونفس الملاك، لكنه لم “يؤمن” كما قال له جبرائيل. على عكس مريم التي قبلت بإيمان كما قالت إليصابات.
يسأل زكريا: «بِمَ أَعرِفُ هذا وأَنا شَيخٌ كَبير، وَامرَأَتي طاعِنَةٌ في السِّنّ؟»، أما مريم فتسأل: «كَيفَ يَكونُ هذا وَلا أَعرِفُ رَجُلاً ؟» الإجابتين مختلفتين تمامًا: زكريا يسأل ليفهم.. أما مريم فتسأل كيف يحدث هذا. الإيمان لا يفسر بالعقل.. لا يدخل إلى العقل، لكن يدخل إلى الروح ويتطلب انفتاح للقلب.
نقرأ في سفر التكوين عن شجرتين: الأولى كان سهل على آدم وحواء أن يقتربا منها: شجرة الحياة. لكن منعهم من الأكل من شجرة ثانية: شجرة المعرفة. خُلق الإنسان ليعيش، لكنه لا يستطيع أن يفهم كل شيء، كلمة الخير والشر لا تعني أن نعرف الخير والشر، لكن الخير والشر هما نقيضان متباعدان تمامًا، والأكل منها يعني الرغبة في معرفة كل شيء، فهم كل شيء وبالطبع الإنسان لا يفهم كل شيء، هناك أمور عليه أن يقبلها بالإيمان. اختار آدم وحواء أن يفهموا، اختاروا شجرة الفهم الكامل للواقع، وبالتالي فقدا شجرة الحياة.
الإيمان هو أن نسمح لله أن يقودنا هو في الحياة، نسلمه كافة الأمور، لا نسعى أن نفهم كل شيء، لأن أفكار الله مختلفة ولا يستوعبها العقل. لنترك الأمر للروح ونفتح قلونا، ونقول مع مريم: “كيف تتحقق يارب إرادتك في حياتي، لدي الاستعداد لتقبل كل شيء”. مريم منفتحة تمامًا على الله، وتصل إلى قبول الإرادة الإلهية، حتى لو كانت غامضة، حتى لو كانت في كثير من الأحيان لا تتوافق مع إرادتها الخاصة، وهي سيف يخترق الروح، كما سيقول سمعان الشيخ لمريم بشكل نبوي في اللحظة التي يُقدَّم فيها يسوع إلى الهيكل.
لا يختلف الأمر بالنسبة لمسيرة الإيمان لكل واحد منا، فنحن نواجه لحظات من النور، لكن نواجه أيضًا مراحل يبدو فيها الله غائبًا، وصمته يثقل على قلوبنا ومشيئته لا تتوافق مع مشيئتنا، مع ما نرغب فيه، لكن كلما نفتح أنفسنا لله، ونقبل عطية الإيمان، ونضع ثقتنا الكاملة فيه، كلما زاد قدرتنا بحضوره على عيش كل موقف من مواقف الحياة في سلام وفي يقين من أمانته ومحبته.