في كاتدرائية القديس أنطونيوس البدواني في بادوفا، خلف الهيكل هناك متحف به مقتنيات القديس، في الوسط هناك مزار فخم للغاية، به أيقونة كبيرة تحمل لسان القديس أنطونيوس الذي لم يعتريه الفساد منذ 800 سنة. وهناك لوحة بجوار الأيقونة أن أوتار الأحبال الصوتية باقية أيضًا بالرغم من أنها أضعف شيء في الإنسان وأسرعها إلى الفساد. لا نتكلم هنا عن سحر أو أسطورة بل اللسان باقي دون فساد ليكون لنا علامة حية.
ماذا يريد الرب أن يخبرنا بهذه العلامة؟ الإجابة في كلمات القديس بونافنتورا، رئيس الفرنسيسكان في ذلك الوقت، الذي أشرف على نقل رفات القديس إلى الكنيسة الجديدة فكتب في سيرته: “أيها اللسان المبارك الذي بارك الرب دائما وجعل الآخرين يباركون الرب، الآن عرفنا المجد الذي خصك به الله القدير”.
نحن مدعوون أخوتي أن نقتدى بالقديس أنطونيوس أن نبارك الرب وأن نجعل الآخرين يباركون الرب عندما يرون أعمالنا. كان القديس أنطونيوس واعظ عظيم جعل الناس تبارك الرب في حياته وبعد وفاته. أستخدم أنطونيوس قدراته لطاعة وصية المسيح قبل صعوده إلى السماء حين أرسل تلاميذه قائلا: «اذْهَبُوا إِلَى الْعَالَمِ أَجْمَعَ وَاكْرِزُوا بِالإِنْجِيلِ لِلْخَلِيقَةِ كُلِّهَا”.
من الممكن أن أعظ بالإنجيل ولكن إذا كان المستمع لا يفهم اللغة التي أتحدث بها فإن رسالة الإنجيل لن تصل أبدًا. إذا تكلمت الآن باللغة الصينية مثلا، ووعظت عن الحق والشريعة والوصايا، من الممكن أن أقول أشياء رائعة لكن لا أحد منكم سيفهم الرسالة التي أقولها لأنه يجهل اللغة، ولا أكون كارزا بالإنجيل لكم لأنكم لن تفهموني. هذا التحدي خاصة في وقتنا الحالي حاليا حتى داخل اللغة الواحدة لكن التعابير المستخدمة مختلفة تماما، فمثلا الشباب بدأ منذ سنوات يستخدم طريقة كتابة العربية بحروف أجنبية وأرقام، فمثلا حرف الحاء يكتب 7 والعين 3 وهكذا وهي لغة صعبة على كبار السن فلا يفهمونها.
كيف أكرز بالانجيل إلى ناس لغاتها مختلفة عن لغتي؟ يقول الإنجيل وصية ملزمة للتلاميذ بعد القيامة بأن يذهبوا إلى العالم أجمع ويكرزوا بالإنجيل للخليقة كها. فما هي اللغة التي استخدمها في البيت؟ أتحدث بها مع زملائي في العمل؟ كيف أتحدث في الشارع وأوقات الفراغ؟ ما هي اللغة التي يمكن أن يفهمها الناس فتصل إليهم رسالة الإنجيل.
تأتي رسالة القديس بولس إلى أفسس لتشرح لنا ما هي اللغة التي أجادها القديس أنطونيوس البدواني والتي فهمها الناس في وقته. ليس الناس فقط بل حتى الكائنات الغير ناطقة. كيف أمتلك لغة يفهمها الجميع. هل تعلمون كم عدد السنوات التي وعظ خلالها القديس أنطونيوس، والذي يعد أعظم واعظ في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية. لقد وعظ ثلاث سنوات فقط في بادوفا، تلك المدينة التي خرجت تصرخ “قديس الآن” بعد وفاته وبالفعل خلال سنة واحدة أعلنه والذي أعلنه البابا غريغوريوس التاسع قديسًا ومعلمًا للكنيسة. مجمل سنوات خدمته 9 سنوات وقد سجل لنا التاريخ عجائب عديدة وترك لنا مؤلفات روحية ننهل منها حتى اليوم.
هل أمتلك أنطونيوس قدرات خاصة، هل أمتلك فصاحة اللسان، هل لديه ذاكرة قوية مكنته من حفظ الكتاب المقدس بالكمل واستخدامه بطريقة رائعة في عظات وكرازته؟
تكشف لنا رسالة بولس إلى أفسس عن اللغة التي استخدمها أنطونيوس ليصبح “رسول الكلمة: “وَهُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ أَنْ يَكُونُوا رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ”. أمتلك القديس أنطونيوس “موهبة التبشير برسالة الإنجيل”. لكن مَن الذي أعطي البعض ليكونوا مبشرين ومعلمين.. يقول بولس هو.. المسيح، الذي في الآية السابقة مباشرة يقول: “هُوَ الَّذِي صَعِدَ أَيْضاً فَوْقَ جَمِيعِ السَّمَاوَاتِ، لِكَيْ يَمْلأَ الْكُلَّ”. يسوع هو الذي يوزع المواهب، وبالتالي إذا كان القديس أنطونيوس لديه هذه البلاغة الفعالة جدًا والتأثير الكبير بين الناس والمخلوقات، فيجب علينا الاعتراف إن الذي يعطي الموهبة هو الله، مانج ومصدر كل عطية.
لماذا أعطى الله القديس أنطونيوس هذه الموهبة، ولم يمنحها لكل الوعاظ الآخرين؟ لماذا يعطي الله “البعض” فقط: البعضَ رُسُلاً، وَالْبَعْضَ أَنْبِيَاءَ، وَالْبَعْضَ مُبَشِّرِينَ، وَالْبَعْضَ رُعَاةً وَمُعَلِّمِينَ وليس الكل؟ هل لديك موهبة؟ إذا كانت لديك موهبة فلا ينبغي أن تفتخر، وإذا لم تمييزها حتى اليوم لا تستسلم للإكتئاب. لا ينبغى تعظيم شخص يمتلك موهبة لأنها عطية من الله وحده. “هُوَ أَعْطَى الْبَعْضَ” لأن الموهبة تُعطي لخدمة الآخرين.
أعطى الله أنطونيوس البدواني موهبة أن يكرز بملكوت السموات الجميع، البشر والكائنات، موهبة خاصة جدًا استطاع بها أن يؤثر في الناس بشدة، فتحول الغير مؤمنين والهراطقة في وقته إلى الإيمان المسيحي. تعطي الموهبة “لِعَمَلِ الْخِدْمَةِ، لِبُنْيَانِ جَسَدِ الْمَسِيحِ” الذي هو الكنيسة. لنسأل أنفسنا: أين أنا في هذا البنيان؟ ماذا أقدم؟ والكنيسة كالمبني الكبير، هناك أحجار وحديد وأخشاب وخلافه لازمة للبناء.. لكن بإمكان وردة بسيطة جعل الأمر رائعًا، إضافة بسيطة للغاية تُكمل البناء. لذا لا تفكر في أن تكون الموهبة شيئًا كبيرًا وعظيمًا.. يكفي عمل محبة بسيطة يمكن أن يجعل البناء كله رائعًا. تذكروا كأس الماء البارد، وفلسي الأرملة. الله أعطاك الكثير وأنت مدعو أن تشارك الآخر في شيء ما: في شغفك بالحياة، في حبك، في وقتك، في علمك. كل واحد منّا لديه شيء ما يمكن أن يعطي معنى وجمالاً ورؤية مختلفة ونظرة جديدة لبنيان الكنيسة