يحمل يوم 2 أغسطس من كل عام مفاجاة سارة لكل من يتوب عن خطاياه ويعترف بها ويعبر عتبة كنيسة فرنسيسكانية في العالم بنوال غفرانًا شاملا عن خطاياه. ما معني الغفران الشامل؟
يقصد بالغفران الشامل غفران العقاب الزمني الذي تسبب الخطيئة في حياة الإنسان. كما تعلم الكنيسة هناك فرق بين العقاب الأبدي والعقاب الزمني. يمحو سر الاعتراف والمصالحة كل العقوبات الأبدية التي تسبب فيها الخطية، لكن هناك عقوبات زمنية يتحملها الإنسان، وهي الخاصة بنتائج الخطيئة، فالشر الذي نصنعه يغفره الله تماما، لكن يبقي آثره في الحياة علينا تحمل تبعاته. فمثلا: عندما أهين شخص ما، وأندم على هذا الخطأ وأعترف عنه أمام الكنيسة فالرب يغفر تماما خطأي، لكن هناك أثار للكلمة في نفس الآخر تسببت له في مرارة أو جرح لكبريائه، لذا يطلب منك الكاهن في نهاية الأعتراف وقبل النطق بالحل من الخطايا أن تقوم بعمل ما، بصلاة لأجله، ببادرة محبة ومصالحة واعتذار له،، بعمل رحمة ومحبة لتنزع من قلبك كل آثار الشر. هذا ما تسميه الكنيسة “التعويض” عن الخطايا.
في وقت القديس فرنسيس كانت الكنيسة مغالية في “التعويضات” التي تعطي للناس، مثل الحج إلى روما، إلى سنتياجو أو إلى الأراضي المقدسة. وهي رحلات طويلة وشاقة وخطيرة وتتطلب أموال كثيرة. كان فرنسيس مهوسًا بخلاص الناس إلى درجة لا يمكن لنا أن نتخيلها، فمثلا كان يطلب من رهبانه التسول من الآخرين، بالرغم من غالبية رهبانه في ذلك الوقت كانت تعمل في الحقول، وبالتالي كان لديها آجر بسيط، حتى لو وجبة نظير أعمالهم. لكن فرنسيس وضع هذا الشرط لكل رهبانه وهو: تسول الصدقات من الناس، حتى إن الفرنسيكان معروفين في التاريخ “بالأخوة المتسولين”.
السبب الأساسي لهذا الشرط الغريب هو رغبة فرنسيس القوية جدًا في يرسل الناس إلى الملكوت. لأن كل ما يملكه الإنسان في هذه الدنيا لا يبقى منه شيء، يتبقى فقط الخير الذي يقدمه للآخرين: “كنت جائعًا.. كنت عطشانا” على هذا المبدأ ستكون الدينونة. تبقى الصدقات والإحسان الذي يصنعها الإنسان للحياة الأبدية. أراد فرنسيس اتاحة الفرصة للناس حتى تصنع الخير. لذا ينصح القديس فرنسيس الرهبان قائلاً: “اذهبوا واقرعوا أبواب الناس واطلبوا منهم التبرع، لكي يصنعون معكم رحمة وينالوا الحياة الآبدية. تراجعوا خطوةً إلى الوراء ليتمكن الآخرون من التقدم”.
بنفس طريقة التفكير وبتلك الرغبة يتقدم فرنسيس للبابا بطلب في أن تحل كنيسة البروسونكولا بدلا من رحلات الحج الطويلة والمكلفة وتكون فرصة “لتعويض” الناس عن خطاياها الزمنية. فرصة في متناول الجميع، خاصة الفقراء والمعوذين الغير قادرين على رحالات الحج المكلفة أو التبرعات المادية. توسع البابوات في هذا الإنعام خلال القرون اللاحقة ليشمل كافة الكنائس الفرنسيسكانية في العالم، التي يدخلها التائبون والمعترفون في يوم 2 أغسطس.
كيف نفهم الففران؟
نقع في خطأ كبير عند تصور إن الغفران هو محو للخطايا التي ارتكبناها في الماضي فقط. عند الكلام عن الغفران نستهشد ببعض الآيات التي تدل على محو وغسل الخطايا التي نرتكبها مثل قول أشعيا: “يَقولُ الرَّبّ لَو كانَت خَطاياكم كالقِرمِزِ تَبيَضُّ كالثلْج ولو كانَت حَمْراءَ كالأُرجُوان تَصيرُ كالصُّوف” (أش 1: 18). اللون القرمزي[1] تركيزه عالي جدًا وقديما كان هناك صعوبة شديدة في إزالته متى تم صبغ القماش به. لكن الرب يقول إنه سيمحوه تماما فلا يظهر لها أثرٌ بل يجعلها تبيضّ كالثلج أو الصوف الغير المصبوغ. في اعمال ٣:١٩ التي تقول: « فَتوبوا وارجِعوا لِكَي تُمْحى خَطاياكم». ان كلمة «تُمحى» هي ترجمة للفعل اليوناني ἐξαλείφω إِكْس-أَلِيفو التي تعنى المحو التام أو الإزالة الكلية لأثر الكتابة، تماماً كما كان يُمسح الحبر عن ورق البردي قديماً بحيث لا يتبقى له أي أثر. الغفران هو محو تام للخطايا!
هنا تكمن مشكلة الفهم الخاطئ للغفران! نعم يمحو الله الخطايا التي يرتكبها البشر، مهما كان نوع الخطيئة: القتل والإبادة والظلم. يغفر للجميع، لأنه رحيم كما أعلن عن نفسه على جبل سيناء لموسي: «الرَّبُّ الرَّبّ! إِلهٌ رَحيمٌ ورَؤُوف، طَويلُ الأَناةِ كَثيرُ الَرَّحمَة والوَفاء، يَحفَظُ الَرَّحمةَ لأُلوَف، وَيحتَمِلُ الإثمَ والمَعصِيَةَ والخَطيئَة» (خر 34: 6- 7أ).
أظهر يسوع، في روايته لمثل الابن الضال، أن الله ينتظر متلهفًا وصول الخاطئ، وعندما يراه مقبلا من بعيد، يركض للقائه، ويعانقه ويقبله، وعندما يبدأ بالاعتذار، لا يصغى تقريبًا إليه، ولا يمنحه الفرصة حتى يُكمل “اعترافه”، بل يعانقه بحنان، ويُلبسه أجمل ما لديه، ويضع خاتمًا في إصبعه، ويفرح بعودته مع أصدقائه. لقد محى خطيئته تمامًا، لكن إذا توقفنا عند هذه النقطة يكون فهمنا للغفران قاصرًا وغير كافٍ.
الغفران ليس فقط محو الخطايا
إذا توقفنا عند إن الغفران يتعلق بمحو الخطايا والذنوب لا نصل إلى المعنى الكتابي المقصود. إذا تأملنا غفران المسيح للمرأة التي أرادت الجموع رجمها، نلاحظ أن المرأة لم تندم عما ارتكبته، لكن يسوع قال لها: «وأَنا لا أَحكُمُ علَيكِ. إِذهَبي ولا تَعودي بَعدَ الآنَ إِلى الخَطيئة». يقول للمرأة: “لا تفعلي ذلك مرة أخرى، إن ما قادك إلى عتبة الموت يمكن أن يتكرر في حياتك، عليكي أن تتخذى قرارًا، عليكي أن تتوقف عن فعل ما يقودك إلى الموت”.
نحن معتادون على التفكير بأن نتوب فيغفر الله لنا خطايانا. لكن منطق الإنجيل هو العكس تمامًا، لأن يسوع يغفر للمرأة لها أولا. التوبة لا تتعلق بالندامة على أفعال ارتكبناها في الماضي، لكن بأمور تخص المستقبل. التوبة ليست إقرار بالخطايا فقط، ثم ينتهي كل شيء وأعود لنفس الخطايا بعد وقت قصير، فالإنسان ضعيف حتى إن البار يسقط سبع مرات.
لا يقول لنا الإنجيل أننا لكي نكون محبوبين من الله يجب أن نتوب. بل يقول لنا أنه بسبب حب الله لنا دائمًا، يمكننا أن نتوب. لأنه لولا هذا الحب، الذي هو أكبر من سقوطنا، أكبر حتى من أخطائنا، من خياراتنا الخاطئة، لما وجدنا القوة لعدم تكرارها. يمكن لنا أن نتوب لأننا أختبرنا حب الله لنا، الغير مشروط بقرارنا، بل يضع حبه قبل قراراتنا.
عندما نقول إن الله يغفر دائمًا، فتلك ليس دعوة للاستمرار في ارتكاب الخطايا اعتمادًا على رحمة الله اللامتناهية لنا. في نهاية الإصحاح الثامن نجد أن الحجارة التي كانت موجهة إلى المرأة، توجه إلى يسوع نفسه. من أجل حبنا، يسوع مستعد أن يأخذ الحجارة على عاتقه. في زمن يسوع، أنه عندما يقررون رجم شخص ما ويقف شخص آخر للدفاع عنه أو عنها، فإن هذا الشخص الذي يدافع عنه أو عنها يُرجم هو أيضاً مع الأول. محبة الله هي محبة لا تخشى أن تأخذ الحجارة، أن تقف مكاننا، أن تدفع ثمننا.
الغفران إذن ليس فقط محو الخطايا ارتكبناها في الماضي، لكنها متعلقة بأمور تخص المستقبل، تخص مسيرتنا في الحياة. إذا توقفنا عند محو الخطايا فقط نكون مازلنا متمسكين بمعمودية يوحنا ولم ننتقل إلى معمودية يسوع. كان يوحنا يجول يدعو الناس إلى التوبة على ما اقترفوه من ذنوب. توبة موجهة للماضي، للأخطاء التي صنعناها. لكن كان نداء يسوع كان مختلفًا، كان يدعو الناس قائلا: «قَدْ كَمَلَ الزَّمَانُ وَاقْتَرَبَ مَلَكُوتُ اللهِ، فَتُوبُوا وَآمِنُوا بِالإِنْجِيلِ» (مر 1: 15).
التوبة التي يعلنها يسوع ليست توبة تتعلق بتاريخنا الماضي، بل هي” ميتانويا (μετάνοια) تعني حرفياً “تغيير العقل” أو “تغيير الفكر”، ليس مجرد الشعور بالذنب أو الندم اللحظي، بل هي تحول جذري ودائم في نظرة الشخص للحياة والله والخطيئة. إنها تغيير مستمر في العقلي (Mindset) بدافع من الروح القدس يؤدي إلى تغيير في السلوك. أي التحول من الكراهية إلى الحب ومن الإنتقام للغفران يحتاح إلى مسيرة، لكن المهم هو أن نبدأ.
هناك نوع من التدرج: الأول هو فهم أننا يجب أن نقبل معمودية يوحنا المعمدان، وهي معمودية التوبة: “أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ واجعَلوا سُبُلَه قَويمَة. كُلُّ وادٍ يُردَم وكُلُّ جَبَلٍ وتَلٍّ يُخفَض والطُّرُقُ الـمُنعَرِجَةُ تُقَوَّم والوَعْرَةُ تُسَهَّل” (لو 3: 5- 6). بعد أن تطهرنا من الذنوب وتم محو خطايانا تمامًا وأصبح قلبنا ناصع البيضاء وفارغًا ماذا سنفعل به؟ بعد أن ردمنا كل وادٍ، وخفضنا كل جبل، وقومنا الطرق المتعرجة، وسهلنا الطرق الوعرة، ماذا سنفعل بهذا الفراغ؟ من الجيد أن نتحرر من الشيطان، بالطبع، لكننا لا نتحرر من الشيطان لكي يبقى الفراغ داخلنا. نحن نتحرر من الشيطان حتى يدخل الإنجيل إلى هذا الفراغ. حتى نولد من جديد من فوق.
بقاء الداخل فارغًا أمرٌ خطير. قال لنا يسوع مثلاً عن الروح النجس إذا خرج من الإنسان، هام في القفار يطلب الراحة فلا يجدها فيقول: “24أَرجعُ إِلى بَيتيَ الَّذي مِنهُ خَرَجْتُ. 25فيأتي فَيَجِدُهُ مَكْنوساً مُزَيَّناً. 26فيَذْهَبُ ويَستَصحِبُ سَبعَةَ أَرواحٍ أَخبَثَ مِنه، فيَدخُلونَ ويُقيمونَ فيه، فتَكونَ حالةُ ذلكَ الإِنسانِ الأَخيرة أَسوأَ مِن حالَتِه الأُولى” (لو 11). محو الخطايا شيء جيد، لكن هذه هي الخطوة الأولى للغفران، وليست الأخيرة. معظم الأشياء الغبية التي نفعلها في حياتنا نفعلها انطلاقًا من شعور بالفراغ. ومن الغريب أن هذا الفراغ أحيانًا يكون خطأنا. لأنه بعد أن أزلنا بقوة غفران الخطايا كل شيء، أصبح قلبنا فارغ، يحتاج أن تملئه بالإنجيل. ماذا يعني: آمنوا بالإنجيل؟
ما المقصود بالإيمان بالإنجيل؟
في أول رسالة كُتبت في العهد الجديد يخاطب بولس أهل كورنثوس ما بين سنة 50 إلى 52، أي بعد سنوات قليلة من قيامة الرب يسوع قائلا: “إِلى كَنيسةِ اللهِ في قورِنتُس، إِلى الَّذينَ قُدِّسوا في المسيحِ يسوع بِدَعوَتهِم لِيَكونوا قِدِّيسين مع جَميعِ الَّذينَ يِدْعونَ في كُلِّ مَكانٍ بِاسمِ رَبِّنا يسوعَ المسيح، رَبِّهِم ورَبِّنا”. يصف بولس الذين يقبلون إنجيل المسيح بـ “القديسين”. نحن جميعًا قديسون، والقداسة مخبأة في داخلنا بفضل خلاص المسيح على الصليب وبموته وقيامته. القداسة ليست إنجازًا نحققه في نهاية حياتنا، بل هي شيء مدفون في أعماق قلوبنا. نحن مطالبون، حتى أسوأ شخص، ذلك الذي ارتكب أبشع الجرائم، إذا كان للمسيح، ففي قلبه الحرية والقداسة وعليه أن يخرجهما إلى النور.
حصلنا جميعًا على هذه القداسة في يوم عمادنا. عندما يغفر لنا الرب خطايانا فنحن مدعوون أن نترك الروح القدس أن يُشعل فينا هذه العطية التي حصلنا عليها بالعماد. العطية موجودة فينا، لن يعطينا الروح شيئًا لا نملكه بالفعل، بل يُشعل فينا هذا الحضور الساكن فينا. هل يمكنني أن أعطيكم صورة؟ هل تعرفون ما هو الفحم؟ هناك لحظة نقول فيها إن الفحم قد انطفأ، ويبدو عليه طبقة رقيقة من الرماد، لكن إذا نفخت فيه يشتعل على الفور.النار موجودة، هذا هو ما يفعله الروح الموجود فينا بالفعل لكي تظهر قداسة الله فينا. فيصبح الإنسان كالزجاج النظيف الذي يكشف عما بداخله.
عندما نترك الروح يعمل داخلنا فأننا سنرى كل شيء في الحياة إنطلاقًا من روح الله الساكن فينا. المريض هو المسيح، والفقير هو المسيح، والشخص الذي يؤذيك هو المسيح، والعدو هو شخص يجب أن تحبه. ليس لأنك فرضت على نفسك ذلك كواجب أخلاقي، بل لأنك تقدم الخد الآخر. تفهمون أنه إذا قلت لشخص لم يمر بهذه التجربة أن يقدم خده الآخر، لن يقدمه ولن يتمكن أبدًا من المغفرة سبعين مرة سبع مرات، أي بصورة لا نهائية. ستقوم بهذه الأشياء فقط إذا كنت ممتلئًا بالإنجيل، بروح الله. في داخلك يوجد حضور يسوع الذي يعمل بهذه الطريقة ويقودك إلى الغفران، إلى المحبة، إلى التصرف بهذه الطريقة. الأخلاق هنا نتيجة للعلاقة معه وليس شرطًا مسبقًا لهذه العلاقة.
في وصية فرنسيس التي كتبها قبل انتقاله بفترة بسيطة يذكر حدث لقاءه بالأبرص ويصفه بأنه الحدث الأهم في حياته ونقطة التحول الأساسية في تجربته الروحية. يقول فرنسيس أن تغيير حياته لم يكن بسبب صلاته أمام المصلوب وسماعه لصوت الرب، أو بالاحلام والرؤى التي عرف من خلالها مشيئة الرب، لكن التحول الحقيقي لحياته وطريقة تفكيره كان نتيجة لقاءه بالأبرص. يقول فرنسيس “الرب نفسه قادني بينهم”.
توبة فرنسيس جعلته يرى في الأبرص شخص يسوع المسيح الذي عليه أن يقبله. عندما أدرك محبة الله له، لم يشعر بالاشمئزار عند رؤية مرضى الجذام وتقيحات أجسادهم، فيقول: “إِذْ لَمَّا كُنْتُ في الخَطايا، كانَتْ رُؤْيَةُ البُرْصِ تَبدو لي مُرَّةً جِدّاً. وَقَدْ قادَني الرَّبُّ نَفْسُهُ بَيْنَهُم، وَرَئِفْتُ بِهِم وَلَدَى ابتِعادي عَنْهُم، تَحَوَّلَ ما كانَ يَبْدو ليَ مُرّاً إِلى عُذوبَةِ الرُّوحِ وَالجَسَدِ؛ وَبَعْدَ ذَلِكَ، بَقِيْتُ قَليلاً ثُمَّ هَجَرْتُ العالَم”. ليس الأبرص فقط، بل تجربة غفران الله له قد آثرت تأثيرًا حاسمًا في نظرته إلى الآخرين، فالخطأة يستحقون الرحمة حتى إذا أخطاؤا ألف مرة، هكذا يوصي الرؤساء: “إذا أَخْطَأَ (أحد الأخوة) أَلْفَ مَرَّةٍ أَمامَ عَيْنَيْكَ، أَحْبِبْهُ أَكْثَرَ مِنِّي، لِكَي تَجْذُبَهُ نَحْوَ الرَّبِّ؛ وَكُنْ دائِماً، بِمِثْلِ هَؤُلاءِ الإِخْوَةِ، رَحوماً” (ر إلى الخادم). الأعداء أخوة، المخلوقات أخوة، كان يرى كل شيء بعيون الله خالق الجميع.
روح الله، الإنجيل هو الذي يغير القلب. السؤال هو: هل تغير قلبك؟ بأي قلب تفعل الأشياء؟ هذا سؤال جميل، بأي قلب تعمل كراهب أو راهبة؟ بأي قلب تعمل كوالد؟ بأي قلب تعمل كشخص عادي؟ بأي قلب تعمل كمدرس؟ بأي قلب تعيش حياتك؟ بأي قلب؟ التوبة هي أن يكون قلبك ملئ بالإنجيل، بشخص يسوع المسيح، كما يوصى بولس: “فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع” (فل 2: 5).
الغفران مسيرة تحرر
كيف يتغير القلب ونحن لسنا صفحات بيضاء، لسنا أحرارًا تمامًا لأن قصتنا كتبها آخرون. هناك ظروف تتحكم فينا وإرادتنا لست حرة تمامًا. فأنا غير قادر على الحب لأن ظروف نشأتي في بيت قاسي جدًا؛ أجد صعوبة في الغفران للآخرين لأني تعرضت لإساءة يصعب عليَّ نسيانها؛ يتملكني شعور بالحسد لأني شخص عاني من التمييز والرفض؛ وغيرها من الصعوبات.
لسنا أحرارًا تمامًا بسبب تأثيرات الآخرين علينا، لا أحد منا صفحة بيضاء، بل نحن مكتوبون بالفعل، لماذا؟ لأننا لا نولد في المجرّد، بل نولد في أسرة، وفي ظروف، وفي قصة محددة لم نخترها، وسط أشخاص شكلوا طفولتي، هم اللذين كتبوا حياتي، هم أول من كتب شيئًا على هذه الورقة. لسنا أحرارًا كما نعتقد.
لا يطلب الرب منّا أن نتحرر من ماضينا الخاطئ أو التعيس. إذا تأملنا في الكتاب المقدس نجد إن الله لا يمحو تاريخ الشخص، بل يحرره بالرغم من تاريخه. فمثلا: موسى، هو شخص نشأ في بيت فرعون، عدو شعبه. لم يعيش هويته بصورة طبيعية، كان يعلم إنه عبراني ولكنه لا يستطيع البوح بهذا في قصر فرعون. هذا الإضطراب كان له أثر كبير فنشأ كشخص لا يعبر عن نفسه، متلعثم في كلماته. هو أيضًا غضوب لا يتحكم في غضبه فيقتل يوما أحد المصريين، لكن الله استخدمه الله بالرغم من تلعثمه في الكلام، بالرغم من عدم تحكمه في غضبه.
كذلك فرنسيس فكان تأثيرات البيئة الأسرية والأصدقاء بالغة عليه. نعرف سيرته وفي فترة شبابه، كفتى غني ومدلل، أُطلق عليه “ملك الحفلات”، فقد كانت الحياة بالنسبة له هي للمتعة والسعى نحو مجد الفروسية. كل المؤرخين يعترفون بوجود سمة نرجسية عميق في شخصية فرنسيس في تلك الفترة، وهي أنانية متفجرة قائمة على كبرياء كبير. لكنه يجد نفسه أمام مصلوب سان دميانو، فيصلي قائلا: “ماذا تريد مني يارب أن أفعل”. بالرغم من تركيزنا على أن فرنسيس يريد أن يصنع إرادة الله في حياته، لكن مازال يستخدم ضمير “أنا”، مازال يرى إن الحياة تدور حوله، فهو الذي يصنع الحدث ويرغب في أن يستخدمه الله كما يريد.
رافق الله فرنسيس في مسيرة طويلة حتى يصل إلى جبل لافرنا، والذي عليه يكتب كلماته الأخيرة “مديح الله العلي” ولا نجد أبدًا كلمة “أنا” بل يردد الضمير “أنت” 31 مرة، يصف الله فقط وينسى نفسه. يقود الله فرنسيس لأجل أن يتحرر تمامًا من ذاته، من “الأنا” حتى إنه في نهاية تسابيح الله يطلب، ليس كما في صلاته أمام المصلوب، في أن يمنحه الله الإيمان والرجاء والمحبة، بل يصلي قائلا: “أَنتَ رَجاؤُنا، أَنتَ إِيمانُنا، أَنتَ مَحَبَّـتُنا، أَنتَ كُلُّ عُذوبَتِنا، أَنتَ حَياتُنا الأَبَدِيَّةُ، أَيُّها الرَّبُّ العَظيمُ وَالعَجيبُ”.
غفران الله يعنى إن الله يتمجد في حياتنا بالرغم من تشوهات الماضي، بالرغم من الجروحات التي نحملها، بالرغم من أنانيتنا، بالرغم من عدم مقدرتنا على الحب. بالرغم من كل الأمراض الروحية التي كتبها الآخرون في حياتنا.
هل نتذكر شفاء المولود أعمي، «مَن خَطِىءَ، أَهذا أَم والِداه، حَتَّى وُلِدَ أعْمى؟» أَجابَ يسوع: «لا هذا خَطِئَ ولا والِداه، ولكِن كانَ ذلك لِتَظهَرَ فيه أَعمالُ الله». هل شيء جميل أن يكون الإنسان أعمى؟ بالطبع لا. هل جميل أن تنشأ في أسرة صعبة، قاسية، أن تتعرض للعنف، أن يتسبب آخرين لك بجروح تعاني منها اليوم؟ بالطبع هذا هذا أمور سيئة تحدث لنا، لكن يسوع يقول لنا، لا نفكر في إلقاء التهم على أحد، لنفكر بأنك شخص فريد جدًا، وبالرغم من كل شيء حياتك يتجلي فيها مجد الله.
الغفران يدعوك إلى المصالحة مع القصة أي كانت، وإنها لا تشكل عائقًا أمام نعمة الله. الله قادر على إظهار مجده في حياتك وجعلك سعيداً على الرغم مما عشته. ليس صحيحًا أنك عاجز عن الحب، فإذا وضعت نفسك بين يدي الله، فإن الله يجعلك قادرًا على شيء لا تستطيعه بنفسك. لكننا لا نؤمن بذلك، هل تفهمون؟ لدينا مشكلة في الإيمان؛ فالمغفرة هي الإيمان بأن الله يستطيع أن يعمل في حياتنا، على الرغم منا، وعلى الرغم من الماضي الذي عانينا منه وعشناه. نحن بحاجة إلى أن ندع الغفران يدخل حياتنا، لأننا لا نحتاج إلى محو ماضينا. الغفران مسألة إيمان، وليس مسألة أخطاء. إذا كان لديك إيمان، فإن تاريخك، التاريخ الذي أتيت منه، الذي لم تقرره أنت، الذي كتبه الآخرون في حياتك، نعم، يؤثر عليك، وقد يكون غير عادل، أو معوجًا، أو مظلمًا، لكن إذا كان لديك إيمان، فأنت تعلم أن مجد الله يتجلى في ذلك التاريخ.
[1] قديمًا كان مصدره من دودة القرمز، ونوع من المحار يسمى الموريكس اللذان يفرزان مادة ذات صبغة إرجوانية. لكن المشكلة كانت إن جرام واحد من الصبغة كانت تحتاج إلى 10.000 حلزون. لذا كان غالي الثمن جدًا تتزين به ملابس الأباطرة والملوك، كان لون معطف ملكة إنجلترا حتى القرن السابع عشرلدلالة على الفخامة.