الوصية الخامسة: اللقاء الثالث
في اللقاءات السابقة ظهر الأمر صعبًا، يبدو الأمر مستحيلاً في أن أُحب شخص يريد أن ينزع عنى ثوبي وردائي، يريد تعريتي بصورة كاملة، يُريد إهانة كرامتى لهذه الدرجة!! مستحيلٌ أن لا أهمل أحدٌ، لا أتجاهل أحد. فالتجاهل والتهميش هي وسائل للقتل، كما يتضح من تعليم يسوع. كم عدد ضحايانا هذا الأسبوع؟
ما هو دافع القتل؟
تبدأ قصة البشرية بحادثة قتل، ففي الإصحاح الرابع من سفر التكوين، يُجب الوحي الإلهي على تساؤل البشرية: لماذا الصراع بين البشر؟ برواية قتل قايين لأخيه هابيل. دراسة الكتاب المقدس توضح لنا إن الأسفار الحادية عشر الأولى من سفر التكوين هي إجابات الوحي على تساؤلات البشر: كيف خلق العالم؟ من أين أتي الشر والخطيئة؟ لماذا الصراع بين البشر؟ لماذا يقتل الإنسان أخاه؟ لنقرأ النص لنتعرف على السبب الحقيقي الذي يجعل الإنسان يرتكب هذا الأثم!!
واَضطجعَ آدمُ معَ اَمرأتِهِ حَوَّاءَ فحَمَلت ووَلَدَت قايينَ. فقالت: «رَزَقَني الرّبُّ اَبنًا». 2وعادَت فوَلَدَت أخاهُ هابيلَ. وصارَ هابيلُ راعيَ غنَمِ وقايينُ فلاَحًا يفلَحُ الأرضَ. 3وَمرَّتِ الأيّامُ فقَدَّمَ قايينُ مِنْ ثَمَرِ الأرضِ تَقدِمَةً لِلرّبِّ، 4وقَدَّمَ هابيلُ أيضًا مِنْ أبكارِ غنَمِهِ ومِنْ سِمانِها. فنظَرَ الرّبُّ برضًى إلى هابيلَ وتَقدِمتِهِ، 5أمَّا إلى قايينَ وتَقدِمتِهِ فما نظَرَ برضًى، فغَضِبَ قايينُ جدُا وعبَسَ وجهُهُ. 6فقالَ الرّبُّ لِقايينَ: «لِماذا غَضِبتَ ولِماذا عبَسَ وجهُكَ؟ 7إذا أحسنْتَ عمَلاً، رفَعْتُ شأنَكَ، وإذا لم تُحسِنْ عمَلاً، فالخطيّةُ رابِضةٌ بِالبابِ وهيَ تَتَلهَّفُ إليكَ، وعلَيكَ أنْ تسُودَ علَيها».
8وقالَ قايينُ لِهابيلَ أخيهِ: «هيَّا لِنَخرُج إلى الحقلِ». وبَينَما هُما في الحقلِ هجمَ قايينُ على هابيلَ أخيهِ فقَتَلَهُ. 9فقالَ الرّبُّ لِقايينَ: «أينَ هابيلُ أخوكَ؟ قالَ: «لا أعرِفُ. أحارِسٌ أنا لأخي؟» 10فقالَ لهُ الرّبُّ: «ماذا فَعَلْتَ؟ دَمُ أخيكَ يصرُخ إليَ مِنَ الأرضِ. 11والآنَ، فمَلعونٌ أنتَ مِنَ الأرضِ التي فتَحت فَمَها لِتقبَلَ دَمَ أخيكَ مِنْ يَدِكَ. 12فهِيَ لن تُعطيَكَ خصْبَها إذا فلَحْتَها، طريدًا شريدًا تكونُ في الأرضِ».
13فقالَ قايينُ للرّبِّ: «عِقابي أقسى مِنْ أن يُحتَمَل. 14طرَدْتَني اليومَ عَنْ وجهِ الأرضِ وحجبْتَ وجهَكَ عَنِّي، وطريدًا شريدًا صِرْتُ في الأرضِ، وكُلُّ مَنْ وجدَني يقتُلُني! » 15فقالَ لَه الرّبُّ: «إذًا، كُلُّ مَنْ قتَلَ قايينَ فسَبْعَةُ أضعافٍ يُنتَقَمُ مِنهُ». وجعَلَ الرّبُّ على قايينَ عَلامةً لِئلاَ يقتُلَهُ كُلُّ مَنْ وجدَهُ.16وخرَج قايينُ مِنْ أمامِ الرّبِّ وأقامَ بأرضِ نُودَ شَرقيَ عَدْنٍ.
كيف نفهم هذه الرواية؟ قايين وهابيل، ابني أدم وحواء. الأكبر يعمل في الزراعة، يفكر يومًا أن يقدم تقدمة للرب. يقتدي به أخيه الأصغر، هابيل، فيقدم تقدمةً على مثال أخيه الأكبر.
ماذا يحدث؟ يقبل الرب تقدمة هابيل ويرفض تقدمة قايين. يغضب قايين على أخيه فيقوم بقتله.
هناك شيء غريب في الرواية؟ لماذا رضيى الله على تقدمة هابيل ولم ينظر لتقدمة قايين؟ لماذا غضب قايين على أخيه الذي لم يصنع معه شرًا؟ قدم قايين أولاً تقدمته فما الخطأ الذي صنعه؟
قايين هو الابن البكر, ليس فقط البكر لأدم وحواء, ولكنه بكر كل الخليقة. يعنى اسمه في العبرية “الهدية”، فهو هدية الله لأبويه، هكذا يقول الوحي فرحت حواء به وصاحت: «قَدِ آقتَنَيتُ رَجُلاً مِن عِندِ الرَّبّ» (تكوين 4: 1). لقد أعطى الرب أدم وحواء هدية، حياة جديدة.
يأتي ميلاد قايين بعد الخطيئة والطرد من الفردوس، يغفر الله لهما ما صنعا ويعطي حياة جديدة عربونا للمصالحة. ولادةقايين ليس فقط معناها الوحدةببين آدم وحواء ولكن تعني المصاحلة واعادة الوحدةمع الله.
لننظر إلى الرواية عن قُرب: يعمل قايين في الحقل, ومن ثمار الأرض يقدم تقدمة إلى السيد الرب. ولكن يرفض الله تقدمته، فيقتل أخاه هابيل. بالغ قايين في ردة فعله. لكن تبقي الصورة الكاملة، فهو الابن البكر، قدم تقدمته أولاً، كان مدفوعًا لتقدمة شيء يرضى الرب. لماذا غضب على أخيه؟ ولكن علينا أن نعرف اولاً في أي شيء أخطأ قايين؟ الموضوع مُعقد لأنه يلقي باللوم على الله ذاته الذي فرق في المعاملة بين الأخوين، قبل تقدمة هابيل ورفض ما قدمه قايين!!
لم يخطئ قايين ولم يصنع شرًا، قدم فقط ما تحصل عليه من ثمار الأرض ثم جاء أخيه فقدم حملاً، فقبل الله تقدمة الأخير ورفض ما لقايين. تعب قايين طوال العام في الزراعة وفلاحة الأرض والعناية بها حتى أخرجت الأرض ثمارًا، جمعها بكل فرح وقدمها إلى الله أولاً. حاول هابيل محاكاته، وهو الذي لا يُحسن الزراعة وليس لدية القوة على الفلاحة، بل يكتفي فقط بقيادة الأغنام إلى المرعى فتكون المفاجأة القاسية بأن يقبل الله تقدمة هابيل ويرفضه هو. لم يفهم قايين لماذا رفض الله تقدمته.
محاولة لفهم طريقة تفكير قايين
الله لا يحبني، الله غير عادل معي! لقد ظلمني الله! هكذا فكر قايين، هو لم يفهم لماذا رُفضت تقدمته. شعر بعدم عدالة الله، شعر إنه ضحية، فكانت ردة فعله عنيفة. دعى أخوه إلى حقله، إلى أرضه، وقتله بطريقة بشعة.
لماذا قتل قايين هابيل؟ لأجل أن ينتقم من الظلم الذي عانى منه، من عدم العدالة. فكر قايين في نفسه: لقد رفض الله تقدمتى رغم إني لم أرتكب خطأ!! أنا إنسانٌ مظلوم من قِبل الرب، وبما إني إنسانٌ مظلوم لابد لي أن أنتقم!! لابد من أن أُسس العدالة بنفس، يجبُ أن أستعيدُ العدالة المفقودة لرد الظلم عني!!
هل تعتقدون إن قايين فكر إنه يصنع شرًا بأخيه؟ الحقيقة إنه لم يشعر بأنه أرتكب خطأ أبدًا، هو رغب فقط في رد الظلم الذي عنه. هو الذي طُعن أولاً، وقُتلَ بيد باردة، لذا لديه كل الحق في أن يقتل أخاه ليستعيد العدالة المفقودة.
لكن ما ذنب الصغير؟ ما ذنب هابيل؟ لم يصنع شرًا فكان جزاءه القتل.
الحقيقة إن هابيل لم يصنع شرًا!! لكنه كان سببًا في أن تتعاظم فكرة الظلم وعدم العدالة التي يشعر بها قايين. فالله غير عادل، لقد تم خداعي، هكذا يفكر قايين، لقد أهملني الربّ، لقد نبذني. وجود هابيل هو من الأساس طعنة لي. لقد كنت الشخص “الفريد” وسط عائلتي، كنتُ “المحبوب”. جاء هذا الصغير فسرق منى كل شيء، سرق الحب الذي كان من المفترض أن يكون لي وحدي، قاسمني في حب أبي وأمي، حطم أحلامي ورغباتي بأن أكون “مركز أسرتي”، “مركز اهتمام الله”.
هابيل هو التحدي الأكبر للإنسان، هو التحدي لمركزيتنا. التجربة الأكبر هي أن نعود مركز العالم، الأسرة، إهتمام الله، ويُزال الأخ من الوجود. تزيل سبب الألم الرئيسي. تنفجر براكين الغضب داخلك عندما يتلقى الأخ مدائح عن بعض المواهب التي لا تمتلكها أنت. فالأخ هو حجر العثرة أمامك، يمثل عدم عدل من جانب الله الذي خلقه؟ هذا ما شعر به قايين: “ألم يكن الله يرضى عن تقدمتي لثمرات الأرض طوال هذه السنوات؟ لماذا تغير الأمر الآن بعد أن ظهر هذا “الأخ” وقدم له أحد الأبكار التي يرعاها؟ أتعب طوال العام في فلاحة الأرض وريها وتنقيتها من الحشاش الضارة لأجل أن أحصل في النهاية على ثمار طيبة، أختار أطيبها لأقدمها له، وفي النهاية لم يرضى بها. في حين يقدم هابيل نعجة، لم يتعب فيها، سوى أن يتركها ترعى في الحقول، فيقبلها منه برضى!!
ماذا أصنع؟ الشيء البديهي هو معاقبة الله على تفرقته في المعاملة، على عدم عدله، على تسببه في معاناة لا طاقة لي بها. ومعاقبة الآباء أم صعب من الناحية النفسية والعملية، لهذا تتوجه براكين الغضب إلى الأخ. لم يستطيع قايين أن يوجه غضبه إلى الله، فحوله إلى هابيل. كذلك فعل أخوة يوسف، غضبوا من يعقوب لأن فضل يوسف عليهم، لكن غضبهم لم يتوجه إلى الأب، سبب المشكلة، بل تحول إلى الصغير، يوسف فألقوه في بئر.
دخل قايين في النفق المظلم وسيطرت عليه فكرة قاتلة: “سأكون سعيد إذا اختفى الأخ“، “يجب أن أقتل هابيل، يجب أن أسكته”. ليس صدفة أن الوحيد الذي لم يتحدث في صفحات التكوين الأولى هو هابيل. حتى اسمه “قبض الريح” يدل على موقفه. جميعهم تكلموا، آدم وحواء، وقايين، أما هابيل فلم نسمع له صوت.. سُمع فقط صراخ دمه يصعد من الأرض. تحدث الله باسمه.
قايين ضحية ظلم, فرغب في أن ينتقم ليرد عن نفسه هذا الظلم فقتل أخوه.
ماذا يقول له السيد الرب؟ : «لِمَ غَضِبتَ ولِمَ أَطرَقتَ رأسَكَ؟ فإِنَّكَ إِن أَحسَنتَ أَفَلا تَرفَع الرَّأس؟ وإِن لَم تُحسِنْ أفلا تَكونُ الخَطيئَةُ رابِضةً عِندَ الباب؟ إِلَيكَ تَنقادُ أَشْواقُها، فَعَلَيكَ أَن تَسودَها».
هل صنع قايين شرًا أم خيرًا؟ الإجابة ليس سهلة في واقع الأمر، ولكن بشيءٍ من التدقيق، لما قاله السيد الرب، “نتوقع” أن قايين تصرف خطأ. لكن ما هو الخطأ الذي وقع فيه قايين. هناك سببٌ ما لأجله رفض الله تقدمة قايين، لم يوضحه الوحي الإلهي بصورة واضحة، لكن هدف النص هو التركيز على ردة فعل قايين عندما شعرَ بالظلم.
يقول الرب لقايين: إِن لَم تُحسِنْ “عملا” أفلا تَكونُ الخَطيئَةُ رابِضةً عِندَ الباب؟ إن لم تُحسن عملاً، الذي تفكر فيه الآن سيؤدي بك إلى شرٌ أعظم. ينبهه الله بأن تفكيره سيقوده إلى قتل أخيه: “الخَطيئَةُ رابِضةً عِندَ الباب؟ إِلَيكَ تَنقادُ أَشْواقُها، فَعَلَيكَ أَن تَسودَها”. أنتبه للغضب الذي يشتعل في صدره، سيقودك حتما إلى شرً أعظم. إذا لم تسيطر عليه. الفكرة التي زرعتها في عقلك لن تستطيع أن تهرب منك وستؤدي إلى هلاكك. لكن قايين لا يسمع.
لكن لماذا يقول الرب لقايين إنه أخطأ؟ ما هو الخطأ الذي ارتكبه قايين؟
الفرق بين التقدمتين:
هناك فرق فيما بين التقدمتين. يقول الوحي الإلهي: “َمرَّتِ الأيّامُ فقَدَّمَ قايينُ مِنْ ثَمَرِ الأرضِ تَقدِمَةً لِلرّبِّ، وقَدَّمَ هابيلُ أيضًا مِنْ أبكارِ غنَمِهِ ومِنْ سِمانِها”. ماذا قدم هابيل لينظر الرب برضى إلى تقدمته؟ قدم أبكار غنمه، وهو لا يعلم إن الخراف قادرة على انجاب خروفٌ آخر. وثق هابيل بالرب، ووضع مستقبله بين يديه. أعطى للرب ما لا يمكن تعويضه في المستقبل دون تدخل السيد الرب المعطي للحياة.
ماذا قدم قايين؟ ما هو مقابل أبكار الأغنام في مجال الزراعة؟ بواكير المحاصيل!! هناك عيدٌ يهودي، يسمى “عيد البواكير”؛ حيث كانت تقدم خلاله بواكير الغلال والفواكه إلى الكهنة في الهيكل المقدس. هكذا نقرأ في سفر الخروج: “عَيِّدوا عيدَ الحصادِ حينَ تحصُدونَ بواكيرَ الحِنطَةِ، وعيدَ جمْعِ الغَلَّةِ في نهايَةِ السَّنةِ” (خروج 34: 22). وفي هذه الأيام تقام بهذه المناسبة في القرى احتفالات خاصة بتقديم بواكير المحاصيل الزراعية إلى الله. “تقدمة البواكير” هي مخاطرة يقدم عليها الفلاح، فهو لا يعرف إذا لم يحتفظ بالبواكير، ماذا يحدث للمحاصيل، يمكن أن تمرض، أو تصاب، أو تقضي عليها العوامل الجوية كالأمطار الشديدة والرطوبة العالية. تقدمة البواكير تعنى الثقة في الله واهب الخيرات والمخاطرة معه.
عكست تقدمة الأخوين علاقتهما بالله ومدي ثقة كل منهما في عنايته ورعايته. قدم هابيل أبكار غنمه، قدم مستقبله، أعطى حياته، لله الأولوية قبل أي شيء، حتى ذاته. علمه وحياته هو بين يدي الله. أما قايين فقدم ثمار جيدة، لكن ليس البواكير، هكذا يحدد الوحي: ” فقَدَّمَ قايينُ مِنْ ثَمَرِ الأرضِ”، احتفظ بالبواكير ليضمن موسمًا آخر يزرع فيه حقله. فمن قيمة الهدية يُفهم قيمة الشخص.
يرفض الله التقدمة، فقد طلب مرارًا من قايين أن يُحسن العمل، أن يكون أمينًا في علاقته معه. الله هو خالق كل شيء من العدم وضابطه، هو الكائنٌ، هو كلُّ شيء. له يُقدم أفضل شيء، فهو سيدَ الحياة. تعبر التقدمة عن مدى إيمان قايين بالله وعلاقته به! عبرت التقدمة عن مَكانة الله بالنسبة لقايين. له الأولوية هي لله في حياة قايين أم ذاته وأشياء أخرى؟
عجز قايين على فهم ما حدث!! لم يعرف لماذا رُفضت تقدمته!! لم يغضب من هابيل ولم يكن لديه شيء ضد أخيه، بل غضب من الله. معاقبة الله على تفرقته في المعاملة، على عدم عدله، على تسببه في معاناة لا طاقة له. كانت المشكلة الأساسية هي رفض الله تقدمته، ولعدم معرفته بالسبب شعر بالظلم، فقتل أخاه معتقدًا في نفسه أنه بذلك يحقق العدل.
قايين يرد الظلم عن نفسه
قصة قايين وهابيل هي قصة كل واحد منا, هي أول قصة قتل في تاريخ البشرية وهي التي تفسر دافع القتل منذ قايين إلى أيامنا الحاضرة. وراء كل حادث قتل احساس بالظلم ورغبة في الانتقام. شعور يتملكنا جميعًا عندما نشعر بالظلم، فتتولد لدينا الرغبة في الانتقام لرد الظلم الواقع علينا.
شعر قايين بالظلم الشديد، فهو لا يستحق أن يرفضه الله بهذا الشكل. كان قتل أخيه بمثابة رد الظلم الواقع عليه وعدم العدل الذي عاني منه طويلاً. فالعنف دائمًا هو وليد الشعور بالظلم. نرغب في أن نرد عن أنفسنا هذا الظلم، في أن ندافع عن الحق بالقوة.
قد يقول قائل: لو إن الله شرح لقايين سبب رفض تقدمته بطريقة مباشرة، لأنتهت المشكلة!! لو قال له: لماذا لا تثق بي؟ أنت لا تقدم لي بواكير ثمار أرضك، هل لا تؤمن بأني أنا مصدر الحياة وخالق كل شيء؟ أنت تعتقد إنك فعلت الصواب لكنك أخطأت.
لكن الله لم يقل شيئًا لقايين؟ لم يذكر الوحي الإلهي سبب رفض الله لتقدمة قايين؟ تملك الغضب قايين، وأصبح في حالة رفض لكافة محاولات الحوار والنقاش. هي حالة الإنسان عندما يسيطر عليه الغضب الشديد الذي يرفض معه أي محاولات للحوار. يمتلكه فقط شعور بالظلم الفادح، ويفكر بالسوء في مَن ظلمه، لذا يرفض الحوار معه.
والدليل على صحة هذه الفرضية: لماذا لم يسأل قايين الله عن سبب رفض تقدمته؟ لقد فكر في قلبه وتوصل إلى سبب رفض التقدمة: الله ظالم!! هو إله متوحش وغير عادل!! لذا لم يسأل الله لأنه قد توصل بفكره لنتيجة رفض تقدمته. لم يفكر لحظة في إنه أخطأ، أو يجب عليَّ التريث قليلاً لكي أفهم سبب رفض الله لما قدمته، من الممكن إن أحتاج إلى الوثوق في الله بصورة أفضل!!
وهذا ما نفكر فيه عندما نشعر بالظلم وعدم العدالة في الحياة. ما نفكر فيه عندما نعجز عن تفسير الأحداث التي نمر بها.
كان هناك طريقيين أمام قايين: الأول، الله ظالم وإله متوحش غير عادل. يظلمني دون سبب، أو لسبب ما لا أفهمه (فأنا أنطوئي، خجول، مرفوض من والدي، لدي عيوب خلقية أو في الشكل أشعر معها بأن الله ظلمني في هذه الحياة). الثاني، هو ما أود أن يصل إلى الجميع، إن قصة الحياة جميلة ورائعة كما هي بالرغم من الصعوبات التي يمكن أن نعاني منها.
هذا هو المفتاح الذي يساعدنا على فهم رواية قايين وهابيل. دون التوصل إلى مفتاح النص هذا ستجعلنا نشك في إن الله هو السبب الأساسي لغضب قايين وجريمته لأنه فضل هابيل عليه. الله لن ينزع ويلغي أبدًا حرية الإنسان.
طريقة تفكير قايين
يقدم قايين تقدمته، ويقدم هابيل تقدمته، ينظر الله برضى لتقدمة هابيل في حين يرفض تقدمة قايين، فيغضب قايين بشدة ويظهر على ملامحه.
6فقالَ الرّبُّ لِقايينَ: «لِماذا غَضِبتَ ولِماذا عبَسَ وجهُكَ؟ 7إذا أحسنْتَ عمَلاً، رفَعْتُ شأنَكَ، وإذا لم تُحسِنْ عمَلاً، فالخطيّةُ رابِضةٌ بِالبابِ وهيَ تَتَلهَّفُ إليكَ، وعلَيكَ أنْ تسُودَ علَيها».
لماذا غضب قايين؟
غضب قايين لأن الله لم ينظر برضى لما صنع، لم يفهم سبب رفض تقدمته, في الوقت الذي أعتقد فيه إنه قَدمَ أفضل ما لديه. لكن الله لا يبين له سبب الرفض، حذره فقط من الانسياق وراء تلك الأفكار الخاطئة. حذره من سيطرة تلك الأفكار، وبأنه ضحية للظلم. يقول الله انتبه الخطية رابضةٌ أمام بابك. يريد الله أن يضعه على الطريق الصحيح، أراد أن تحذيره من الإنسياق وراء أفكاره الخاطئة. أنت تفكر بي خطأ، قد ظلمتك!! أنا الذي خلقتك.. وأعطيتك “هدية” لوالديك! أظهرت تقدمته مدى ارتباطه بالله خالقه وثقته فيه. دفعت الأفكار السلبية قايين إلى ارتكاب الشر.
انظر إلى حياتك.. كيف نحقق هذه الوصية “لا تقتل”؟ التفكير الإيجابي في الله. هكذا يبدأ سفر الحكمة: “فَكَروا في الرَّبِّ تَفْكيراً صالِحًا واْلتَمِسوه بصَفاءِ قلوبِكم” (حكمة 1: 1). مشكلة قايين ليس في أنه حسد أخيه وأبغضه، لكن في التفكير السلبي في الله، الإيمان بأنه ظالم ومتوحش، يكافئ ويعاقب دون معيار محدد.
عندما نتعرض لأزمات في حياتنا، كمرض شخصٌ عزيز، أو فقدان حبيب لنا، نجد أنفسنا أمام تساؤل لا إجابة له: لماذا يحدث كل هذا؟! ولا نبحث عن الهدف من الحدث!
إذ تصادفنا بعض المشاكل في حياتنا كمرض قريب او فقدان حبيب لنا في الغالب نفقد كل وقتنا باحثيين عن إجابة سؤال ليس له معني ولا قيمة حيث نسأل لماذا يحدث هذا ؟ بدلا من ان نحاول جاهدين لمعرف ما هدف ذلك الحدث ؟
كثيرا إذ تعتقد إن الله موجود, يفعل كل شيء بتلقائية , يفعل ما يرغب دون النظر الي ارادتنا, لذا أنت أحيانا لا توافق على ما يحدث في حياتك, كثيراً لدينا أفكار خاطئة عن الله, لابد من تغيرها. نفكر في إن الله لديه خطة كاملة لحياتك, لإنك في عينيه أنت فريد لذا ضحي بابنه علي الصليب كي يحررك. لذا أمام شيء لاتفهمه, ليس عليك أن تسأل لماذا يحدث هذا؟ أولاً علينا ان نسأل ما هو هدف هذه المشكلة؟ ولإي شيء تدفعنا؟ ماذا يريد أن نتعلم؟
لا يفسر ويشرح الله لنا صعوبات الحياة التي نمر بها، لن المشكلة ليست في فهم الإنسان أسباب معاناته، بل في أن يثق في الله. في أن يغير أفكاره الخاطئة عن الله، فالله ليس بظالم.
الخلاصة: ان لم تغير طريقة أفكارك الخاطئة عن الله, وتعتقد في نفسك بإنك مظلوم, مجروح من الأخرين, تسأل طوال الوقت عن سبب كل شيء ولم تجد. كلما شعرت بالظلم ستبدأ في قتل الآخرين. لكما شعرت بالظلم ستجد مبررًا للقتل. . تقتل لتنتقم لنفسك لكونك ضحية. تريد أن تفترس الأخرين قبل أن تسقط.
نظر بيلاطس إلى يسوع المسيح المصلوب وقال “هذا هو الإنسان” (يوحنا 19: 5), هذا الإنسان على الصليب!! هو كل إنسان منا! هو كل واحد منا! إذا لم تجاوزت ألامك، وكل ما يحدث لك ولا تفهمه ويجعلك في أزمة ستصبح قاتل. سوف تنتقم ممن حولك, ستجد مبرر لكل عنف تفعله. على الصليب نظر يسوع للهدف من آلامه، لم يبغض صالبيه وقاتليه. نظر يسوع إلى هدف الآلام: الخلاص، ولم يسأل ماذا فعلت لكي أصلب؟
لم يفهم قايين شيئ، ولم يعرف سبب الحدث أو الهدف منه، لم يدرك حتى خطورة ما هو مقبل عليه، إلا عندما رأى دم أخيه على الأرض. كان يظن نفسه ضحية لظلم الله، لكنه الآن يديه ملاطختان بالدماء. هنا يدرك إنه ليس ضحية بل قاتل، سافك دم أخيه. يدرك إنه هو الظالم والمتوحش وليس الله.
يعترف قايين بخطيئته فيصرخ إلى الله: ” عِقابي أقسى مِنْ أن يُحتَمَل” (تكوين 4: 13). يعترف بأنه شرير، فعل شيء متوحش، فيلجأ إلى الله ويلوذ برحمته. فيسامحه الله ويغفر له ويحفظه من الطالبين هدر دمه. يضع على وجهه علامة، كما في حزقيال(9: 4)، وهي تعنى إن الشخص أصبح خاصة الله، وفي حمايته، فلا يستطيع أحد الاقتراب منه. لا يسامح الله فقط قايين، بل أصبح قايين خاصة الله وملكه، أصبح ينتمي لله, الله نفسه هو الذي يحميه من أي شر. لذا لم يحاربه أحد أو يمسه بسوء, ولكن ما فعله يبقي دومًا، فالأرض لن تبتلع أبدًا دماء هابيل وصوت صراخه سيظل باقيًا.
إذا تسبب في تألم إنسان آخر، قتلته نفسيًا وجسديًا، فإن تبعات جريمتك ستبقي وستراها أمامك، حتى إذا تصالحت، وإذا كانت لديك الرغبة في التصالح فالشر الذي صنعته يبقي. يتذكر الله دموع من يبكي فيجمعها: “فاْجعَلْ دُموعي في قِربَتِكَ. أَوَلَيسَت في سِفرِكَ؟” (مزمور 56: 9). يتذكر الله وينتقم من المتسبب في هذا الألم، ينتقم للضعيف متى تعرض للظلم.
كيف ينتقم الله؟ فالشخص الذي ظلمته واحتقرته وتسبب في ألمه، عليك أن تحبه محبة حقيقية!! هذا هو أقسى أنواع العقاب التي يطلبها الله، وطريقة انتقامه من يظلمون الآخرين.
هو ان يطلب منك ان تحب إنسان تحتقرته, سبق لك أن قتلته. لا يوجد أصعب من ان تحب إنسان قتلته من شدة كراهيتك له.
الله يقول إلى قايين : فهمت الان نتيجة ما فعلته سيظل دم أخيك على الأرض ملطخة به لا يختفى, ومع هذا انا ساحميك حتي لا يمسّك أحد , لاضع حد للعنف الذي حدث في الأرض , حتي لا يتكرر العنف مرة اخري علي الأرض.
الخلاصة: إن الدافع الأساسي لأرتكاب العنف هو تبريره بأننا نتعرض لظلم غير مفهوم. يكون الشعور بالظلم هو الباب الذي متى فُتح من الصعب غلقه. عندما تشعر إنك ضحيه لآخرين، للأصدقاء، للعائلة، لله الذي لم يعطيك ما تعتقد إنه خيرٌ لك، مظهر خارجي، مواهب مختلفة، ظروف أفضل، زاد هذا الشعور من تبريرك للقتل معتقدًا بإنك تحقق العدل المنشود لأنك مظلوم.
إذا لم تعي هذه الحقيقة وتكتشف إن حياتك، كما أراد الله لك، جميلةٌ ومقدسةٌ وفريدةٌ، ستكون تعيس وسيرافقك الشعور بإنك ضحية. يمكن لك أن تسأل الله عما يحدث لك في الحياة؟ تستطيع أن تصرخ، مثلما فعل يسوع مستخدمًا كلمات المزمور 22: “إِلهي إِلهي، لماذا تركتَني؟”. كان اليهودي يردد كلمات هذا المزمور في ساعة الضيقة والألم، إلا إن المزمور ينتهي بهذه الآية: ” لأَنَّه قد صَنعً صَنيعًا”، رجلا معلقٌ على الصليب وفي نزاعه الأخير يصرخ بأن هذا هو ما يصنعه الرب، فإرادته تمر عبر الصليب والألم.
وفي موضع آخر يصرخ يسوع: “يا أَبتِ، إِن شِئْتَ فَاصرِفْ عَنِّي هذِه الكَأس… ولكِن لا مَشيئَتي، بل مَشيئَتُكَ!” (لوقا 22: 42). الكأس مرٌ للغاية لكن سأشربه حتى النهاية فأنا أريد أن أصنع مشيئتك.
عدم القتل هو أن تكون “حارسا لأخيك”. أراد قايين أن يزكي نفسه بهذه العبارة، لكنه عكس خلاصة الرواية بالكامل. أن تحب هي أن تكون “حارسا” مهتمًا بأمر أخيك. لنتذكر ما قلناه في اللقاء الأول عن رئيس الكهنة الذي يجب أن يترك التقدمة متى تذكر إن لآخر شيئًا عليه. هو لم يصنع شرًا، لكنه فقط أهمل في العناية به (متى 5: 23- 24). أنت حارسٌ لأخيك، هذه خلاصة الوصية ولك أن تقبلها وأن ترفضها.
إذا توقفت عن محاولة فهم ما تمر به من أحداث، ستكتشف إن هذه الأحداث تخفي حقيقة أساسية: إن الله يحبك للغاية، وهو يدعوك في واقعك وتاريخك لتوقف مسلسل العنف وتعيش وصية المحبة. الله لم يخطئ أبدًا معك. لن تشعر بسلام ما لم تؤمن إن الله صالحٌ وإرادته صالحة دومًا لحياتك.