إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أحد الشعانين 2016

0 829

إكرام يسوع في أورشليم
نحتفل أخوتي الأحباء بذكرى دخول يسوع المسيح إلى أورشليم. وقد أعتدنا أن نحمل في أيدينا سعف النخيل وأغصان الزيتون، وسيرنا في دورة الشعانيين إلى أرجاء الكنيسة الأربعة. لماذا نلجأ إلى تمثيل ما حدث مع يسوع في ذلك اليوم وقت دخوله لأورشليم. ما هو المعنى المقصود بالتطواف؟

في البداية لم يكن دخول المسيح لأورشليم بهذا الموكب عملاً عفوياً، لكن يبدو ا إن السيد قد رتب له بإتقان. عندما كان يسوع برفقة تلاميذه والجموع حوله يسيرون باتجاه المدينة المقدسة، عند بيت فاجي وهي قرية قريبة من أورشليم، أرسل يسوع اثنين من تلاميذه حتى يحضرا جحشاً وأتاناً ليركب عليهما ويدخل المدينة كملك وديع متواضع. فقد كان يعلم أن المدينة المقدسة كانت مزدحمة بالزوار الذين أتوا من جميع البلاد القرى المجاورة للزيارة في العيد. ماذا كان يريد أن يقول يسوع من خلال هذا التطواف؟

عندما لاحظ المسيح أن بعض الناس آمنوا به وبرسالته، وأن الكثيرين لم يؤمنوا، أراد أن يوقظ عقولهم، ويقودهم إلى الله بأسلوب جديد، فاستعمل الأسلوب الدرامي أو التمثيلي في شرح رسالته جرياً على عادة الأنبياء في العهد القديم. فعندما كان الأنبياء قديماً يشعرون بأن الكلمات أصبحت لا تجدي إزاء جمود الناس وعدم مبالاتهم بكلام الله، كانوا يلجأون إلى طرق يستطيعون بواسطتها إيصال كلمة الله وتعاليمه إلى الناس بأساليب جديدة مختلفة، وهذا ما كان يسوع بصدده، أن يجلب الناس إلى الإيمان والخلاص.

وهكذا نرى أنه عندما دخل المسيح إلى أورشليم، دخل كملك وديع، فالتفت حوله الجموع يفرشون ثيابهم في الطريق ويقطعون أغصان الشجر ويفرشونها في الطريق أيضاً، كما أنهم كانوا يصرخون: “أوصنا لابن داود، مبارك الآتي باسم الرب، أوصنا في الأعالي”. رأت الجموع أن المسيح بهذا العمل يتمم إحدى نبوات العهد القديم الواردة في سفر زكريا النبي: “: “ابتهجي جداً يا صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك، هو عادل ومنصور، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان” (زكريا ٩:٩)”.

لماذا رأى اليهود في يسوع المتمم لنبوءة العهد القديم؟ فالكثير من الحجاج يدخلون بهذه الطريقة أورشليم، ما هو الشيء الملفت للنظر الذي دفعهم في أن يروا في يسوع أبن داوود، المخلص…

نجد الإجابة في إنجيل القديس مرقس، فيسوع يتوجه الى أورشليم مع الإثني عشر وينضم إليهم في الطريق حشد كبير من المؤمنين كما يذكر القديس مرقس في الآية ( ٤٦،١٠) “منذ خروج يسوع من أريحا كان معه تلاميذه وجمهور كبير”. يصادفنا في آخر الطريق حدث مميز يسلط الضوء على الإجابة. هناك برتيماوس وهو شحاذ أعمى جالس على جانب الطريق عند مخرج أريحا. فلما سمع بأن الذي يمر من هناك هو يسوع الناصري أخذ يصيح: ” يا يسوع يا ابن داود، ارحمني!” ( مرقس ١٠، ٤٧). فانتهره الكثير من الناس ليسكت، ولكن عبثًا فعلوا، إلى أن ناداه يسوع وقال له: ” ماذا تريد أن أعمل لك؟”، قال: ” يا معلم أن أبصر! (الآية ٥١) فأجابه يسوع: ” إذهب إيمانك شفاك.” فأبصر في الحال وتبع يسوع. (راجع الآية ٥٢).

بعد أن ناداه الأعمى “يا ابن داود” واستجاب له يسوع بهذا الفعل العجائبي، لمع وميض أمل بين الجموع في أن يكون هو حقا المسيح المنتظر؟ ابن داود؟، هكذا يتنبأ أشعيا النبي (أش ٢٩: ١٨) “في ذلِكَ اليومِ يسمَعُ الصُّمُّ أقوالَ الكِتابِ، وتُبصِرُ عُيونُ العُمي بعدَ اَنغِلاقٍ على السَّوادِ والظَّلامِ”. بدأ أحدهم في ترديد الجزء الثاني من المزمور ١١٨ الذي يمجد الدخول إلى أورشليم. وكان التقليد اليهودي إنه إذا بدأ شخص في انشاد أحد الأناشيد، كان من عير التقوى ان يتجاهله الآخرون، لذا كان يجب أن يشتركوا معه، ويُكملوا الانشاد حتى لو بدأ النشيد قلة، أو كان مجرد طفل.. لو بدأ شخص وقال “مبارك هو” ترد الجموع “الآتي باسم الرب”. تقول أبيات المزمور: “آهِ يا ربُّ خلِّصْ. آهِ يا ربُّ أحسِنْ إلينا. تبارَكَ الآتي باَسمِ الرّبِّ. نُبارِكُكُم مِنْ بَيتِ الرّبِّ. الرّبُّ هوَ اللهُ الذي أنارَنا. زَيِّنوا المَوكِبَ بالأَغصانِ المُورِقَةِ إلى قرونِ المذبَحِ”.

هل صعد مع يسوع كل الجموع التي كانت تتعبه؟ الجموع التي كانت تسير وراءه عند دخوله أورشليم كانت قد آمنت به لأنها شاهدت آية قيامة لعازر من الموت ثم شفاء برتيماوس الأعمى. المسيح أستخدم المعجزات لكي نفهم ونؤمن به، لكن البعض توقف فقط أمام المعجزات التي كان يصنعها يسوع دون أن يتحولوا إلى الإيمان به. لذلك كان ردّد يسوع أمام الجموع وأمام تلاميذه قائلاً:”ما من أحدٍ يستطيع أن يُقبل إليّ إلاّ بهبة من الآب. فارتدّ عنه عندئذ كثير من تلاميذه وانقطعوا عن السير معه”(يو٦/٦٥-٦٦).

نتساءل عن العلاقة الخاصة التي تربطنا بالرب لنصرخ له “مبارك الآتي باسم الرب”، فأحياناً تقتصر معرفتنا للرّب على معرفة نظرية، ننتظره كما إنتظره اليهود، مخلص زمنيّ أو سياسيّ أو حزبيّ، تضحي الهوشعنا شبيهة بصراخ متظاهرين في الساحات. الشعب اليهودي انتظر المسيح واستقبله لأنه المخلص، ولما رأى أن طريقة يسوع لا تعجبه صرخ في اليوم التالي “إصلبه”. ونحن هل ننتظر الرب يسوع كما هو، ونؤمن به ونتبعه كما يريد هو، وعلى طريقته، أو اتبعه لأنه سيخلصني من أخطاء معينة، من حرب معينة، من إضطهاد، من موت… وإذا رأيت طريقة الرب مختلفة عن تفكيري أتركه وأصرخ “أصلبه”؟ كم من المرّات نطلب من يسوع حلولاً سريعة وسحرية، لا نرضى بيسوع المسالم الذي يسالمني مع ذاتي، أنا أرفض ذاتي وواقعي وضعفي ومحدوديتي وطاقاتي وشكلي وخطيئتي،، وأريد المسيح الذي يقتلعها وليس يسوع الذي يسالمني معها لينميني وينضجني لأجد أنا لها حلاًّ لأنه يريدني أن اكون سيداً على ذاتي. أرفض الحلّ الّذي يستلزم الجهد والتضحية والتسليم المطلق للرب، الحل الذي ينميّ شخصيتي، وأطلب حلاً سريعاً وسحرياً، أطلب برأبا الذي يقود ثورة ضد الرومان، ثورة كانت ستقود لخراب الهيكل، أطلب ثورة على واقعي، ثورة خارج المسيح قد تهدم هيكل الروح القدس، قد تهدم الإنسان الناضج الذي عليه أن يحمل المسيح إلى الأمم.

لقد أُعجب اليهود بقدرة يسوع بعد أن رأوا لعازر وبرتيماوس فصرخوا له: “هوشعنا” “مبارك ابن داود” و”مبارك الملك الآتي باسم الرّب”، وبعد خمسة أيام صرخوا “فليصلب” وصرخ قادتهم “دمه علينا وعلى أبنائنا”. لقد خذل يسوعُ الشعبَ، خاب أملهم، ظنّوه مخلّصاً جاء يريحهم من أثقال النير الرومانيّ ومن الضرائب القاسية. أرادوه أمير حرب فجاء أمير سلام، أرادوه رجل سيف فأعلن أنّه يلقي نار الحبّ في الأرض وكم كانت رغبته أن تشتعل الأرض حبّاً. لم يكن هو المخلّص المطلوب، وكان من الأفضل له أن يرحل. ونحن اليوم كم نجد كلام يسوع مزعجاً، يدعونا الى التضحية، الى المغفرة، الى المحبّة، يدعونا الى حمل صلبان حياتنا.. نفتّش عن الحلول السهلة، نسمح للحقد أن يملك في قلوبنا، نعتنق منطق الإنتقام ونريد أن نحلّ مشاكلنا بسيف قوّتنا الذاتيّة. كما الشعب القديم نزيل يسوع من حياتنا لنقدر أن نحلّ مشاكلنا بطرقنا الخاصّة. نصرخ “فليُرفَع”، نزيله من حياتنا، نحيا انقساماً بين ما نؤمن به وما نطبّقه.

هل نعلن المسيح ملكاً أوحد على حياتنا؟ من هو أو ما هو الملك الحقيقيّ على قلبي؟ هل هو يسوع أم هي أموالي، وسلطتي ومقتنياتي؟ لا مساومة في اتّباع يسوع ولا حلول وسط، إمّا أن نختار يسوع أو نختار رغباتنا، لا يمكن ليسوع أن يتساكن ومنطق الحقد والقوّة والعنف. هوشعنا هي دعوة لنا لنختار، ويسوع يريدنا أحراراً، نختاره بحرّيتنا أو نتركه بإرادتنا، وكأحرار نتحمّل مسؤوليّة خياراتنا. آمين

قد يعجبك ايضا
اترك رد