إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أيام الخلق الأولى- اليوم الثالث

0 1٬050

اليوم الثالث:
حدثت هذه الواقعة منذ ١٧٠ عاما: في عام ١٨٤٣ وقعت في مصر مصيبتان: انتشر الجراد والتهم الزرع مما أدي إلي تدمير معظم المحاصيل الزراعية ثم لم يلبث وباء الطاعون أن استفحل في البلاد فقضي علي حياة عشرات الألوف من المصريين.. وعاشت مصر في مجاعة وبؤس ووسط هذه المحنة وصل إلي إقليم المنصورة بعض الأطباء الأجانب بغرض دراسة وباء الطاعون المتفشي بين المصريين، ومن أجل الكشف عن طريقة انتقال جرثومة الطاعون لجأ هؤلاء الأطباء إلي حيلة غير إنسانية أطلقوا عليها تجربة “جلباب الموت “..: فقد أخذوا ثياب المتوفين من ضحايا الطاعون وعرضوا علي الفلاحين ارتداءها مقابل خمسة قروش في اليوم ،وكان هذا مبلغا لا يستهان به بالنسبة لأسرة فقيرة تعيش بنصف قرش في اليوم، كان الأطباء يريدون اكتشاف إذا كان الطاعون تنتقل عدواه بالملامسة.. وبسبب فقر الفلاحين المدقع من ناحية واغراء الخمسة قروش من ناحية أخري، تدفق عشرات الفلاحين إلي مقر إقامة الأطباء الأجانب وتزاحموا عليهم بل وتوسلوا إليهم لكي يسمحوا لهم بارتداء جلباب الموت.. وكان الأطباء علي يقين من أن الفلاحين الجهلاء لا يدركون خطورة ارتداء جلباب الموت.. لكن المفاجأة حدثت عندما نقل المترجمون إلي الأجانب الحقيقة المذهلة: إن هؤلاء الفلاحين الذين يتوسلون من أجل ارتداء الجلابيب الموبوءة يعلمون جيدا أن مصيرهم الموت.. وقد أثار هذا الأمر فضول الأطباء فسألوا أحد الفلاحين لماذا يريد أن يعرض حياته للموت فأجاب: “أنا شيخ مسن وقد شبعت من الدنيا وفي رقبتي أسرة كبيرة أنا عاجز عن إعالتها.. فلو سمحتم لي بارتداء الجلباب و أعطيتموني المكافأة أستطيع أن أضمن الطعام لأسرتي ..”.

هذه الواقعة المحزنة ذكرتها المستشرقة البريطانية صوفيا لين بول في كتاب أصدرته عن مصر بعنوان “حريم محمد علي باشا” (ترجمة د. عزة كرارة).. ولعل القارئ البريطاني الذي طالع هذه الواقعة انزعج بشدة للمدي المحزن الذي وصل إليه الفقر في مصر خلال القرن التاسع عشر.. فالطبيعي أن يتزاحم الناس ويتدافعون هربا من الموت أما أن يتوسل البؤساء من أجل إلباسهم جلباب الموت مقابل مبلغ يكفي لاطعام أولادهم الجوعي.. فذلك أقسي ما يمكن أن ينحدر إليه الإنسان في أي زمان ومكان: أن ينهي حياته بيده من أجل إطعام أولاده..

اليوم نشرح اليوم الرابع للخلق والفضيلة التي يربطها بها. في اليوم الرابع قال الله: “لتكن انوارا في جلد السماء لتنير على الارض و كان كذلك، فعمل الله النورين العظيمين النور الاكبر لحكم النهار و النور الاصغر لحكم الليل و النجوم، وجعلها الله في جلد السماء لتنير على الارض، ولتحكم على النهار والليل ولتفصل بين النور و الظلمة و راى الله ذلك انه حسن، و كان مساء و كان صباح يوما رابعا. النور الأكبر لحكم النهار هي محبة الله، والنور الأصغر لحكم الليل والنجوم هي محبة القريب.

الله محبة وقيل عن أحد الآباء أنه إذا التلفوا كل نسخ الكتاب المقدس الموجودة في العالم وبقيت نسخة وحيدة، وحتى إذا أتلفوا هذه النسخة الوحيدة وبقيت صفحة واحدة, وحتى إذا مزقوا تلك الصفحة الوحيدة وبقي سطر واحد، سطر واحد من الرسالة الأولى ليوحنا الإنجيلي، الإصحاح الرابع، العدد الثامن فان كل الكتاب المقدس باقي، لأن هذا السطر مكون من كلمتين فقط، وفي هاتين الكلمتين كل الكتاب المقدس. ما هو مكتوب في تلك الكلمتين: مكتوب “الله محبة”.

أحد الآباء البيزنطيين (نيقولاس كابسيلاس) قال أن هناك طريقتين لنظهر للآخرين إننا نحبهم.

الطريقة الأولي: هي أن نقدم عطايا أو خدمات للآخرين مشاركة في أفراحهم وأحزانهم. فعندما نحب شخص نقدم له هدية للتعبير عن الحب، نصنع له معروفا، نقدم له خدمة يحتاج إليها. والله قد أحبنا بهذه الطريقة بأن أهتم بالإنسان ورعاه فصنع كل الموجودات، كل الخليقة لأجله: لنصنع الإنسان على صورتنا ومثالنا وليتسلط على سمك البحر وطير السماء. وهذا ما نقرأه في المزمور الثامن: “أري السماوات صنع أصابعك والقمر والنجوم التي كونتها. فأقول: من هو الانسان حتى تذكره و ابن ادم حتى تفتقده، أنقصه قليلا عن الملائكة و بالمجد والكرامة كللته، سلطته على اعمال يديك جعلت كل شيء تحت قدميه. أن تحب إنسان تخدمه، تقدم العون له، ونري في انجيل يوحنا ١٣: “أحب خاصته اللذين في العالم، أحبهم إلى الغاية فقام عن العشاء وغسل أرجلهم.

الطريقة الثانية: هي الأصعب وهي تحمل الألم من أجل من نحبه. منذ فترة قرأت عن أحد الأمهات التي يعاني أبنها من تليف كبدي، أجرت التحاليل فعرفت إنها بإمكانها أن تعطي أبنها جزء من كبدها لكي يعيش الصغير، لكن الأطباء قال بصعوبة ذلك لأنها بدينة فلا يمكن إجراء العملية. ماذا فعلت الأم أجرت رجيم قاس، امتنعت عن أكل الأشياء التي تحبها، قامت بالمشي ثم الجري لمسافة تزيد عن عشرة كيلو يوميا، واستطاعت أن تنقص وزنها ٣٢ كليو جرام في ثلاثة شهور حتى يستطيع الأطباء إجراء العملية ونقل جزء من الكبد لأبنها الوحيد. تألمت الأم كثيرا لأجل أنقاذ حياة إبنها

والقصة التي روينا في البداية لم يكتفي الرجل بأن يتألم، بل ضحي بحياته لأجل أسرته الفقيرة. وهذا ما فعله أيضا الله، فهو تألم وصلب ومات من أجل محبيه: “ما من حب أعظم من هذا، أن يضحي الإنسان بنفسه في سبيل أحبائه” (يو ١٥/ ١٣). فالصورة الأكمل للمحبة هي صورة الصليب، يسوع الذي تألم، وعذب بصورة عنيفة لأجل أحبائه.

سأضيف على رأي الأب نيقولاس كابسيلاس وأقول أن هناك طريقة ثالثة لنظهر للآخرين إننا نحبهم. إذا كانت الطريقة الأولي وهي أن نقدم عطايا أو خدمات للآخرين سهلة، فالطريقة الثانية وهي الأصعب أن نتألم أو نضحي بحياتنا لأجل الآخرين. هي طريقة أصعب لأن ليس بإمكان كل فرد أن يتألم أو يضحي لأجل الآخرين، يمكن فقط للآباء والأمهات بحكم الغريزة أن يتألموا أو يضحوا بحياتهم لأجل أبنائهم. (الأم التي سقطت بالرضيع)

هناك طريقة أكثر صعوبة لنظهر للآخرين إننا نحبهم. طريقة لا دخل للغريزة فيها، هي أن نتألم أونضحي بحياتنا من أجل أعدائنا. صنع الرب في حياته على الأرض الكثير من المعجزات، لكن أقوي معجرة على الإطلاق، ليس إقامة لعازر الحيبب، أو شفاء الأعمي منذ مولده، أو مريض بيت حسدا. أقوي معجرة هي على الصليب عندما صرخ طالبا الغفران لقاتليه: “أغفر لهم يا أبتاه، فهم لا يعلمون ماذا يصنعون” (لو ٢٣/٣٤).

نعم هناك حب أعظم من أن يضحي الإنسان بنفسه في سبيل أحبائه، أن يتألم وأن يضحي بحياته في سبيل أعدائه. الفقير ضحي بحياته لأجل أحبائه، أما الرب على الصليب ضحي بحياته لأجل أعدائه. هذا ما أكده بولس الرسول في رسالته إلى رومية: “نادرا أن يموت أحد من أجل إنسان بار، أما من أجل إنسان صالح فربما جرؤ أحد أن يموت.. لكن الله برهن عن محبته لنا بأن المسيح مات من أجلنا ونحن بعد خاطئون (رو٥/ ٧-٨). عندما كنا أعداء يقول بولس:”ونحن بعد خاطئون”. ولهذا يقول الرب يسوع ليهوذا عندما جاء مع الجنود للقبض عليه وهو في بستان الزيتون: “أفعل ما جئت له يا صاحبي”, تدل كلمة “يا صاحبي” على محبة يسوع ليهوذا بالرغم من علمه السابق بأنه سيسلمه.

نحن في حاجة اليوم لهذه المحبة التي أظهرها الرب على الصليب، محبة ليس فقط للأحباء.. بل للأعداء أيضا. يقول القديس أغسطينوس: “تعلم كثيرون أن يحولوا الخد الآخر لمن لطموهم، لكنهم لم يتعلموا أن يحبوا الذين لطموهم”. وكما يقول “ألفريد بلامر”: “مجازاة الخير بالشر عمل شيطاني، ومجازاة الخير بالخير عمل إنساني، أما مجازاة الشر بالخير فهو عمل إلهي”.

في حياته على الأرض أدان الرب يسوع إضافة عبارة “تبغض عدوك” التي أضافها الفريسيين على الوصية التي وردت في لاويين ١٩: “لا تبغض أخاك في قلبك… لاتنتقم ولا تحقد على أبناء شعبك، بل تحب قريبك كنفسك”، فسر الفريسيين أن المقصود بالشعب هو شعب اسرائيل فقط، كلن غير مقصود بها الآخرين. العدو ليس قريب لي لأحبه.. حرفوا الوصية التي أوصي بها موسي: “تكون شريعة واحدة لمولود الأرض والنزيل النازل بينكم” (خر ١٢/٤٩). أعاد الرب يسوع الوصية إلى معناها الحقيقي الذي غيره الفريسيين وفسروه كما أرادوا، وعندما سأله أحدهم من هو قريب، ضرب له مثل السامري الصالح (لو ١٠/ ٢٩-٣٧).

هذا ما يطلبه بولس الرسول في رسالته إلى كولوسي: “البسوا عواطف الحنان والرأفه والتواضع والوداعة والصبر.. احتملوا بعضكم بعضا، وليسامح بعضكم بعضا إذا كان لأحد شكوى من الأخر، فكما سامحكم الرب سامحوا أنتم أيضا (كول ٣/ ١٢-١٣). أن نملك عواطف الحنان والرأفة تجاه الأعداء شيء صعب، بل أحيانا مستحيل، لا نملكه كبشر، إلا عندما تملء محبة الله قلوبنا نستطيع أن نحب الأخرين هذه المحبة. (أيقونة يوحنا بولس الثاني ومغفرته إلى على أغا).

قد يعجبك ايضا
اترك رد