إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

عظمة مريم في الكتاب المقدّس

0 307

بقلم: الكاردينال چون هنري نيومان

أعتقدُ أنّها موجودة في رؤيا المرأة والطفل التي وردت في الأصحاح 12 من سفر الرؤيا، وقد يُثار اعتراضان بشأن هذا الموضوع: أولاً: نُدرَةُ ما يُشير إلى ذلك في كتابات الآباء وأقوالهم، ثانياً: أنَّ نسبة هذا الإطار المُحيط بسيدتنا مريم (على حد تسميتنا لها) إلى عهد الرُسُل، يُعادلُ ارتكاب مُشابهة تاريخية.

بالنسبة للاعتراض الأول، أُجيب كما يلي:

المسيحيون لم يذهبوا أبداً للبحث في الكتب عن توضيح لعقائدهم ما لم تكن هناك حاجة مُلِّحَةٌ بدافع من خلاف معيّن، فإن كانت كرامة مريم في تلك الأزمنة موجودة باطمئنان لدى المسيحيين، فما الداعي للجوء إلى الكتاب المقدّس، بالتالي من وجهة النظر هذه، كانت العقيدة بالنسبة لهم كتاباً مختوماً.

كمثال قوي لإثبات هذا: الحزب الكاثوليكي في الكنيسة الإنجليزية ( مَنْ يُطلقُ عليهم “غير المُحلفين”،”non-jurors”) ليس أهلاً، بمقتضى نظرياته الدينية، لأخذ مكانه الصحيح في التقليد، كما أنّه يجدُ حرجاً في إثبات عقائده ويتخذ المعنى النقدي لتحليل وفهم حرف الكتاب المقدّس، الذي لا يُعطي للآخرين أيّة مؤشرات. ما يُحددهُ تفسيرهم هو هذا: أنَّ فيه قوة منطقية عظيمة، مع أنّه لا يعتمد على تعليقات الآباء وتأملاتهم.

ذلك هو استخدام الكلمة “poiein”، أو “اصنعوا” في تأسيس سرّ الإفخارستيا، التي تعني حسب لُغة العهد القديم معنى ذبائحي. كذلك أيضاً، كلمة “leiturgunton” في سفر أعمال الرسل، فهي أيضاً لفظاً يتعلق بالخدمة الكهنوتية، كما أنَّه توجد في رسالة القدّيس بولس إلى أهل رومية(15: 16)، كلمات مُختلِفة تُشير إلى الذبيحة الإفخارستية.

أيضاً، رسالة القدّيس بولس إلى عائلة أونيسيفوروس، نجد فيها التعبير التالي: أنّه بإتّباع الصلاة يمكنهم أن يجدوا رحمة لدي الربّ في يوم الدينونة، وبتفحص معنى الكلمات واستخداماتها في القرون الأولى، لا يُمكن إنكار أنّها صلاة من أجل خلاص النفس.

نأتي إلى الاعتراض الثاني، فأُجيب بأنّه يرتكز على واقع خيالي محض، وأنَّ الحقيقة موجودة في اتجاه مُخالِف تماماً.

صورة الأم والطفل ليست ابتكاراً حديثاً، بالعكس فقد تمَّ تمثيلها مرات كثيرة، كما يعرف كل مَنْ زار روما، في رسومات الكاتاكومب. يوجد هناك رسم لصورة مريم تحمل في حضنها الطفل، ويديها مضمومة في وضع الصلاة والطفل يتخذ وضع الذي يُعطي البركة. لا يوجد رسمٌ يُعبِّرُ عن كرامة الأم السامية أبلغ من هذا، وأريدُ أن أُضيف بأنّهُ يُعبَّرُ عن قدرتها لدى الابن. وإلا فلماذا إذن، يعتز المسيحيون جداً بتذكار الزمن الذي خضع لها ولماذا حافظوا عليه بإجلال؟

المسألة الوحيدة هي تحديد التاريخ الدقيق لهذه الآثار الهامة من العصر المسيحي الأول. إنّها بالتأكيد تعود إلى القرون التي يُسمّيها الأنچليكان قرون الكنيسة “غير المُنقَسِمَة”، بل أنّ بعض الأبحاث المتأخرة تُرجِعها إلى زمن أقدم بكثير. لا مجال هنا لذكر أعمال الفارس دي روسّي بتوسع، ذلك الباحث الذي ألقى ضوءً كبيراً على هذا الموضوع، لكن لديَّ كتابه “صور مُختارة” الصادر عام 1863، واعتبره كافٍ لتوضيح هدفي. في هذا الكتاب، يقدم لنا المؤلف رسومات تصويرية مختلفة للعذراء والطفل موجودة في الكاتاكومب، أحدثها يعود تاريخه إلى بداية القرن الرابع ولنّه يعتقد أنَّ أقدمها يعود إلى زمن الرُسُل. وقد توصل إلى هذا الاستنتاج بالارتكاز على الشكل التكويني والقصة والمكان، والكتابات المحفورة على الخلفية التي وجدت فيها الصور. ومع ذلك لم يُصرّ على تاريخ عتيق كهذا، لكن بينّ إمكانية أن يكون تاريخها راجعاً إلى زمان الأنطونيين، أي إلى زمن يمتد حوالي نصف قرن من نياحة القدّيس يوحنا.

إنّني، كما تفعلون أنتم إذ تتجادلون مع الپروتستانت، اعتبر العقيدة التي اعترفت بها الكنيسة في بداياتها، تفسيراً لنصوص الكتاب المقدّس، أو على الأقل عرض أو دفاع عن معنى تربطونا أنتم به، بغض النظر عمّا إذا كان تفسيركم تقليدياً أم لا، وهكذا يصبح الأمر مشروعاً بالنسبة لي حتّى وإن لم يكُن كلام الآباء في صفي رغم وضوحه. لذلك، سأرتكز في تفسيري على رؤيا القدّيس يوحنا الرسول وأُطبّقَهُ على صور الأم والطفل الموجودة في الكاتاكومب الروماني. كما أنّه يوجد مبدأ آخر لتفسير الكتاب المقدّس، شائع لدينا ولديكم أيضاً، ألا وهو حينما نؤكد بأنّ عقيدة ما موجودة في الكتاب المقدّس لا نقصِدُ القول بالضرورة أنّها موجودة بوضوح بألفاظ واضحة ونوعية، بل أنّه لا توجد طريقة أخرى تكون كافية لاعتبار لغة وتعبيرات الكاتب أو الكُتّاب المقدّسين المتعلقة بالمادة قيد البحث والتي تفترض أنّهم يعتقدون في الآراء التي نؤكدُ عليها، كأنها لا تقصد هذا الأمر ما لم يكن رأيهم مُخالفاً لرأينا.

إنّني شخصياً اختبرتُ صحة هذا المبدأ فيما يتعلق ببراهين الكتاب المقدّس عن الثالوث الأقدس، إذ لم أجد تلك العقيدة في المرجِع المقدّس بدون معونة التعاليم الواضحة الموجودة في التقليد، بل حينما تُعرضُ علينا نوصي بها كتفسير حقيقي بسبب ارتباطها بالنصّ، فليس هناك أي تفسير آخر للعقيدة يُمكن تطبيقه على ما كتبه هؤلاء الكُتّاب المقدّسين ويُمكن أن يُحِلَّ الغموض واللبس الظاهر في تعليمهم.

إذن، لنُطبّق الآن هذا المبدأ على نصّ سفر الرؤيا. إن كان هناك رسول من الرُسُل الأوائل يُمكننا أن نتوجّه إليه ونسأله عن مريم، لا بد وأن يكون القدّيس يوحنا، فقد سلمها له يسوع وهو يموت على الصليب، وكما يقول التقليد عاشت هي معه في أفسس إلى نهاية أيامها. وقد أكّد اللاحقون هذه القصة لأنَّ، كما سبق لي القول، أحد أقدم الذين كتبوا عن مريم وقالوا أنّها حواء الثانية هو القدّيس إيريناوس الذي جاء إلى ليون من آسيا الصغرى حيث كان في مدرسة تلاميذ القدّيس يوحنا. ها هي الرؤيا التي رآها الرسول:

“وظَهَرَت في السماء آيةً عظيمة امرأة مُلتَحِفَة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً*وهي حُبلى تصيح وتتمَخَّض وتتوجَّع لِتَلِد*وظهرت آية أخرى في السماء إذا بتنّين أشقر عظيم لهُ سبعة أرؤس وعشرة قرون وعلى أرؤسِه سبعة أكاليل* وقد جَرَّ ذَنبه ثُلث كواكب السماء وألقاها على الأرض ووقف التنين قُبالَة المرأة المُشرِفَة على الولادة ليبتلع ولدها عندما تَلِدَهُ.*فولَدَت ولداً ذكَراً هو مُزمع أن يرعى جميع الأمم بعَصاً من حديد فاختُطِفَ ولدها إلى الله وإلى عرشه *وهَرَبَت المرأة إلى البرّيّة”( رؤ12: 1-6).

لا أُنكِرُ أنَّ صورة المرأة تعني الكنيسة، لكنّ ما أُريد إثباته هو أنَّ الرسول لم يَكُن ليتكلم عن الكنيسة بهذه الصورة الخصوصية لو لم تكُن مريم موجودة، وقد أُشيدَ بها كموضع لإكرام جميع المؤمنين. لا أحد يشكّ في أنَّ “الطفل” يُشير إلى ربّنا، فلماذا إذن، لا تكون “المرأة” إشارة إلى مريم؟ بكل يقين أقول أنَّ هذا هو المعنى الواضح للكلمات، بل أنَّ هناك معنى أسمَى ألا وهو غاية الصورة، فبلا شكّ الطفلُ يُمثّلُ أباء الكنيسة وبلا شكّ أيضاً المرأة تُمثّلُ الكنيسة. أعترفُ بأنَّ هذا هو المعنى المُباشِر والفوري، لكن ما معنى الرمز؟ مَنْ تكون المرأة؟ ومَنْ يكون الطفل؟ أُجيبُ: إنّهما ليسا تجسيداً وتصويراً بل أشخاص حقيقيين، فهذا صواب بالنسبة للطفل وبالتالي يكون صواباً بالنسبة للمرأة أيضاً. أيضاً، الرؤيا لم يكن فيها المرأة والطفل فقط، فقد وُجِدَت فيها الحية أيضاً، وذلك اللقاء بين الرجل والمرأة والحية لم نراه في الكتاب المقدّس بعد القصة التي أوردها سفر التكوين، أمّا الآن فهو موجود عند النهاية فقط. زِد على ذلك، أنّه في نصّ سفر الرؤيا، وكأنّه استكمال لما كان ينقُص الكتاب في بدايته، يُقال للمرة الأولى أنّ الحية الموجودة في الفردوس الأرضي كانت هي الروح الشرير. إن كان التنين الذي يتكلّم عنه القدّيس يوحنا هو نفسه الذي تكلم عنه موسى، والطفل هو “نسل المرأة” فلماذا لا تكون المرأة هي تلك التي يولَدُ منها الطفل؟ وإن كانت المرأة الأولي ليست تعبيراً مجازياً أو كناية فلماذا تكون الثانية هكذا؟ إن كانت المرأة الأولى هي حواء، فلماذا لا تكون الثانية هي مريم؟

بل أنَّ هذا ليس كل شيء، فصورة المرأة، حسبما جرت العادة في الكتاب المقدّس، جريئة وبارزة وبالتالي فهي أكثر من أن تكون مجرد تمثيل أو كناية، فالكتاب المقدّس لا يتخذ الاستعارات والكنايات بسهولة. بالتأكيد، الكتاب المقدّس يتخذ الكثير من التصويرات، كما حدث حين تكلّم الكُتاب المقدّسون عن أورشليم أو السامرة بصيغة المؤنث، أو عن الجبال التي تقفز فَرَحاً، أو عن الكنيسة كعروس أو كَرْمَة، لكنّ هذا كلّهُ يصعُبُ أن يؤدي إلى أفكار مجرَّدَة أو مُعَمَّمَة بأن تكون شخصية. فهذا بالأحرى، هو الطابع السائد لدى التقليديين، لكنّه ليس طابع الكتاب المقدّس. سينوفونت وضعَ هرقل في حالة بين الفضيلة والشهوة ومَثَّلَهما كامرأتين، وأسخيلوس قدَّم القوة والعنف في قصته، وڤرجيل أسبغَ شخصيةً على الضجيج الشعبي أو الشُهرَة، وپلاوتوس أعطى شخصية للفاقه (الفقر). وهكذا الحالُ أيضاً في الآثار القديمة، إذ نرى فيها الفضائل والشهوات والأنهار والشُهرة والموت …إلخ، مُمَثَّلَةً بأشخاص رجال ونساء. لا أقول بأنَّهُ لا توجد أمثلة كهذه في الكتاب المقدّس، لكنني أؤكد أنَّ تلك المؤلَّفات الشعرية لم تكن في سياق الطريقة العادية لها. هناك أيضاً اختلاف في طابع الآباء، ونلاحظ هذا الاختلاف عن الكتاب المقدّس حينما نستعرض قصة راعي إرما فنجد فيها الكنيسة ممثَّلَةً في صورة امرأة، وأيضاً القدّيس ميثوديوس الذي يُصوّر الفضيلة كامرأة، والقدّيس غريغوريوس الذي يصور في قصيدته البتولية في صورة امرأة.

الكتاب المقدّس يَغلُبُ فيه استخدام التصويرات، فإسرائيل يرمز للشعب المُختار، وداود يرمز إلى المسيح، وأورشليم ترمز إلى السماء. ولنتأمل التصويرات الدرامية الموجودة في أسفار أرميا وحزقيال وهوشع، أي الضياع والتهديدات والمواعيد التي صوَّرَها الأنبياء. هكذا حَلَقَ حزقيال شعر رأسه ولحيته وقَسَّمَهُ وبدده (حز 5)، ومزَّقَ أحيّا ثيابه وأعطى عشرة أقسام من الاثني عشر قِسماً لرُبعام.

بالمِثل، بُنيان سفر الرؤيا ليس مجرد تصوير استعاري محض، بل هو موجود في العادة شبه الطقسية التي كانت لدى اليهود. وهكذا أيضاً كانت العلاجات التي استخدمها يسوع لشفاء الأجساد نماذِجاً لسُلُطات نعمته على النفس، ونبوءته عن يوم الدينونة وصفها بأنّها سقوط أورشليم، كما أنَّ كلماته لم تكن خيالية ببساطة، بل كانت ربطاً لأحداث وقعت حقيقةً أو يُمكن حدوثها وقد استخدمها للتعبير عن معنى روحاني. أوصاف الحكمة في سفر الأمثال، وفي الأسفار المقدّسة الأخرى، قادت الباحثين في هذا الاتجاه، فقد أدركوا أنّه لا يُمكن أن يكون تجسيداً وأكدوا بأنّها ليست تصويرات بل هو الربّ، وقد برر آخرون ذلك التفسير من خلال طريقته اللغوية الأكثر تحديداً. كما أنّه، حينما استخدمها الآريوسيون لإنكار ألوهية المسيح، قام الباحثون، الذين لم يكن بإمكانهم أن يسمحوا بوجود فكرة الاستعارة المحضة، بتطبيق الوصف على مريم العذراء.

إذ أعودُ إلى سفر الرؤيا، أسأل: إن كانت المرأة يتحتم أن تكون شخصاً واقعياً، فمَنْ تكون تلك التي رآها الرسول سوى الأم العظيمة التي أشارت لها أصحاحات سفر الأمثال؟ أرغبُ أيضاً في الإشارة إلى أنّه في هذا النص، بالتلميح إلى الخطيئة الأصلية، يُمكن أن نقول أنَّ مريم قد صُورَت بنفس خصائص حواء الثانية.

ملاحظة أخيرة: قد يُثار في بعض المرات سؤال: لماذا لم يذكُر الكُتّاب المقدّسون أبداً عظمة مريم؟ وأُجيب بأنّها كانت على قيد الحياة أو يُحتمل ذلك، حينما كتب الرسل والإنجيليون أسفارهم، فهناك سفر واحد فقط في الكتاب المقدّس كُتِبَ بعد نياحتها، وهذا السفر أدرجها في عداد القدّيسين العُظماء. لكن إن كان الحال هكذا، إن كانت العذراء الطوباوية حقاً هي التي صورها الكتاب المقدّس كامرأة مُلتحفة بالشمس وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً، والقمر تحت قدميها، فأيّة عظمة وأي مجد لا يُمكن أن يُنسَبَ إليها؟ وماذا يُمكن أن نقول عن أولئك الذين، بجهلهم، يرفضون صوت الكتاب المقدّس وشهادة الآباء والتقليد المقدّس في الشرق وفي الغرب، ويتكلّمون ويتصرَّفون باحتقار تجاه تلك التي ارتضى الربّ بأن يكّرِّمها؟

 

قد يعجبك ايضا
Loading...