إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

مسيرة تلميذي عماوس (2)- الانطلاق

0 919

لِكْ لِكَا: اِنطلق

تحدثنا في اللقاء الأول عن دعوة يسوع للتلميذين بالانطلاق: لِكْ لِكَا.  نُذكر بأن الكلمة لها معنيان. الأول: هو الترك المادي، للأرض، العائلة، العشيرة. وأوضحنا إن دعوة للتكريس تحمل في عمقها هذا الطلب “بالانطلاق” والتخلي عن حياة طبيعية معتادة. وتكشف لنا الأحداث أن ما فهمه كافة المُختارين في البداية، كإبراهيم والرسل وتلميذي عماوس، هو هذا المعنى: الخروج من الحيز الجغرافي، والانطلاق نحو مكان آخر، والتخلي عن العائلة والأرض والممتلكات.

تخلى تلميذي عماوس، موضوع تأملنا في هذه الأيام، عن حياتهم الطبيعة المُعاشة لأجل اتباع المسيح. وطافا في كل القرى والمدن مبشرين بالملكوت، وعملا بما أوصاهم يسوع. عاد إلى يسوع وهم فرحى بكل ما صنعته يداهما أثناء الرسالة: “يا رَبُّ، حتى الشَّياطينُ تَخضَعُ لنا باَسمِكَ”. إلا أن يسوع لم يشاركهم الفرحة بالرسالة، ودعاهم إلى نوع أخر من “الانطلاق”، انطلاق إلى العمق، إلى داخل النفس البشرية، إلى لقاء حقيقي مع الله: ” ولكِنْ لا تَفرَحوا بأنَّ الأرواحَ تَخضَعُ لكُم، بلِ اَفرَحوا بأنَّ أسماءَكُم مكتوبَةِ في السَّماواتِ”.

مشكلة الحياة المُكرسة اليوم هي في هذه النقطة بالذات. يكتفى المكرسون بالانطلاق الخارجي، بالتخلي عن العائلة والأرض والممتلكات، يفرحون بتحقيق نجاحات في مجال الرسالة والكرازة. نفرح ببناء كنيسة، بتنظيم أنشطة كنسية ومؤتمرات للشبيبة والشباب، نفرح بخضوع الشياطين لنا، نفرح بمساعدة الفقراء أو تعليم الأطفال أو العناية بالمرضى. كل هذه الأنواع من الفرح فيها الكثير من السمو بالتأكيد ولكنها ليست أساسًا كافيًا للحياة المكرسة. فالتجرد الجذري الذي تتطلبه الحياة المكرسة لا يمكنه أن يكون الثمن الذي نحن على استعداد لدفعه بفرح إلا عندما يكون يسوع قد أغوانا. فالمسألة هنا التجرد من أجل الارتباط.

يتذكر المكرسون بفرح مظاهر التخلي التي رافقت إبراز نذورهم الرهبانية. لكن ليس الفرح في التخلي عمّا أملكه (الفقر)، وعما أقرر أن أفعله (الطاعة)، وعما أرغب فيه (العفة)، ليس الفرح في رسالتي وخدمتى التي أقوم بها من أجل الكنيسة، إلا إذا كان شخص يسوع قد أصبح هدفي الوحيد، ومَثلي الأعلى الوحيد ورغبتي الوحيدة: “مِنْ أجلِهِ خَسِرتُ كُلَ شيءٍ وحَسَبتُ كُلَ شيءٍ نِفايَةً لأربَحَ المَسيحَ… وأيضًا “أشارِكُهُ في آلامِهِ وأتشَبَّهُ بِه في موتِهِ” وأعرفه وأعرف قوة قيامته (فليبي 3: 7). النفاية ليست التخلي المادي، بل عن كل شيء، خاصة مجد الرسالة، هكذا يبدأ بولس كلامه: “وفي التقوى حسَبَ الشَّريعةِ، فأنا بلا لومٍ“. لا معنى لكل الكرازة التي أقوم بها، أو الرسالة التي أضطلع بها ما لم تكون ثمرة للقاء شخصي حقيقي مع يسوع، كما حدث مع تلميذي عماوس، لقد عاد إلى أورشليم بعد هذا اللقاء الذي مس كيان كلٍ منهما.

لم يفهما تلميذي عماوس إلى كلام يسوع بضرورة التركيز على ما هو أعمق، على ما إذا كانت أسمائهم مكتوبة في ملكوت السموات. ويظهر هروب التلاميذ، بعد القيامة، إنهما تبعا المسيح وأصبحا تلميذين له، وأرسلهم إلى القرى ليبشارة به، لكنهم لم يصلا إلى العمق. اكتفيا فقط بالتخلي الخارجي عن الحياة الطبيعة، لكن لم يفهما دعوة يسوع بأن السعى لكتابة أسمائهم في ملكوت السموات، وهذا هو الفرح الكامل للمكرسين.

ليس هناك فرح حقيقي ودائم إلا إذا كان ثمرًا للألم وثمن حب على استعداد أن يُعطى كل شيء وأن ينكر حياته. وهذا لا يكون إلا من خلال العودة إلى الذات. كما يُعلم القديس فرنسيس في القانون الغير مثبت 17: 5- 8، عندما يوجه كلامه إلى الوعاظ: “إِلى جَميعِ إِخْوَتي الوُعَّـاظِ، ..أَنْ يَجْهَدوا في الاِتِّضاعِ في كُلِّ شَيءٍ، وَأَلاَّ يَتَباهَوا، وَأَلاَّ يَفْرَحوا في ذَواتِهِم، وَأَلاَّ يَفْتَخِروا داخِلِيّاً بالأَقوالِ، وَالأَعمالِ الصَّالِحَةِ، وَبِأَيِّ خَيْرٍ، عَلى الإِطلاقِ، يُحَقِّقُهُ اللهُ، أَوْ يَقولُهُ، وَيَعْمَلُهُ، أَحياناً، فيهِم وَبِهِم، حَسَبَ قَوْلِ الرَّبِّ: ”لا تَفْرَحوا بِأَنَّ الأَرواحَ تَخْضَعُ لَكُم“.وَلْنَعْلَمْ عِلْمَ اليَقينِ أَنَّ لا شَيءَ يَخُصُّنا، سِوى رَذائِلِنا وَخَطايانـا. وَعَلَيْنا، بالحَرِيِّ، أَنْ نَبْتَهِجَ، عندَما نَقَعُ في مَضايِقَ مُخْتَلِفَةٍ، وَعندَما نَتَحَمَّلُ كُلَّ أَنواعِ شَدائِدِ النَّفْسِ أَو الجَسَدِ وَضِيقاتِهِما، في هَذا العالَم، مِنْ أَجْلِ الحَياةِ الأَبَدِيَّة”.

الانطلاق ليس هو التخلي فقط… بل العودة إلى الذات

المعنى الثاني للكلمة العبرية: “لِكْ لِكَ” تعني العودة إلى الذات. ما المقصود بالعودة إلى الذات: هي ارتداد إلى عمق النفس البشرية حيث الله حاضر في عمق كيان الإنسان.  الله حاضر هناك، هو عمانوئيل (راجع أش 7، 14)، هو الله معنا وفينا، يضع خيمته في قلوبنا وفي صلب بشريتنا.

الانطلاق إلى عمق كيانا البشري هي المسيرة الأكثر صعوبة التي يمكن أن يسير فيها الإنسان في حياته، وهي المسيرة الوحيدة القادرة على تغييره. كل الخبرات الروحية يكون لها معنى فقط متى قادت الإنسان إلى هذه “الواحة” التي فيها يتلاقي الله بالإنسان. تتطابق الصورة “الإنسان” مع الأصل الإلهي الذي خُلقت وصُنعت وفقا له (كالباذل الذي يجد مكانه). والمشكلة إن الإنسان يحمل في داخله تلك “الواحة”، كاللؤلؤة الثمينة، لكنه يجهلها، كليًا أو جزئيًا.

هي رحلة لاكتشاف النفس، فلكي أستطيع أن أقول: “إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَرْفَعُ نَفْسِي” (مزمور 25: 1)، لا بد أن يكون لي علاقة وتواصل مع نفسي هذه! فالإنسان يُقدم ما يملك، وإذا كنت لا أملك ولا أتمالك نفسي، فماذا أقدم للرب؟

فالمسيرة الروحية ترتكز، قبل شيء، على عدم “نفي” النفس من الحياة الروحية. فالكثير من مسيرات الحياة الروحية تنقطع ولا تستمر، لأن الإنسان لم يعيش هذه الحياة الروحية بحضور شخصي أصيل، ولم يعانق أعماق النفس ولم يُشركها في خبرة الله بشكل كامل. الحياة الروحية تحتاج إلى قطبين لا يمكن الفصل بينهما: الله والنفس. لا يمكننا أن نلتقي بالله على هامش ذواتنا. والارتداد الأول إلى الذات هو إذا ختم “شخصنة” الحياة الروحية.

لدينا في هذا الصدد شهادة مؤثرة في القديس أغسطينوس العظيم، الذي يدعو في إحدى خطاباته المؤمنين إلى أن يكونوا حاضرين أمام الحاضر الدائم، أمام الرب: “أدخلوا إلى قلوبكم! أين تريدون الذهاب بعيدًا عن ذواتكم؟ إذا ذهبتم بعيدًا ضعتم.

من هنا نفهم لماذا ذكر البابا يوحنا بولس الثاني في رسالته “الإيمان والعقل” أن المسيرة الروحية تمر من خلال الـ “gn­­ōthi seautón”) اعرف نفسك). فإنجيل توما المنحول يضع على فم يسوع هذه الكلمات: “من يعرف كل شيء ولكنه لا يعرف نفسه، يجهل كل شيء” (لوغيون 66). هذا وإن معرفة الذات ليست مجرد معرفة مجردة، بل هي معرفة اعتراف بالواقع الشخصي المحدود والذي يتمتع بتوق مطلق يتجاوز المحدودية الشخصية. وهذا الاعتراف هو ضروري لعيش الحياة الروحية لا كهواية بل كعشق إلهي شغوف، أصيل وكليّ.

لقد قيلت عبارة “فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ” في مثل الابن الضال عند تفكيره في عودته إلى أحضان أبيه (لوقا 15: 17). فبالرجوع إلى النفس يصعد الإنسان إلى الله، هو تفتيش عن ملكوت الله في الداخل: ” مَلَكُوتُ اللهِ دَاخِلَكُمْ” (لوقا 17: 21). والرجوع إلى النفس لا يعنى فقط، الاختلاء وحفظ الصمت، بل الوصول إلى مرحلة من السكون، أي التفريغ المتزايد للذات، وتعرية العقل من الصور البصرية والمعلومات والتأمل في نقاوة الله.

الله في عمق أعماق الإنسان

الإنسان مدعو لاكتشاف حياته الباطنية، إلى الدخول إلى ذاته، ومن خلال أكتشاف حياته الباطنية ينفح على حياة الله القائمة داخله. هكذا يُعلم يوحنا الذهبي الفم: “من يجد الطريق إلى حياته الباطنية يكتشف الباب المؤدي إلى ملكوت الله داخله”. فهدف العودة إلى الذات هو اكتشاف الله في عمق أعماق الإنسان، استنارة القلب بالنور الإلهي، هذا ما عبر عنه القديس أغسطينوس  في نص شهير إذ يقول: “لا تخرج إلى الخارج، بل ادخل إلى ذاتك: ففي الإنسان الباطني تقطن الحقيقة. وإذا اكتشفت أن طبيعتك متبدلة، فتجاوز نفسك. وتوجه إلى حيث ينعكس نور العقل“.

النص الأغسطيني يتألف من جزئين: الجزء الأول هو الولوج إلى الذات، فهم حياتنا الباطنية، ليس هو الهدف، فأنا لا أصلي أو أختلي بذاتي لأجل أن أشعر بتحسن وتُحل مشكلاتي، وإنما ليفتح القلب على النور الإلهي الذي ينعكس داخل أعماقي، لأجل التجاوب مع حب الله لي، لتجلي صورتي كالأصل الذي خُلقت عليه. ومن هنا الجزء الثاني، الانفتاح على الكلمة، على النور الذي ينبع منه وجودنا. ومن هنا يدعو القديس أغسطينوس إلى الاعتراف: “اعرف أنك لست أنت الحق، وإلا لما كنت لتبحث عن الحق!”.

كيف ندخل إلى العمق

حزقيال 47: 1 – 5

هناك خطوات عملية للدخول إلى الذات والتقرب إلى الله الساكن في عمق كيان الإنسان. يمكن تلخيصهم في أربع خطوات يتكلم عن أربع مراحل أساسية للدخول إلى العمق الروحي، منطلقين من الفقرة المذكورة من سفر حزقيال.

العمق الأول: المياه إلى الكعبين (حزقيال 47: 3)

يتناول النص جدولا للمياه يخرج من تحت عتبة الهيكل نحو المشرق من الجانب الأيمن عند جنوب المذبح. تتعاظم المياه لتصبح قناة صغيرة، تتحول إلى نهر لا يمكن اجتيازه إلا سباحة. على جانبي النهر تنمو أشجار كثيرة، ويعج النهر لأنواع مختلفة من الأسماك. يصب النهر في النهاية في البحر الميت ويحول مياهه المالحة إلى مياه عذبة. كل نفس حية تزحف حيث يجري النهر تحيا، وكل ما يبلغ إليه النهر يحيا. وعلى شاطئه من هنا وهناك ينبت شجر تؤكل ثماره، ولا يزيل ورقه ولا ينقطع ثمره، بل يعطي بواكير جديدة باستمرار.

لكن ما هي طبيعة هذه المياه؟ المياه هي عنوان الحياة، هي الدليل على وجود الحياة.. ولكن ما هي طبيعة هذه المياه المحيية؟

ترمز المياه التي تخرج من تحت عتبة الهيكل إلى العلاقة مع الله التي يقودها الروح القدس: “إنْ عَطِشَ أحَدٌ، فليَجئ إليَّ ليَشرَبَ. ومَنْ آمنَ بـي، كما قالَ الكِتابُ، تَفيضُ مِنْ صَدرِهِ أنهارُ ماءٍ حيٍّ” (يوحنا 7: 36- 37). وقد فسر يوحنا اشارة الماء بأن الروح القدس: “وعَنى بِكلامِهِ الرُّوحَ الذي سَينالُهُ المُؤمِنونَ بِه، فما كانَ الرُّوحُ أُعطِـيَ حتى الآنَ”. الروح القدس هو النهر الصافي الذي نقرأ عنه في آخر كلمات الوحي الإلهي، في سفر الرؤيا: “ثُمَّ أراني الملاكُ نَهرَ الحياةِ صافِيًا كَالبلَّورِ يَنبَعُ مِنْ عَرشِ الله والحَمَلِ”.

الانطلاق إلى الذات لاكتشاف روح الله بعمق كيان الإنسان هي مسيرة شاقة مكونة من أربع درجات متتابعة تتقابل مع رؤية حزقيال النبي. فالإنسان الروحى فى بداية حياته الروحية تكون له رغباته التى هى قد تكون ضد مشيئة الروح القدس. ويقاوم بإرادته تيار الروح القدس. يمكن التعبير هنا عن مشيئة الإنسان بمفاصل الرّجِل، فالرّجِل هى التى تقود الإنسان فى سيره. ومع حداثة الإنسان الروحى لا يكون فى العمق وكأن المياه تغمر الكعبين فقط محاولة أن تظهر له إتجاه التيار ولكن يكون للإنسان الحرية والمقاومة حتى لا يسير فى إتجاهه. وكلما دخل الإنسان الروحى للعمق يزيد عمق المياه. والعمق هنا هو الدخول في علاقة أعمق مع الله المُعبر عنها برقم 1000 ذراع. وكلما زاد عمق المياه يزداد توجيه الروح القدس للشخص وتصل المياه للركبتين مما يجبره على السير فى إتجاه التيار لإحساسه بمقاومته.

فى كمال العمق الروحى يحس الإنسان وكأنه محمولاً بالروح القدس هو يسيره حسبما يشاء وقارن مع أش 33 : 21- 22 “حَيثُ الرّبُّ يُظهِرُ عَظمَتَهُ، وحَيثُ الأنهارُ والضِّفافُ الواسِعةُ، لا يسيرُ فيها قارِبٌ بمِقذافٍ ولا يَعبُرُها مَركبٌ عظيمٌ، لأنَّ الرّبَّ حاكِمُنا ومُشتَرِعُنا، ومُخلِّصُنا هوَ ومَلِكُنا” فالقارب بمقذاف أى القارب الذى له إمكانية توجيه نفسه والسفينة العظيمة لها دفة وأشرعة تسير أينما تريد. ولكن الله لنا نهر يحملنا إلى حيث يريد هو.  يتفق هذا مع قول السيد المسيح لبطرس “كُنتَ، وأنتَ شابًّ، تَشُدُّ حِزامَكَ بِـيَدَيكَ وتذهَبُ إلى حَيثُ تُريدُ. فإذا صِرتَ شيخًا مَدَدْتَ يَدَيكَ” (يو 21 : 18). ليس الاشارة هنا فقط لطريقة الموت التي سيعانيها بطرس، بل إلى دخوله إلى العمق في علاقته مع الله، يدخل إلى كمال العمق الروحي، إلى أن يصل إلى أن تحمله المياه المقدسة. وهذا معنى “لتكن لا إرادتى بل إرادتك” وهذا ما نصليه دائماً لتكن مشيئتك”.

كما يَشتاقُ الإِيَّلُ إلى مجاري المياهِ، كذلِكَ تشتاقُ نفْسي إليكَ يا اللهُ (مزمور 41: 1)

يفيض نبع المياه بوفرة لمن يطلبه ويشتاق إليه كالآيائل. فمن يتذوق من هذا النبع لا يعطش أبدًا. هو نهرٌ صافي يعطي السلام والفرح، ويحول المياه العكرة والمالحة إلى مياه عذبة، بالرغم من صعوبات الحياة. تبنت على ضفافه أشجار كأشجار عدن، تعود بالإنسان إلى حالته الأولى، قبل الخطيئة، وهو في علاقة حميمة مع الله.

لكن كيف يصل الإنسان إلى هذه النبع وكيف يستقى منه ماء الحياة، حيث يُشبع حاجته إلى السلام والفرح الحقيقي. كيف يصل إلى تلك الحجرة السرية داخله حيث يكمن ملكوت السموات وحضور الله وروحه القدوس.

لا يكفي التفكير في ملكوت الله حتى يتمكن الإنسان من الدخول إلى هذا العالم الخفي، ولا تكفي أشكال الصلاة المُعتادة. لا يكفي أن تفكر في غوص المياه، دون أن تتعلم مهارات السباحة. فالله لا يُعجب فقط بأفكارنا حول قداسته وعظمته، بل يريدنا أن نتحد بذاته الإلهية. كمثل الخطيب الذي لا يكتفي فقط باتصالات وفهم خطيبته، بل أن يتزوجها وحملها إلى بيته، والبقاء معها إلى الأبد. كما يُعلم القديس فرنسيس في رسالته الأولى لكل المؤمنين: “نكونُ عَرائِسَ عِنْدَما تَتَّحِدُ النَّفْسُ المُخْلِصَةُ، بِوَاسِطَةِ الرُّوحِ القُدُسِ، بِرَبِّنا يَسوعَ المَسيح” (8).  فالعقل غير مفيد في هذه الحالة، بل يجب أن نلجأ إلى تلك الحجرة السرية، التي تحدث عنها يسوع في عظته على الجبل: “أمَّا أنتَ، فإذا صَلَّيتَ فاَدخُلْ غُرفَتَكَ وأغلِقْ بابَها وصَلٌ لأبيكَ الَّذي لا تَراهُ عَينٌ” (متى 7: 6). هي ذات الإنسان، وليس قلبه الخاضع لمشاعر متقلبة، هي عمق أعماقه.

قبل أن أقترح منهجًا للغوص في ذاك النبع الصافي، هناك خطوة تمهيدية على الإنسان القيام بها قبل أن تلامس قدماه المياه. الاشتياق لقيام بهذه الخبرة الروحية مع الله.

الرغبة في النزول إلى المياه

فالمُكرس المكتفى بذاته، المُعجب بما يقوم به من أعمال وأنشطة داخل الكنيسة، لا تتوافر لديه الرغبة في خوض تجربة الدخول إلى العمق من الأساس. يخاف من الاختلاء بذاته ويخشى الصمت، لا يجتهد للبحث عن ملكوت الله داخله. يعمل ويجتهد في حقل الربّ لكن يخشى الدخول إلى العمق. يخشى ا لدخول إلى عمق المياه، يبقي على الشاطئ تلامس قدماه المياه، لكنه سيظل بعيدًا عن خبرة السباحة الحقيقة، خبرة الغوص في المياه بثقة، تاركًا المياه (الروح القدس) يحمله كيما يشاء.

الاشتياق يعنى أن نتحول من الكلام عن الله، إلى الرغبة في الدخول في علاقة فريدة معه. هل لدينا الاشتياق لخوض تجربة الدخول إلى العمق. لقد كان لتلميذي عماوس هذه الرغبة القوية بقولهما للرب يسوع: “أقِمْ مَعَنا، لأنَّ المَساءَ اَقتَرَبَ ومالَ النَّهارُ!”.

رغبا التلميذان في المكوث معه أطول فترة ممكنة، إلى الدخول معًا إلى ذلك المكان منفردين، بعيدًا عن طريق المسافرين المكتظ بالناس. هما مثال للمكرسين الذي “يسيرون” مع يسوع دون أن يعرفوه، الذين يفتشون الكتب ويجدون فيها معاني وعبر تصلح في التأثير على العامة من الناس من خلال “العظات والمحاضرات” لكن لم يمكثا معه أبدًا، لم يدخلا إلى العمق، لم يكتشفاه في عمق ذواتهم، لم يتعرفا عليه.

كيف هي حياتك؟ هل سعيت لأن تعرفه، أن تنطلق إلى عمق ذاتك وتتلاقى معه؟ أم مشغول عنه برسالتك، بأعمالك (التي هي جيدة)؟

فالكلام عن الله دون لقاء شخصي حقيقي في عمق كيان الإنسان له تأثير وقتي سرعان ما يزول. لنتخيل معًا أن قصة التلميذين تنتهيان في منتصف الطريق، بعد أن مال النهار أنصرف يسوع عنهما. ماذا كان سيحدث؟! من الطبيعي أن يكملا خطة سيرهما إلى عماوس، أن يكملا مسيرة حياتهم وهم يتكلمان عن يسوع دون أن يعرفاه ويتلاقيا معه. يساعد الكلام عن الله في إزالة القشور التي غطت أعين التلميذين، فشعرا بالحاجة إلى الدخول إلى العمق، فطلبا من يسوع أن يمكث معهما.

هل لديك الرغبة في أن تخوض التجربة، أن تدخل إلى العمق لتكتشف الله الساكن فيك؟

كيف نبدأ المسيرة نحو تلك “الواحة”

الرب نفسه قد أسس هذه الطريقة في معرفته بقوله: كُلَّ مَن يَسأَلُ ينال، ومَن يَطلُبُ يَجِد، ومَن يَقرَعُ يُفتَحُ له (لوقا 11: 10). اقرعوا: هذا هو الخطوة التمهيدية التي يعد الله بإنه سيستجب مباشرة متى قام بها الإنسان: يُفتح لكم. و”خبط الباب” يعنى الطرق عليه مرات متتالية، يُفيد الاستمرارية والإصرار على القيام بتلك التجربة.

والقرع على الباب لا يعنى أن نتلو بعض الصلوات المحفوظة أو القيام ببعض الابتهالات. بل على العكس فالإنسان في حاجة إلى أسلوب العشار القارع صدره بكلمتين اثنتين دون زيادة. فالكلمات الكثيرة تُشتت العقل وتملئه بخيالات كثيرة، لكن الكلمة الوحيدة تساعد الإنسان على التركيز المطلوب.

القديس تريزا دافيلا، توصى بأن تكون كلمة حب أو جملة قصيرة، تكرر، ليس بطريقة آلية، بل تضرع عذب، تلذذ بالمعنى. فتنطق الكلمة بحب وتلذذ ومتى شرد الإنسان بأفكار أخرى، يعود فيردد الكلمة التي اختارها بكل هدوء. على سبيل المثال: نستخدم أسلوب والد الصبي الذي فيه روحٌ نجس، في إنجيل مرقس، لنؤكد إلى الرب إيماننا مع طلب تقويته وتثبيته لأنه يبقى دائمًا ناقصًا. “عِندي إيمانِ! ساعِدْني حتى يَزيدَ” (مرقس 9: 24). أو “لتكن مشيئك”.

هناك كلمة قوية تلامس قلب الله، والتي بها نقرع على بابه ونسأل فيُسجاب إلينا. فالحقيقة ليس هناك كلمة يمكن أن تعبر عن الله تعبيرًا كاملاً عن شخصية الله، كما يُعلم آباء الصحراء المصريين، سوى اسمه.

اسم الله هو مفتاح الدخول إلى العمق

فلقد أعطى الرب ذاته اسمه للبشر ليقودهم إلى علاقة قوية معه. الكتاب المقدس غني بمواقف ينادي فيها بقوة الاسم الإلهي: في المزمور 8 “أيُّها الرّبُّ سَيِّدُنا، ما أعظمَ اَسمَكَ في كُلِّ الأرضِ”، وأيضًا في نشيد الأناشيد: “واَسمُكَ عِطرٌ مُراقٌ” (نشيد الأنشاد 1: 3). استخدم القديس فرنسيس هذه الطريقة في الصلاة التي كان يوجهها إلى الله: ” الذي هو وحده صالح، ورؤوفٌ، وديعٌ، وعذبٌ، وحلوٌ، الذي هو وحده قدوس، وعادلٌ، وحقٌّ، وقدّوسٌ، ومستقيمٌ. المبارك، والمُسبَّحُ، والمُمجَّدُ، المرفوع، السّامي، والمُتعالي، العذبُ، والمحبوبُ، واللّذيذُ (صلاة التسبيح).

اسم يسوع الذي أُعلن للعذراء يحتل أهمية كبيرة في الأدب النسكي: ” اَبنًا تُسَمِّينَهُ يَسوعَ” أليس يعنى “الله يُخلص”. يمكن أن نستخدم: “يا يسوع المسيح”، “يا يسوع الحلو”، “يا يسوع الوديع والمتواضع القلب”. هو الاسم الذي تَنحَنِيَ لاَسمِ يَسوعَ كُلُّ رُكبَةٍ في السَّماءِ وفي الأرضِ وتَحتَ الأرضِ” (فيلبي 2: 9- 10)؛ “فما مِن اَسمِ آخَرَ تَحتَ السَّماءِ وهَبَهُ الله لِلناسِ نَقدِرُ بِه أنْ نَخلُصَ” (أعمال 4: 12)؛ ”فمَنْ دَعا باَسمِ الرَّبِّ يَخلُصُ” (أعمال 2: 21).

في المرحلة الأولى من هذه الرحلة الروحية. تُغطي المياه، فقط الكعبيين، ويبقي الجسم كله خارج الماء، يقاوم اتجاه التيار. هكذا سيجد الإنسان مقاومة كبيرة تتمثل في التشتت والإنشغالات الإدارية ومتطلبات الحياة وتمنعه ممن الولوج إلى عمق المياه. علينا أن نغامر متى أردنا أن نعرف الله حقًا. الله ينتظرك هناك.

الله ينتظرك دائمًا.. الله يتنظر خطوتك الأولى في تلك المياه الشافية، القادرة على تحويل المياه المالحة إلى مياه عذبة، عندما تُغرز حياتك على ضفافها ستعطى ثمرًا ناضجًا دومًا. ستزهر حياتك.. الله في انتظارك!

قد يعجبك ايضا
اترك رد