إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

عيد انتقال العذراء بالنفس والجسد

0 981

اليوم هو عيد انتقال سيّدتنا مريم العذراء . هذا العيد هو أقدم الأعياد المريمية، وتم إعلانه رسميا من قداسة البابا بيوس الثاني عشر، عام 1950. فيه نحتفل بانتقال السيّدة العذراء مريم، أم الله، والدة المخلص، بنفسها وجسدها إلى السماء. ونتأمّل تكليلها ملكةَ السماء، منتصرةً مع ابنها الإلهي للأبد، في السماء، في الفردوس.

ما هو سبب إجماع مؤمنين الكنيسة في شرقها وغربها على هذه العقيدة، انتقال مريم إلى السماء؟

ما هو فضلٌ مريم؟ هل لأنها أمٌ الله، والتي حُبل بها بلا دنس أصلي، حظيت مريم بهذا المجد؟ فسفر الرؤيا يُظهر مريم بهذه الصورة: “وظَهَرَت في السماء آيةً عظيمة امرأة مُلتَحِفَة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكباً” (رؤ 12: 1).

في البداية اتذكر موقفًا روته لي إحدى السيدات، لتلك السيدة أختٌ راهبة تكبرها بسنوات. حدث هذا الأمر في عام 1950 تقريبًا وكانت الأخت الكبرى ملتحقة بالدير منذ سنوات، وحان وقت إبرازها للنذور الأولى بعد فترة الاختبار. الأم امرأةٌ ريفيةٌ فقيرةٌ للغاية، غير متعلمة، كان تجمع أولادها يوميًا لصلاة ولم تكن تعرف غير صلاة الأبانا وصلاة المسبحة. كانت الأم تتوق أن ترى ابنتها البكر في ثياب الرهبنة، ولكن من أين لها بالمال اللازم للسفر، فهي فقيرةٌ للغاية. رفعت صلوات حارة للعذراء في أن تساعدها لرؤية ابنتها في الثوب الرهباني. في وقت نومها، رأت رؤية، روتها لأسرتها بعد أن استيقظت من النوم، أتتها العذراء مريم ملتحفة بنور ساطع وعلى رأسها أكليل المجد، وشكرتها على إنها تتذكرها يوميًا في صلاة المسبحة، وأعطتها جنيه أخضر (العملة في ذلك الوقت) بعد أن قطعت طرفه. فرحت الأم ووضع الجنيه تحت وسادتها. استيقظت وروت قصتها لأهل بيتها، لكنها وضعت يدها تحت الوسادة فلم تجد شيء. استخف الزوج بالقصة وبرؤية زوجته الليلية، إلا أن الأم قامت وجهزت نفسها للسفر، وأعدت ملابس زوجها ليرافقها في رحلتها لرؤية ابنتهما الراهبة. كان لدي الأم ثقة غريبة في إنها ستسافر في ذلك اليوم. في فترة الظهيرة، وأثناء لعب أولادها الصغار في الشارع، وجد صغيرتها جنيهًا فحملته إلى الأم، فكانت دهشة أهل البيت كبيرة حينما وجدوا جنيهًا مقطوع الطرف في ذات المكان الذي روته الأم في الحلم.

كُللت العذراء بالمجد سلطانة على السماء والأرض، هي سلطانة الملائكة والأنبياء والقديسين. فما هو فضلٌ مريم؟ في مقطع قصير يكشف لنا القديس لوقا عن فضل مريم الأول، في هذه الآيات: “وبَينَما هوَ يَتكَلَّمُ، رفَعَتِ اَمرَأةِ مِنَ الجُموعِ صَوتَها وقالَت لَهُ: «طوبى لِلمَرأةِ التي ولَدَتْكَ وأرضَعَتكَ». فقالَ يَسوعُ: «بل طوبى لِمَنْ يَسمعُ كلامَ الله ويَعمَلُ بِهِ»”. مريم قديسة ليس لأنها أمٌ الله، لكن لأنها سمعت كلام الله وعملت به، استمدت حياتها من كلمة الحياة ذاتها. تملء هذه الحقيقة حياتنا بالرجاء، فنحن جميعًا، كلُ البشر، ليسوا أقل من مريم، جميعًا مدعون إلى السماء والفردوس، مع مريم، فقط متى سمعنا كلمة الله وعملنا بها.

يذكر لوقا هذا الموقف والمسيح في طريقه إلى أورشليم ليُصلب. مريم سائرة معه في طريق الألام، وهو يعلم الجموع صلاة الأبانا ويخرج الأرواح النجسة. ترفع أمراةٌ صوتها لتمدح يسوع بطريقة غير مباشرة، فتمدح الأم التي أنجبته، وأرضعته. يجاوب يسوع المرأة فيضع سماع كلام الله والعمل به هي الأمور الأكثر أهمية من أمومة مريم الجسدية. سماع كلام الله والعمل به أكثر أهمية من كونها أم الله. يضع يسوع قاعدة سهلة متاحة لجميع المؤمنين في كل زمان، سماع كلام الله والعمل به هو شرط دخول السماء والفردوس. الوصول إلى القداسة سهلٌ للجميع، فقط أن يسمع الإنسان كلام الله ويثق به ويعمل به. “الإيمانُ هوَ الوُثوقُ بِما نَرجوهُ وتَصديقُ ما لا نَراهُ” (عبرانيين 11: 1).

لذا يبرز لوقا، في أكثر من مناسبة، صورة مريم المؤمنة بكلام الله والذي تحفظه في قلبها. هي صورة كل مؤمن وكل تلميذ ليسوع. تطويب يسوع يلقي الضوء على حرية مريم الشخصية التي تجاوبت مع دعوة الله بالنسبة لها.

مريم عظيمةٌ في السموات، يحفظها الله في نوره ومجده وقداسته وجعل منها سلطانة الملائكة والقديسين، وأم المخلص، أم الكنيسة، محامية المسيحين، النموذج الأكمل للإيمان والمحبة والرجاء. جعلها وسيطة للنعمة الإلهية، تجلس على يمين ابنها في مجده.

عظمها الله بهذه الصورة لأجل تواضعها. وهذا هو سر العذراء الخاص. هي أكتر تواضعًا بين البشر، بين جميع المخلوقات. هي وضعت ذاتها تمامًا بين يدي الله ليُشكلها وفق إرادته القدوسة.

منذ سقوط آدم، يسأل الله الإنسان هذا السؤال: آدم، أين أنت؟ أختبئ آدم خجلاً من عريه وضعفه. فقط العذراء هي الوحيدة من البشر التي سمعت كلام الله وعملت به حقيقة. نقرأ في قصة البشارة، الجواب المدهش من العذراء: “ها أنا آمة للرب”، والترجمة الصحيحة لها: “أنا هنا، خادمة الرب”. تُجيب مريم على السؤال الذي سأله الله لآدم في جنة عدن. أخيرًا وجد الله إنسان منفتح تمامًا على إرادته القدوسة. إنسان يسمع ويحفظ كلمة الحياة ويعمل بها. تركت العذراء ذاتها كليًا، نفسها، جسدها، روحها، فلم يعد شيء لها، كل شيء فيها هو فقط لله، منذ لحظة الحبل بها، إلى انتقالها المجيد إلى السماء.

اليوم هو عيدٌ للرجاء.. رجاء لكل واحد منا. أن يحظى بتلك النعم الغزيرة التي حصلت عليها العذراء في حياتها إلى يوم انتقالها. أن نحظى بانتقال أجسادنا إلى حياة أبدية، إلى فردوس النعيم.. فقط إذا تصرفنا كالعذراء.. سمعنا كلام الله وعملنا به. أن نجيب بنعم على نداء الله لنا، لا نختبئ مثل آدم خجلاً من أخطائنا.

  • هل تعتقد أن مريم كانت “مميزة جدًا” لذا يأتي انتقالها كختام لحياتها “المميزة والخاصة”؟
  • ما هي صعوبات التي تمنعك من سماع كلام الله وحفظه؟
  • ما هي صعوبات تطبيق كلام الله في حياتك؟
قد يعجبك ايضا
اترك رد