إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

محبة المال

0 839

الطمع أصل كل الشرور

يقترب شابٌ من المسيح ويسأله: “ماذا أفعل كي أرث الحياة الأبدية؟”. يجاوبه المسيح: أولا هل تحفظ الوصايا. يرد الشاب بالقول بأنه حفظ كل الوصايا منذ صباه. فيجيبه المسيح ويقول له: ينقصك شيء واحد «اذهب فبع ما تملك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني”. فذهب الشاب حزيناً لانه كان ذو مالٍ كثير».

لنتوقف أمام طلب الشاب: “ماذا أفعل كي أرث الحياة الأبدية؟”، الشاب يبحث عن الحياة الأبدية، ويعرف أنها حياة يرثها بعد الموت، أي شيء مرتبط بالمستقبل البعيد، والعالم الآتي. تلك مشكلتنا اليوم! نعتقد أن الحياة الأبدية هي شيء خاص بالمستقبل البعيد، بالعالم الآتي لا نعرف متى سيأتي.

ويرد المسيح بطريقة غريبة: “اذهب فبع ما تملك وأعطه للفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني”. اي ان المسيح لا يقول له ماذا يجب ان يفعل كي يرث الحياة الابدية. بل يقول له ماذا يفعل كي يرى ويتذوق الان تلك الحياة الابدية. المسيح لا يضع امامه شرط كي يكسب الحياة الابدية، بل يضع امامه الطريق كي يختبر تلك الحياة ويحياها منذ الآن. نعم منذ الآن فالحياة الابدية هي بالفعل حاضرةٌ. يسوع المسيح لا يدعو الشاب أن ينتظر شيئا في المستقبل بل أن يبدأ يتنعم الآن من تلك الحياة الابدية، نعم الآن. ان يتبع المسيح، ان يسير وراءه، ان يسير على خطاه، تلك هي الحياة الابدية التي من الممكن ان نتذوقها الآن.

أخوتي لماذا ننتظر أن تتحقق أمانينا في المستقبل البعيد؟ لماذا نجتهد في أن نوفر حياةً كريمةً لأطفالنا، وننشغل أن نعيش حياة كريمة معهم الآن، أن نتذوق جمال الحياة الآن. يجتهد ربُ الأسرة ويعمل ليل نهارٍ، ليوفرَ مالاً يمكن أن يضمن حياة كريمة للأبناء في المستقبل. يجتهد إلى الدرجة التي لا يجد فيها وقت أن يجلس مع أبناءه، يلعب معهم، يكسب ثقتهم. وقت يكون فيه التركيز على الأبناء، يسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم والتنفيس عن مشكلاتهم، عن قلقهم وأمانيهم. يظن الأب إنه يوفر لأبناء كل احتياجاتهم: الجامعة الخاصة، تكاليف الزواج، ننشغل في التفكير في المستقبل البعيد، ونخسر الحاضر. نجتهد في توفير أسباب السعادة للأحباء في المستقبل البعيد، ونخسر أن نشعر معهم بالسعادة الآن. ينبهنا المسيح، في إنجيل اليوم، لأهمية اللحظة التي نعيشها الآن.. ملكوت السموات هو حاضر الآن، الحياة الأبدية هي حاضرة، يدعونا لعيش جمال الحياة، لأن نتمتع بالحياة الحاضرة، حتى الحياة الأبدية هي حاضرة الآن.

يحضرني تلك القصة الطريفة التي ذكرها باولو كويلهو في أحد كتبه، عن ذلك السائح الذي ذهب إلى المكسيك وجلس على أحد الشواطئ الهادئة يراقب الصياديون أثناء صيد الأسماك فلاحظ أن الصياديين لا يقضون وقت طويل في الصيد، بل يصطادون القليل بما يكفي حاجاتهم وحاجة عائلاتهم، فسألهم: ماذا تفعلون في باقي أوقاتكم؟  أجابوه: ننام إلى وقتٌ متأخر، نلعب مع أطفالنا، وفي المساء  نلهو ونضحك ونرقص. قال السائح: لدي ماجستير في إدارة الأعمال وبإمكاني مساعدتكم! عليكم أن تبدأوا في الصيد لفترات طويلة كل يوم، ومن ثم تبيعون السَّمك الإضافي بعائد أكبر وتشترون قارب صيد أكبر.

سألوه: ثم ماذا؟ أجاب: مع القارب الكبير والنقود الإضافية تستطيعون شراء قارب ثاني وثالث وهكذا حتّى يصبح لديكم أسطول سفن صيد متكامل، وبدل أن تبيعوا صيدكم لوسيط ، ستتفاوضون مباشرة مع المصانع، وربما أيضاً ستفتحون مصنعاً خاصاً بكم، وسيكون بإمكانكم مغادرة هذه القرية وتنتقلون لمكسيكو العاصمة، أو لوس أنجلوس أو حتى نيويورك، ومن هناك سيكون بإمكانكم مباشرة مشاريعكم العملاقة، وتربحون الملايين.

سأل الصَّيادون السّائح: كم من الوقت سنحتاج لتحقيق هذا؟ أجاب : حوالي عشرين أو ربما خمسة وعشرين سنة. فسألوه: وماذا بعد ذلك؟ بعد ذلك يمكنكم أن تتقاعدوا وتعيشوا بهدوء في قرية على الساحل تنامون إلى وقت متأخر.. تلعبون مع أطفالكم.. وتأكلون مع زوجاتكم.. وتقضون الليالي في الاستمتاع مع الأصدقاء..أجاب الصياديون مع كامل الاحترام والتقدير.. ولكن هذا بالضبط ما نفعله الآن.

هل إجابة يسوع على الشباب الغني بضرورة أن يبع كل شيء ويعطيه للفقراء، ثم تعليقه بعد أن ذهب الشاب حزينًا عن صعوبة أن يدخل الغني ملكوت السماوات: “أقولُ لكُم: مُرورُ الجمَلِ في ثَقبِ الإبرةِ أسهَلُ مِنْ دُخولِ الغنيَّ مَلكوتَ الله”. تعنى إنه يحذر من خطورة المال على الساعين للملكوت! هل معقول أن يوزع الشاب أمواله على الفقراء والمحتاجين، ولا يعتني بعائلته وأطفاله.

يحذر يسوع ليس من المال في حد ذاته، بل الطمع. لاحظ عزيزي القارئ أن الشاب الغني، ذكر خمساً من الوصايا العشر، ولم يشير من قريب ولا بعيد عن الوصية العاشر فذكر له يسوع مضمونها بالقول: “بع كل شيء ووزع على الفقراء” (لو 18: 20- 22)، إذ لمس بذلك وتراً حساساً فيه، “فلما سمع ذلك حزن لأنه كان غنياً جداً” (لو 18: 23).

ويذكر بولس الرسول الطمع -بكل صوره كأكبر مظهر للخطيئة ويقول في رسالته الأولى لتيموثاوس: “لأن محبة المال أصل لكل الشرور، الذي إذا ابتغاه قوم ضلوا عن الإيمان وطعنوا أنفسهم بأوجاع كثيرة” (1 تي 6: 10).

ما معنى كلام يسوع اذا؟ ما يريده المسيح ألا يكون المال اية مكانة في قلبك، تستعمله ولا تشتهيه، تكون حرًا منه بحيث تعطي بعضا منه او الكثير اذا احتاج إليه غيرك. لا تكن محبا للمال انما يكون المال وسيلة وليس غاية وان تكون على يقين ان ملكوت الله هو الأول في حياتك، قال الرب يسوع بل اطلب ملكوت الله وبره وهذه كلها تزاد لكم (لوقا 12: 31). وهذا ما هو مطلوب من الانسان: الحرية من اجل طاعة وتنفيذ وصايا الرب ،اذ بوصايا الرب يحيا الانسان. الحرية هي ان تصنع ما يتمناه الله وما يأمر به وما يوصي به ، والشاب الغني لم تكن له مثل هذه الحرية .

قد يعجبك ايضا
اترك رد