إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

رَجُلٌ اَسمُهُ زكَّا

0 855

يحدد لوقا منذ البداية هوية الشخص الذي يتقابل مع يسوع فيذكر اسمه: زكا. لكن قبل ذكر الاسم يقول عنه: “رجلٌ“. هكذا يراه يسوع. لا يصنف يسوع البشر وفق مراكزهم الاجتماعية أو المالية، هو يراه إنسانٌ، مخلوق على صورة الله ومثاله، يملك بداخله الخير. اسمه اسمه زكا: زكيي التي تعنى “البرئ والنقي”. هو صورة للبرارة التي خلقنا عليها جميعًا في آدم.

مِنْ كِبارِ جُباةِ الضَّرائبِ: إنسان نقي وبرئ جعلت منه الحياة جابيًا للضرائب. هو رئيس الجباة وهي وظيفة كانت تُشترى بالمال، يحصل عليها الأغنياء القادرين على دفع أموالاً طائلة لسلطة الاحتلال الروماني، حتى يتسنى لهم جمع الضرائب من المواطنين نظير فائدة أو نسبة من التحصيل. رئيس العشارين، وظيفة دنسة عند العبرانيين، لذا كان مكروهًا وخاطئًا في نظر شعبه. لذا يعترض الفريسيون ومعلمو الشريعة متذمرين على المسيح وتلاميذه : “لماذا تأكُلونَ وتَشربونَ معَ جُباةِ الضَّرائِبِ والخاطِئينَ؟ (لوقا 5: 30)، ووصفوا يسوع بإنه: “رَجُلٌ أكولٌ وسِكِّيرٌ، وصَديقِ لِجُباةِ الضَّرائِبِ والخاطِئين” (لوقا 7: 34).

لكن ما هو سبب اختيار يسوع لهؤلاء الخطأة المعروفين والمرفوضين من الجميع؟

يخطئ جميع البشر، ولكن الخطايا تبقي مستترة وغير معروفة، وعندما تبقى الخطيئة غير مُعلنة للآخرين تكون مقبولة يمكن التعايش معها، لكن عندما تخرج إلى العلن ويتناقلها الآخرين، تكسر قلب الإنسان، وكبريائه. يملك الخاطئ المعروف خطيئته “قلبًا منكسر- القلب المنكسر لا يرذله الله” (مزمور 50: 19) وهذا ما يدفعه إلى تغيير حياته. هذا هو أساس التغيير في حياة الإنسان، هو أن يُدرك خطيئته واحتياجه إلى التوبة. كان الرجل خاطئًا في عُرف الفريسيين ومعلمي الشريعة، كان دنسًا، كالمرأة الزانية تمامًا، يتنظرون الفرصة المناسبة لكي يرجموه.

كان غنيًا، “ما أصعَبَ دُخولَ الأغنياءِ إلى مَلكوتِ الله” (لوقا 18: 25). لكن يختلف زكا عن الشاب الغني. فالشاب عُدَ صالحًا من الجميع لحفظه للوصايا، أما زكا فهو خاطئ في نظر نفسه والآخرين، هو يعرف إنه في احتياج للغفران، ليس لديه شيء ليفخر به أمام الآخرين. لذا دفعه تواضعه ورفض الآخرين له ليبحث عن المسيح، لعل لقائه به يغيير شيئًا ما في حياته. ظل يبحث عن يسوع، ولكنه لم يستطع رؤيته بسبب الجموع، ولأنه كان قصير القامة. اصطدم بحث زكا بصعوبات جمة أهمها حدوده الجسدية. يعلمنا زكا اليوم بأن لقاءنا مع يسوع يأتي عندما نُدرك حدودنا، نقائصنا، مناطق الظلام التي تملئ قلوبنا. يحدث اللقاء بين النفس البشرية ويسوع في حالة واحدة: عندما تُدرك حالتها وضعفها وهشاشتها، أو تمر حياتنا دون أن نلاقيه أو نتعرف عليه!!

تدفع الرغبة في لقاء يسوع زكا فيسرع إلى جميزة ويصعدها ليراه. سبق زكا يسوع، فيكون على خلاف كافة التلاميذ التي تسير خلف المعلم لتتبعه. هذا التصرف يجعلنا نتذكر قول يسوع: ” جُباةُ الضَّرائبِ والزَّواني يَسبِقونكُم إلى مَلكوتِ الله” (متى 21: 31). لم يهتم زكا بماذا سيقول الناس عنه وهم يرونه على الشجرة كالأطفال الصغار وهو الرجل المعروف، ذو السلطان والجاه. اختار شجرة كثيفة الأوراق لعله يتمكن من رؤية المسيح دون أن يلاحظه أحد.

أراد أن يرى يسوع، إلا إن المسيح راه أولاً. وفي هذا اللقاء معنى حياتنا المسيحية كلها. نريد أن نرى يسوع، أن نبقى معه، لكنه يرانا ويحبنا أولا، يدعونا ويقدم لنا الحياة بوفرة. طلب يسوع من زكا أن ينزل سريعًا ليذهب معه إلى بيته. لم يطلب منه أن يُقدم ثِمارًا تليق بالتوبة أولاً، لم يحكم عليه. لم يعامل زكا كخاطئ، بل كإنسان، لم يصنفه كما يفعل البشر. يتلاقى يسوع مع الإنسان البائس ويغفر له قبل أن يقدم زكا ثمار تُعبر عن توبته واهتدائه. يقدم يسوع مغفرته أولاً وهي القادرة على مساعدة الإنسان أن يتغير ويبدل حياته: “تَتَغاضى عَن خطايا النَّاسِ لِتُمهِلَهُم حتى يَتوبوا” هكذا يعلم سفر الحكمة (حكمة 11: 23).

هناك مانع وحيد يمنع الإنسان من لقاء يسوع: القناعة باستحالة التغيير. كثيرًا ما نقف عاجزين أمام أخطائنا، منغلقين على أخطاء الماضي، على ألم وجروحات ما أقترفناه في السابق. المانع الحقيقي هو البقاء مقيدين بسلاسل الذكريات والنحيب والبكاء. نحتاج إلى الشجاعة في أن ننظر إلى الأمام، مثلما قال بولس في رسالته إلى أهل فيلبي (2: 13- 14): “يَهُمُّني أمرٌ واحدٌ وهوَ أنْ أنسى ما ورائي وأجاهِد إلى الأمامِ، فأَجري إلى الهَدَفِ، لِلفَوزِ بالجائِزَةِ التي هِيَ دَعوَةُ الله السَّماوِيَّةُ في المَسيحِ يَسوعَ”. علينا أن نؤمن بأن الله يتغاضى عن الخطايا في سبيل أن يمهل الناس كي يتوبوا.

قد يعجبك ايضا
اترك رد