إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

أنا وأنت والفقير لعازر

0 966

أود أن أتكلم معكم اليوم عن مثل الغني ولعازر (لوقا 16: 19- 31)، وسوف أتوقف عن عنوان المثل. فالغني مجهول الاسم، في حين أن الفقير معروف الاسم، واسمه لعازر. يُعبر الاسم عن هوية الشخص، عن أصله وانتماء لاسرة ولعائلة ولعشيرة. فلان ابنُ فلان، فهو معروف لدي الجميع، معروف هو أصله وعائلته. يعرف الله الفقير باسمه، يعرف احتياجاته، ظروف حياته، مشكلاته. أما الغني فهو مجهولُ الاسم، غير معروف الهوية، خلق هوة كبيرة وعميقة بينه وبين الله وبينه وبين الآخرين، خلق مسافة فاصلة فلم يفطن لوجود آخر أمام باب منزله ولم ينتبه لحالته.

لا أعتقد إن الغني شرير، بل فقط مكتفي بذاته، مشغول بأمور حياته، متفرغ لاهتماماته. قد جعل من نفسه محور كل شيء، منغلقًا على عالمه، عالم الغنى والتبديد. هو ليس إنسانٌ سيئ، فالذي يظهر من النص، إنه عكس ذلك، هو متدينٌ، يخاطب أبو الأنبياء، إبراهيم قائلا: “أبتِ إبراهيم”، هو يهودي متدين، مدعيًا إنه ابنه، إذ ينتمي إلى شعب الله.

يقول يسوع أن هذا الرجل الغنيّ قد مات في أحد الأيام ومات لعازر أيضًا. انقلبت الأوضاع في الآخرة. حَمَلَت المَلائِكَةُ لعازر إِلى السماء لحِضْنِ إِبراهيم، أما الغني فهبط إلى العذاب، ليس لأنه غني، بل لأنه غير مهتم بالقريب، لا يرى جاره الذي يعاني من العوز الشديد. وهذا ما أكده عاموس النبي (6: 1ي) عندما دان شعب مملكة الجنوب لأنهم لم يهتموا بانهيار مملكة الشمال، وقضوا حياتهم كأن الأمر لا يعنيهم: “ويلٌ لكُم أيُّها المُترفِّهُونَ في صِهيونَ، ويا أيُّها الآمِنونَ في جبَلِ السَّامرةِ،… لأنكم لا تَذُوبونَ حُزْنًا على هَلاكِ بَيتِ يوسُفَ”. عاش الغني في اكتفاء بذاته يجد ضمانة حياته في الأموال وفي اهتماماته الفارغة.

يوجه المثل إذن الأنظار إلى خطيئة “الاهمال”، عدم الاهتمام بالقريب، فأمرُ الآخر لا يشغلني، أنا مطمئنُ في حياتي فلماذا أهتم بشئون الآخرين. أرى نفسي في علاقة طيبة مع الله، أطبق شرائعه في شكلها الخارجي، أؤدي صلواتي وواجباتي، فماذا ينقصني؟

فطن الغني لوجود لعازر أخيرًا عندما رفع “عَينَيهِ… فرأَى إِبْراهيمَ عَن بُعدٍ ولَعازَرَ في أَحضانِه”. يبدو وكأنه يرى لعازر لأول مرة. لم يلاحظه في خروجه ودخوله من منزله، ولماذا يهتم بأمر إنسانٌ آخر؟! كانت الكلاب وحدها “تهتم” بالمسكين، تأتي وتّلحسُ قُروحهُ.

لا يُدانُ الإنسان فقط على ما فعل من شرٍ، بل على الخير الذي كان بإمكانه أن يفعله ولم يفعله. هكذا وصف يسوع الدينونة: “يا ربٌّ، متى رأيناكَ جوعانًا فأطْعَمناكَ؟ أو عَطشانًا فَسَقيْناكَ؟… كُلَ مَرَّةٍ عَمِلْتُم هذا لواحدٍ من إخوتي هَؤلاءِ الصَّغارِ، فلي عَمِلتُموهُ!” (متى 25: 42- 44). فالإنسان مخلوق في هذه الحياة ليس لأجل نفسه فقط، بل لأجل الآخرين. فإذا امتنع عن فعل الخير، إذا لم يقدم يد المساعدة والعون، فإنه لم يرتكب شرٍا لأحد، لكنه “أهمل” في العناية والاهتمام بالآخر.. هذا ما علمه يسوع في مثل السامري الصالح.

لكن قبل أن يصنع الإنسان الخير لصالح الآخرين، عليه القيام بخطوة أولى! أن يشعر باحتياجات الآخر، بألامه، بعذابه، برغبته في المكاشفة والتنفيس عما يشغله ويقلقه. الشعور باحتياجات الآخر، حتى إذا لم يصفح عنها، هي الخطوة التي تسبق فعل الخير. لقد كان أحشاء المسيح تتحرك عندما يرى شقاء الإنسان وألمه ومرضه وحالته النفسية. حتى إذا لم يستطيع أن يُقدم الخير له، يكفي تقاسم شعور المرارة التي يشعر بها، يكفي أن يجد إنسان يثق به، يبوح له بمشكلاته وآلامه. الفقير اليوم هو ليس المعوز ماديًا، بل اجتماعيًا ونفسيًا، هو الإنسان المتروك، المهمل، الذي لا يسأل عليه أحد، ولا يهتم بأمره قريب.

لعازر، يعنى “الله يُعين”، الله لن ينسي الإنسان المقهور والمظلوم، يسمع صراخه وينصت إلى آنينه. لكن الأغنياء، المكتفون بأنفسهم، المشغولون بحياتهم، الغارقون في اهتماماتهم الفارغة، المنكفئون حول ذواتهم، يخلقون هوة عظيمة بينهم وبين الله وبينهم وبين الآخرين. لقد حصلوا على فرصتهم كاملة، ولم يفهموا دعوتهم في الحياة، فأنا وأنت في حاجة لبعضنا البعض: ليس حسنٌ أن يكون كلٍّ منا وحده….

قد يعجبك ايضا
اترك رد