إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

رأس السنة 2016

0 1٬185

لحظات وينتهي عام 2016 ويبدأ عامٌ جديد. في نهاية العام ينظر البعض إلى حياته في هذه السنة ويتذكر أخطائه ونقائصه على المستوى الروحي، يعترف بخطاياه وسقطاته خلال العام، يندم على الفرص الضائعة التي أهدرها للاقتراب من الله والشركة معه. يعزم عزما صادقًا على عدم العودة إلى تلك السقاطات ولكنه سيعاني الإحباط لأنه سيعود إلى ذات الأخطاء، بالرغم من الوعود السخية بعدم تكرارها.

ينظر البعض الأخر إلى ما ينقصنا من ضروريات الحياة فيتذمر على الظروف الاقتصادية الصعبة والغلاء الذي طال كل شيء تقريبًا في السنة الفائتة. يتذمر بالرغم من إنه لم يلغي مصيفه السنوي، ولا شراء الملابس الجديدة، وأطفاله في مدارس خاصة بمصروفات مرتفعة. مما لا شك في إن كلِّ شيء قد تم بصعوبة، وبالرغم من التذمر مازال قائمًا على قدميه، لديه عملاً ثابتًا، أسرة مستقرة، سكن متوفر، غطاء يقيه من البرد القارس هذه الأيام. يتذمر لأن الرب أعطاه مائة أو تسعين وزنة، كان يأمل أن يعطيه الرب عشرة آلاف وزنة. لكن ماذا سيقول من يملك وزنة واحدة وليس مائة أو تسعين للرب في نهاية هذه السنة. ماذا سيقول مَن لا يجد عملاً ثابتًا يوفر له دخلاً يقيه من العوز وطلب الاحسان من الآخرين، منزلاً يأويه، غطاءً يحميه من برد الشتاء؟

يفكر الإنسان دائمًا فيما ينقصه لأجل أن يكون سعيدًا، ولكن لننظر إلى الأمر من زاوية أخرى. لدى كل من الحضور اليوم نِعم كثيرة لا نفطن إليها. الحياة هي نعمة، الحب نعمة، الهواء والشمس والفرح والجمال نِعم، حتى الألم هو نعمة فبدونه لا يُدرك الإنسان معنى الأشياء، فآلام القلب هي جرس إنذار للشخص بتوخي الحذر والاسراع لعمل ما يلزم من فحوصات وتحاليل طبية. الخير الذي فكرت فيه وصنعته،  السعادة التي رسمتها على وجه قريبٌ أو بعيد هي نعمة. المساعدة التي قدمتها للغريب أو الضيف هي نعمة. هناك بلا شك من يحبك ويخاف عليك ويهتم بأمرك، مَن يثق بك وهذه هي نِعم كثيرة لا يفطن إليها المرء أحياناً.

في رواية الإنجيلي لوقا البشير للصيد العجائبي (لوقا 5: 1-11)، نرى بطرس وهو يعود من ليلة تعب فيها مع أصدقائه دون أن يصطاد شيئًا. كان بطرس وزملائه مُحبطون من التعب دون فائدة. لم ينظر بطرس إلى الزاوية الأخرى، لم ينظر إلى إنه يمتلك شباك للصيد، يمكن أن يستغلها في اليوم التالي وفي فرصة أخرى فينال شيئًا من الصيد. لم ينظر إلى إنه يمتلك قاربًا، حتى إذا كان متهالكًا، يمكن استخدامه في الصيد، في حين إن هناك من لا يملك سنارة للصيد. لم ينظر بطرس إلى إنه هناك مجموعة رائعة من الأقرباء والأصدقاء يتقاسمون فرح الحياة معًا. نظر بطرس، مثلنا، إلى ما ينقصه، إلى ما يحتاج إليه، فشعر بعدم الرضى لأنه تعب طوال الليل دون فائدة.

يقف المسيح على الشاطئ ليمنح بطرس وباقي الرسل المتذمرين نِعم وعطايا وفيرة، فيطلب منهم بأن يلقوا الشباك على يمين القارب، فتمتلئ الشباك بصيدٍ غير منتظر ولا متوقع. يقول يوحنا في إنجيل اليوم: “مِن ملئه نلنا نعمة على نعمة”. في حياة كل إنسان منا نِعم كثيرة، وبدل من الرضى بها، ومشاركة الآخرين في تلك الخيرات، نتذمر على ما ينقصنا منها.  فلنشكر الله معطي كل الخيرات، على كل النعم التي حصلنا عليها خلال العام الفائت ونطلب منه المغفرة الوقت المهدر دون فائدة، المال الذي تم انفاقه بصورة سيئة، للكلمات التي قيلت دون داعي، للعمل الذي تم بصورة غير مرضية، للحياة دون حماسة وشغف، للصلاة التي تم تأجيلها.

لنطلب الله، وحده الخير الأسمى، في بداية السنة الجديدة. لنطلبَ المسيح الملء والكمال الوحيد لكل احتياج بشري. لم يحتاج أن يقترب من بطرس ليمنحه نعمته، لكنه تواجد بعيداً على الشاطئ ومنح كل شيء له. ها هي شباكه الفارغة وإحباطه الغير محتمل، وإرهاقه ويأسه تحول إلى مصدر فرح وحياه ممتلئة بالحبور والسعادة.

أقول لكم ألقوا شباككم على يمين السفينة تجدوا، ستجدون ما تبحثون عنه. تعبتَم طوال حياتك في البحث عن السعادة، قضيتم الليالي الطويلة في ظلام دامس، ولم تعرفوا أين تضعوا أقدامكم، تحوطكم المشكلات من كل جانب، وجدتم الطرق مسدودة أمامكم.. استجبوا لنداء الغريب: “ألقوا شباككم إلى يمين القارب”. ستجدون ما تبحثون عنه..

قد يعجبك ايضا
اترك رد