إنه عدَني ثقة فأقامني لخدمته

خاتم زواج الأرملة

0 1٬557

منذ سنوات كنتُ أعمل في قرية فقيرة في صعيد مصر، وهناك تعلمت أهم دروس الحياة. جاءتني يومًا أرملة فقيرة عجوز في الثمانين من العمر، وأنا مُنشغل في ترميم الكنيسة الآيلة للسقوط. طلبت أن تُقدم تبرعًا لإعادة بناء كنيستها التي تربت فيها، فرفضت باصرار لعلمي بأنها أكثر احتياجًا من الكنيسة.   أخرجت منديلاً قديمًا تربطه بإحكام شديد، ثم فتحته وكانت المفاجأة إنها جاءت تقدم خاتم زواجها الذي ادخرته طوال ستون عامًا. كانت مفاجأة صادمة لي لعلمي إنها في عوزٍ شديد، إلا إنها أصرت على طلبها. قبلت خاتم الزواج الذهبي منها نظرًا لإلحاحها الشديد. وأعترف لك عزيزي القارئ إني أحتفظ بالخاتم حتى اليوم، لثقتي بأن قابلت يومًا صاحبة الفلسين التي ذكرها الرب يسوع في الإنجيل.

يقول بنى سيراخ: “أَعطِ ٱلعَلِيَّ عَلى حَسَبِ عَطِيَّتِهِ، وَقَدِّم كَسبَ يَدِكَ عَن قُرَّةِ عَين، فَإِنَّ ٱلرَّبَّ مُكافِئ، فَيُكافِئُكَ سَبعَةَ أَضعاف لا تُقَدِّم هَدايا بِها عَيب، فَإِنَّ ٱلرَّبَّ لا يَقبَلُها” (15: 10- 12).

هناك شروط ثلاث لمن يرغب في أن يقوم بعمل رحمة تجاه الآخرين:-

الأول: هو أن يعطي الإنسان الله على حسب عطايا الله له. لقد أعطانا الله كل شيء تقريبًا: الحياة والفرح والجمال والسعادة والخيرات بمختلف أنواعها، لذا فإن العطية المُقدمة لله، من خلال الفقراء والمحتاجين هي عطية ثمينة، ليس في قيمتها المادية، لكن في الدوافع التي تقترن بها. لعطاء بحبٍ هو المعيار وليس قيمة العطاء. مثل الأرملة التي أعطت كل ما عندها، كل معيشتها (مر 12: 44). تصرفت المرأة بحب كبير، فالناموس يطالبها بالعشور فقط، لكنها أعطت كل شيء وخرجت من الهيكل وقد أصبحت مُعدمة. عرضت المرأة نفسها لسخرية واحتقار الآخرين، ولكن دافع الحب عندها جعلها تقدم أقصى ما عندها حتى ولو بدا ضئيلاً فى أعين الآخرين.

الثاني: هو أن يعطي الإنسان قدر طاقته بفرح “َقَدِّم كَسبَ يَدِكَ عَن قُرَّةِ عَين”. ذهبت الأرملة، صاحبة الفلسين، إلى الخزانة لتنفذ وصية الناموس دون أن تخجل من أن تضع قدر ضئيل من المال، وسط هبات الأغنياء الذين يملكون الكثير. أعطت بفرح وتواضع ما تملكه من مال. دافع الفرح في العطاء عندما يشعر الإنسان إن الآخرين أخوة له، يرغب في مساعدتهم ومشاركتهم لظروفهم الصعبة بتقدمة شيء ولو يسير لهم. ليس المعيار إذن هو العطاء أكثر من دوافعه، فأنت تعطي الآخرين لأنك تشعر إنهم أخوة لك، تسعد بمساعدة مَن تحبهم.

الثالث: هو أن يعطي الإنسان بثقة بنوية في عناية الله له الذي سيكافئه عما قام به لأجل الآخرين. هناك دافع أخير للعطاء وهو الثقة بعناية الله الذي لا يترك الإنسان، بل يعتنى به ويهتم بأمره.

قد يعجبك ايضا
اترك رد